الإسلام في إيران: من الفتوحات الإسلامية إلى الدولة الصفوية

المحتوى أخفي


المقال السابق: الإسلام في إيران: من العصور الساسانية إلى الفتوحات الإسلامية


في أواخر عام 23هـ امتدت يد الغدر لتغتال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، على يد المجوسي أبي لؤلؤة فيروز، فخسرت الأمة خليفة راشدًا وقائدًا عظيمًا. ومع هذا الحدث الجلل، خمدت حركة الفتوحات مؤقتًا في معظم الجبهات، وساد شيء من الاضطراب في أطراف الدولة الإسلامية.

في تلك الفترة، ظنّت بعض الأقاليم التي لم تتعمق بعد في فهم رسالة الإسلام أن الفرصة سنحت لها للتمرّد، وكانت بلاد فارس في مقدمة هذه المناطق، إذ اجتاحتها حركات عصيان تشبه ما وقع من ردة بعد وفاة النبي ﷺ. وكان الفرس يظنون أن مقتل عمر – الذي كان له هيبة في أنفسهم – سيفتح لهم بابًا لطرد المسلمين من أراضيهم، خاصة وأن القاتل فارسي الأصل.

غير أن حساباتهم كانت بعيدة عن الواقع؛ فقيادة الأمة لم تهتزّ، بل تسلمها عثمان بن عفان رضي الله عنه بثبات وحنكة.

أدرك عثمان رضي الله عنه عِظَم المسؤولية التي ورثها، فواصل مسيرة الفاروق بحزمٍ وحكمة، محافظًا على المنجزات الكبرى التي تحققت. واستمر في الفتوحات فاستكمال فتح خراسان وكرمان وسجستان ونيسابور ومرو وبلخ، مع تنظيم الولايات وتهدئة التمردات.

وتمكن عثمان رضي الله عنه من تأسيس نظام الإدارة في المدن المفتوحة، مثل تعيين الولاة والقضاة وجباية الجزية، بما يضمن استقرار الحكم الإسلامي في المناطق الجديدة.

وعيّن عثمان رضي الله عنه ولاته الأكفاء على الثغور؛ فكان أبو موسى الأشعري وعبد الله بن عامر على البصرة، وسعد بن أبي وقاص والوليد بن عقبة على الكوفة في فترات متعاقبة، وكلّفهم بمواجهة حركات التمرد في فارس، فنجحوا في إعادة الاستقرار، وإخضاع الأقاليم الخارجة مرة أخرى.


زلزال الفتنة الكبرى ولطف الله عز وجل

ثم ما لبث أن عصفت بالأمة الفتنة الكبرى في النصف الثاني من خلافة عثمان رضي الله عنه (30–35هـ)، وامتد أثرها إلى عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه (35–40هـ)، فأثّرت في وتيرة الفتوحات التي توقفت تقريبًا، إذ انشغلت الدولة بأزماتها الداخلية. وشهدت هذه المرحلة استشهاد عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي رافقه اندلاع صراعات داخلية كبيرة. ورغم ما تلى ذلك من أحداث زلزلت الصف الإسلامي وفتنة عظيمة أذهلت عقول الصحابة رضي الله عنهم، وظهور الخوارج، وكل ما تسبب في إبطاء الفتوحات إلا أنه لم تُفقد الأراضي المفتوحة للمسلمين.

بل حرص علي رضي الله عنه خلال ولايته، على حفظ الفتوحات السابقة رغم الأزمات الداخلية العظيمة والتحديات التي عرفتها المرحلة والتي وإن اشتد هولها فقد نبأنا بها نبينا صلى الله عليه وسلم مسبقا، وبقيت بلاد فارس وأجزاء المشرق تحت الحكم الإسلامي. ومن لطف الله عز وجل لم يتراجع المسلمون عن موطئ أقدامهم في المشرق.

ثم جاء صلح الحسن بن علي مع معاوية رضي الله عنهما في (40–41هـ) وهو الصلح الذي وضع حدًا للفتنة بعد استشهاد علي رضي الله عنه، وأدى إلى استقرار الدولة الإسلامية مرة أخرى، حيث مهد مباشرة لخلافة معاوية وسياساته تجاه البلاد المفتوحة.

واستتب الأمر لمعاوية سنة 41هـ، وهو العام الذي عرف بعام الجماعة. واستبشر المسلمون خيرًا بخلافته، متطلعين إلى استقرار الدولة بعد سنوات الفتن والحروب الأهلية، ومقدّرين صفاته من الحلم، والدهاء، والشهامة، والكرم، وعلو الهمة.


image 13

مدينة الريّ كانت مركزا إداريا وعسكريا بعد الفتوحات الإسلامية

سياسة معاوية رضي الله عنه تجاه البلاد المفتوحة

على الرغم من توقع البعض أن يعيد معاوية رضي الله عنه حركة الفتوحات على نطاق واسع، فقد اختار سياسة حكيمة، تقوم على تثبيت الفتوحات الإسلامية وتهيئة البلاد المفتوحة لقبول الإسلام عقيدة وشريعة. فقد أدرك معاوية رضي الله عنه، أن الفتوحات التي تمت في عهد الخلفاء الراشدين كانت سريعة، وأن الشعوب لم تتح لها فرصة فهم الإسلام وتعاليمه.

لتدعيم هذه السياسة، أصدر معاوية تعليماته للولاة بـتهجير الأسر العربية وإسكانها في البلاد المفتوحة، خاصة فارس، بحيث يكون العرب المسلمون أصحاب الرسالة الأكثر تأثيرًا في نشرها وفهمها. ومن أبرز هذه الإجراءات، نقل زياد بن أبي سفيان والي العراق (45–53هـ) خمسين ألف أسرة عربية مع عيالهم من البصرة والكوفة إلى خراسان، فكان لذلك أثر كبير في انفتاح الفرس على الإسلام بحرية تامة ودون إكراه.

واستمرت سياسة معاوية على هذا النهج طوال العصر الأموي، فثمرت عن تحول غالبية الشعب الفارسي إلى الإسلام. وقد أدى ذلك لاحقًا إلى إحداث تحديات مالية للولاة الأمويين، إذ تناقصت الجزية على المسلمين الجدد وفق الشريعة، حتى جاء عمر بن عبد العزيز (99–101هـ) وأمر بإلغائها، قائلاً عبارته المشهورة: «إن الله بعث محمداً صلّى الله عليه وسلم هادياً ولم يبعثه جابياً».

قال ابن كثير رحمه الله في رواية أحداث تلك الحقبة: “عزل عمر بن عبد العزيز الجراح بن عبد الله الحكمي عن إمرة خراسان بعد سنة وخمسة أشهر; وإنما عزله لأنه كان يأخذ الجزية ممن أسلم من الكفار ويقول: أنتم إنما تسلمون فرارا منها. فامتنعوا من الإسلام وثبتوا على دينهم وأدوا الجزية.

فكتب إليه عمر: إن الله إنما بعث محمدا صلى الله عليه وسلم داعيا ولم يبعثه جابيا. وعزله وولى بدله عبد الرحمن بن نعيم القشيري على الحرب وعبد الرحمن بن عبد الله على الخراج.

وفيها (سنة مائة من الهجرة النبوية) كتب عمر إلى عماله يأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر ويبين لهم الحق، ويوضحه لهم، ويعظهم فيما بينه وبينهم ويخوفهم بأس الله وانتقامه فكان فيما كتب إلى عبد الرحمن بن نعيم القشيري:

أما بعد، فكن عبدا لله ناصحا لله في عباده، ولا تأخذك في الله لومة لائم، فإن الله أولى بك من الناس وحقه عليك أعظم، ولا تولين شيئا من أمور المسلمين إلا المعروف بالنصيحة لهم، والتوفير عليهم، وأداء الأمانة فيما استرعي، وإياك أن يكون ميلك ميلا إلى غير الحق; فإن الله لا تخفى عليه خافية ولا تذهبن عن الله مذهبا; فإنه لا ملجأ من الله إلا إليه. وكتب مثل ذلك مواعظ كثيرة إلى العمال.

وقال البخاري في ” صحيحه “: وكتب عمر إلى عدي بن عدي: إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودا وسننا، من استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص” .

لقد آثر معاوية رضي الله عنه تثبيت الإسلام ونشره في البلاد المفتوحة، خاصة فارس، على فتح أراضٍ جديدة. وقد أثبتت الأيام صحة هذه السياسة، إذ أصبحت بلاد فارس كلها إسلامية، وقامت لاحقًا بدور رائد في فتوحات بلاد ما وراء النهر، ويُعد هذا الأمر من أهم منجزات العصر الأموي.

image 14

جسر خاجو في أصفهان

العباسيون وتثبيت الفتوحات ونشر الإسلام

ظل الفتح الإسلامي في بلاد ما وراء النهر محور اهتمام الخلفاء المسلمين منذ العصر الأموي، حيث واجه الأمويون تحديات كبيرة في تثبيت هذه الفتوحات وحمايتها من مخاطر الأتراك الشرقيين. ومع قيام الدولة العباسية سنة 132هـ، واصل الخلفاء العباسيون هذه السياسة، مضيفين بعدًا جديدًا لمواجهة خطر صيني كان يهدد السيطرة على المنطقة وعلى طرق التجارة الحيوية بين الشرق الأقصى وأوروبا.

معركة طالاس (134هـ / 752م) والانتصار العباسي

image 15

تجلت أبرز مواجهة مباشرة بين العرب والصينيين في معركة طالاس سنة 134هـ، والتي انتصر فيها الجيش العباسي انتصارًا حاسمًا، واعتُبرت أعظم الانتصارات العربية في وسط آسيا.

وأدت هزيمة الصينيين إلى تقاعسهم عن نصرة أمير أشرو ضد المسلمين، وهو ما أتاح للعباسيين الفرصة لتركيز جهودهم على مواجهة الأتراك الشرقيين الذين أصبحوا مضطرين للاعتماد على أنفسهم في مواجهة العرب. وبذلك استتب الأمن على الحدود، وارتفع شأن الدولة الإسلامية في المنطقة، ما مهّد لنشر الإسلام واستقراره بين الشعوب المحلية.

ودارت معركة طالاس على ضفاف نهر طالاس في منطقة قيرغيزستان الحالية، بين الجيش العباسي بقيادة أبو مسلم الخراساني والجيش الصيني التابع لإمبراطورية تانغ. لم يكن أحد يتوقع أن معركة واحدة ستغيّر شكل آسيا الوسطى إلى الأبد وتوقف التوسع الصيني غرباً، وتمدّ النفوذ الإسلامي في المنطقة.

الخلفية التاريخية

قبل المعركة، كانت آسيا الوسطى فسيفساء متقلبة بين قوى إقليمية وقبلية متنافسة. وسيطر الأمويون على أجزاء واسعة من المنطقة، بما فيها بخارى ووادي فرغانة وحتى شرق كاشغر، بينما حاولت الصين التوسع غرباً لضمان نفوذها التجاري والعسكري. ومع انهيار الدولة الأموية وصعود العباسيين، أصبح للمنطقة أهمية استراتيجية وتجارية كبيرة، خاصة لوجود طريق الحرير الذي يربط الشرق بالغرب.

اندلعت شرارة المعركة نتيجة نزاع محلي بين ملك فرغانة وحاكم تشاك، حيث طلب ملك فرغانة الدعم من الصين، فاستجاب الجيش الصيني وأعدم حاكم تشاك، لكن ابنه لجأ إلى أبو مسلم الخراساني، الذي رأى فرصة للحد من النفوذ الصيني.

مجريات المعركة

في منتصف يوليو/تموز 751م، التقى الجيشان على ضفاف نهر طالاس، واستمرت الاشتباكات خمسة أيام. تشير المصادر العربية إلى أن الجيش العباسي كان يفوق الجيش الصيني من حيث العدد، بينما تشير المصادر الصينية إلى أن قواتها كانت نحو 30 ألف مقاتل.

كان الجيش العباسي معرضاً للخطر بسبب بُعده عن قواعده، ولولا انضمام قبائل القارلوق التركية في منتصف المعركة، لكان من الممكن أن يُهزم هزيمة كبيرة. لكن التحالف مع القبائل التركية أدى إلى انتصار المسلمين وهزيمة الجيش الصيني الساحقة.

نتائج المعركة وتأثيرها

شكلت معركة طالاس نقطة تحول تاريخية في آسيا الوسطى، فقد أنهت النفوذ العسكري الصيني في المنطقة وأثبتت القوة العباسية، كما عززت التقارب بين العرب والمسلمين من جهة والعرق التركي من جهة أخرى، مما ساهم لاحقاً في انتشار الإسلام بين الشعوب التركية.

كما كان للمعركة تأثير ثقافي وعلمي كبير: بعد أسر العديد من الصينيين، كشفوا للعباسيين سر صناعة الورق الصينية المصنوع من البامبو والخشب والألياف النباتية. وأسس المسلمون معامل لصناعة الورق في سمرقند، ومن هناك انتشرت صناعة الورق إلى خراسان، العراق، الشام، وشمال إفريقيا، وصولاً إلى الأندلس وأوروبا، ما أحدث ثورة في حفظ المعرفة وتطوير العلوم في العالم الإسلامي وأوروبا لاحقاً.

إضافة إلى ذلك، ساهمت المعركة في تقويض سلطة سلالة تانغ الصينية بعد تمرد القادة العسكريين لوشان وشي سيمينج، ما اعتبر بداية تراجع الإمبراطورية الصينية في الغرب.

وهكذا لم تكن معركة طالاس مجرد مواجهة عسكرية، بل حدثا تاريخيا مفصليا وانعطافة كبرى في مسار آسيا الوسطى والعالم الإسلامي. فقد وحدت العرب مع القبائل التركية، وأوقفت التوسع الصيني غرباً، وأسست لانتقال صناعة الورق، ما غيّر مسار المعرفة والعلوم على مر العصور، مؤثرة بذلك في تاريخ العالم كله.

السياسة العباسية تجاه الأتراك وبلاد ما وراء النهر

اتبع العباسيون، على غرار الأمويين، سياسة توظيف الأتراك في الجيش والإدارة لتعزيز الحكم ونشر الإسلام. في عهد هارون الرشيد، أنشأ الفضل بن يحيى البرمكي فرقة كبيرة من الأتراك الغربيين في خراسان، بلغت خمسين ألف مقاتل، أُرسل منهم عشرون ألفًا إلى بغداد، وأُطلق عليهم اسم “الفرقة العباسية”.

وشمل جيش طاهر بن الحسين سبعمائة من الخوارزمية، كما تم استخدام الجنود الأتراك في بغداد نفسها.

واستمر الخليفة المأمون (198–218هـ) في هذه السياسة، وجذب زعماء الأتراك إلى خدمته في بغداد، مع منحهم العطايا والصلات وإلحاق فرسانهم بالحرس الخليفي.

وفي عهد الخليفة المعتصم (218–277هـ)، أصبح من الواضح أن الإسلام قد رسخ أقدامه في بلاد ما وراء النهر، وأصبح الأتراك الغربيون قوة دفاعية في سبيل الله تعالى، يشاركون في نشر الإسلام بين الأتراك الشرقيين. يقول البلاذري: «والمعتصم بالله جل شهود عسكره من جند أهل ما وراء النهر، من الصغد والفراغنة وأهل الشاش وغيرهم، وحضر ملوكهم ببابه، وغلب الإسلام على ما هناك، وصار أهل تلك البلاد يغزون من وراءهم من الترك ففتح مواضع لم يصل إليها أحد من قبله».

وهكذا مضى العباسيون قدما في تنفيذ السياسة التي رسمها الأمويون لأسلمة بلاد ما وراء النهر، وحققوا نجاحات هائلة، وسارت الثقافة الإسلامية في ركاب الإسلام، وتوطدت أركانها بين أهل البلاد ولم تعد ثقافة الوافدين فقط.

ويجدر الإشارة إلى أن خراسان (شرق إيران وأجزاء من أفغانستان وتركمانستان اليوم) كانت تمثل المركز الرئيس للدعوة العباسية ضد الدولة الأموية.

وبعد قيام الدولة العباسية، دخل العنصر الفارسي بقوة في الإدارة والعلم والسياسة، حتى أصبح من سمات العصر العباسي المبكرة.

image 16

نيسابور

التأثير الثقافي ونشر اللغة العربية


لم يقتصر اهتمام العباسيين على الشق العسكري والسياسي، بل شمل تعليم السكان ونشر الثقافة الإسلامية. فقد بدأت الشعوب في تعلم العربية، وظهرت المراكز الثقافية الأولى في المدن الكبرى مثل بخارى وسمرقند.

رغم أن ازدهار هذه المراكز الثقافية وتطورها الكامل تم في عهد الطاهر بين 205–259هـ / 820–873م والسامانيين 261–389هـ / 874–999م، فإن الخطوات الأولى كانت قد بدأت في أواخر العصر الأموي وأوائل العصر العباسي، ممهّدة لبروز علماء كبار من المنطقة مثل الإمام البخاري، الذي لم ينبغ من فراغ، بل استفاد من ثمار جهد طويل لأجيال سابقة مهّدت الطريق لوصول العلم والثقافة.

لقد تمكن العباسيون من تثبيت الفتوحات الإسلامية في بلاد ما وراء النهر، وحمايتها من المخاطر الصينية والتركية، ودمج الأتراك في الجيش والإدارة، مما ساعد على نشر الإسلام بين الشعوب المحلية.

كما رافقت هذه الإنجازات جهود ثقافية وعلمية، أدت إلى ظهور مراكز علمية رائدة وطلاب علم بارزين، جعلت بلاد ما وراء النهر جزءًا مهمًا وحيويًا في الحضارة الإسلامية.

أثر الفرس في الفتنة

لقد كان الفتح الإسلامي لفارس نقطة تحول تاريخية هامة، لم يكن مجرد تغيير سياسي أو عسكري، بل بداية فصل جديد من حياة هذه البلاد الغنية بالثقافة والحضارة. ومع مرور الزمن، لعب الفرس دورًا متنوعًا في التاريخ الإسلامي، أحيانًا دعمًا وإيجابًا، وأحيانًا كعامل نفوذ خلال الصراعات الداخلية، ما جعل لتاريخهم بعدًا مزدوجًا من الإثخان والإنجاز.

فعندما نشبت الفتنة بعد مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، استغلّت بعض فئات الفرس الانقسام بين المسلمين للنفوذ. دعموا أطرافًا مختلفة ليس حبًا فيهم، بل نكاية في وحدة المسلمين وامتناعًا عن الاستقرار السياسي. وقد أظهر التاريخ أن هؤلاء الفرس لم يكونوا ملتزمين بحقيقة الإسلام، بل سعوا لتحقيق مصالحهم الخاصة.

وإن كثيرًا من أنصار الدعوة العباسية في خراسان كانوا من الموالي الفرس، لكن ولاءهم لم يكن نابعًا بالضرورة من حبٍّ صادق لأهل البيت، بل من سخط على التمييز الأموي ضد الموالي والرغبة في النفوذ السياسي.

بعد استقرار الحكم العباسي، أحكم القادة العباسيون قبضتهم على مفاصل الحكم، ولضمان أن تبقى في أيديهم، لم يترددوا في القضاء على أبرز القادة الذين ساهموا في الثورة العباسية مثل: أبو سلمة الخلال (وزير آل محمد) والذي قتله السفاح سنة 132هـ.

وأبو مسلم الخراساني الذي قتله المنصور سنة 137هـ. وقد ذكر المؤرخون هذه الأحداث بتفصيل، وعلّلوها بالخوف من نفوذهم الشعبي في خراسان.

وبشكل عام، وبعيدا عن دسائس الفرس في بلاد المسلمين، شهد التاريخ خلال مرحلة الفتوحات وتثبيت هذه الفتوحات، حقبة “فارس في ظل الإسلام” حيث انتقل الناس من معابد النار إلى منابر النور، ومن إمبراطورية استعبدت الشعوب إلى أمة تشارك في بناء حضارة الإسلام عبر العلم والثقافة ومظاهر الحضارة. وقد ساهم الفرس، الذين دخلوا الإسلام غالبًا ظاهريًا في البداية، في إثراء الثقافة الإسلامية في ظل استمرار الحكم الإسلامي قويا في البلاد، فبرز منهم العلماء والفقهاء والشعراء والمحدثون، وأصبحوا جزءًا فعالًا في بناء الحضارة الإسلامية، خاصة في المراكز العلمية مثل بخارى وسمرقند.

تشيّع سياسي وعصبيات فارسية

لكن التغير الذي شهدته هذه المنطقة لم يكن سلسًا بالكامل، فقد ظلّ في أعماق النفوس حنين إلى مجد الإمبراطورية الساسانية الزائل، مما شكل بذرة للانقسامات القومية والفكرية والسياسية فيما بعد. ووُلدت من هذا التناقض حركات فكرية متعدّدة، كان أبرزها التشيّع السياسي بمظاهره المختلفة، وهو ما استمر تأثيره حتى قيام الدولة الصفوية لاحقًا.

يُظهر هذا التطور أن الفرس – إلا من رحم ربي-، رغم انخراطهم في الحضارة الإسلامية، لم يتخلوا عن هويتهم وثقافتهم، فكانوا عنصرًا مركبًا يجمع بين إعلان الانتماء للدين الجديد والحفاظ على الإرث التاريخي، ما أثر بعمق في مسار التاريخ الإسلامي لاحقًا.

من دعوة سياسية إلى تيار مذهبي

لم يكن التشيّع في بدايته مذهبًا عقائديًا مستقلًا عن الإسلام، بل كان اتجاهًا سياسيًا يطالب بأن يتولى الحكم أهل بيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه، محتجين في ذلك بمكانتهم العالية في قلوب المسلمين لقربهم من النبي ﷺ وجهودهم الجليلة في نصرة الدعوة الإسلامية. كان أنصار علي جزءًا من جسد الأمة الإسلامية، متفقين مع سائر المسلمين في الأصول والفروع، ولم يكن هناك تمييز مذهبي بين الطرفين في تلك المرحلة المبكرة.

وقد أكد المؤرخون على أن التشيع في بدايته لم يكن مذهباً عقدياً، بل كان انحيازاً سياسياً لعليّ رضي الله عنه بعد معركة صفين. وكان الشيعة الأوائل يرون أن علياً أحق بالخلافة، مع اتفاقهم مع أهل السنة في العقيدة والعبادات.

والشيعة الأوائل لم يكونوا يقولون بعصمة الأئمة أو تحريف القرآن ولا بمعتقدات الغلاة الذين ظهروا لاحقا.

أحد أبرز شواهد هذه الوحدة هو الإمام جعفر الصادق، من آل البيت، الذي كان أستاذًا لكل من مالك بن أنس وأبي حنيفة النعمان، من الأئمة الأربعة. وهذا يدل على أن الفروق المذهبية العميقة لم تكن قائمة بعد، وأن المدرسة العلمية الإسلامية كانت واحدة متماسكة، تدرّس العلم دون التمييز على أساس الانتماء السياسي أو العائلي.

جاء في الجواهر المضيئة في ترجمة جعفر: سمع منه الأئمة الأعلام نحو يحيى بن سعيد، وابن جريج، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وكذا أبو حنيفة كما ذكره صاحب المشكاة في أسماء رجاله فيكون من رواية الأقران.

وقال الزركلي في ترجمة جعفر أيضا: جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط … أخذ عنه جماعة، منهم الإمامان أبو حنيفة ومالك.

وهذا يؤكد على أن الإمام جعفر بن محمد بن علي بن الحسين كان إمامًا من أئمة أهل السنة، وأنه براء مما أُحدث بعده ونسبته إليه الطائفة المبتدعة، وليس له نهج إلا نهج جده صلى الله عليه وسلم.

تأثير الفرس على التشيّع

مع مرور الزمن، بدأ تسرب بعض الفرس إلى الدعوة الشيعية، فحملوا معها أفكارًا قومية وعقائد دخيلة، مستمدة من الموروثات الفارسية والهندية والإغريقية. نتيجة لذلك، تحوّل التشيّع من نزعة سياسية تركز على مطالب العدالة وولاية آل البيت، إلى تيار يحمل أبعادًا قومية ومعارضة للعنصر العربي الذي قاد الفتوحات الإسلامية.

تدريجيًا، بدأ التشيّع يتمايز عن الإسلام السني في الفكر والممارسة، حتى وصلت بعض فروعه إلى الغلو، حيث رفع الأئمة إلى مرتبة شبه معصومة، ما شكّل فرقًا واضحًا عن المفاهيم الإسلامية الأصلية التي تؤكد بشرية العلماء والقادة.

فشلت الدعوات الشيعية المبكرة في الاستيلاء على الحكم بسبب قوة واستقرار الدولة الأموية ثم العباسية. ومع هذا الفشل، لجأ بعض الغلاة إلى إحياء الروح القومية الفارسية القديمة تحت شعار حب آل البيت، فتشكّلت حركات باطنية سرية تعمل ضد الدولة الإسلامية من الداخل.

بهذا التحول، أصبح الصراع أكثر من مجرد خلاف سياسي، إلى انقسام مذهبي واجتماعي، غذّته العصبيات الإقليمية والطموحات الشخصية، ووضعت أساسًا للتفرقة العقدية والفكرية والسياسية والاجتماعية، التي استمرت لقرون لاحقة في العالم الإسلامي.

وهكذا تحول التشيّع من موقف سياسي منحاز إلى علي رضي الله عنه، إلى أيديولوجيا مخالفة للإسلام الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بعد أن تسلل إلى الدعوة الشيعية، عناصر قومية وفكرية جديدة، جمعت بين الطابع الديني والبعد القومي. هذا التحوّل لم يكن عابرًا، بل شكل أحد أهم الانحرافات التي أدت إلى خروج فرقة جديدة هي فرقة الشيعة والرافضة، المنحرفة عن منهج النبوة، وما زال تأثيره ظاهرًا في التاريخ والحاضر الإسلامي والفكر والتخطيط الشيعي والرافضي إلى يومنا هذا.

ظهور الدويلات الفارسية المستقلة

image 19

مع ضعف الدولة العباسية في القرون الوسطى، بدأت العصبيات الإقليمية والمصالح المحلية بالظهور في بلاد فارس، محولة المناطق التي كانت تحت سيطرة الخلفاء إلى أقاليم شبه مستقلة. هذا التحول لم يكن مجرد تغيّر سياسي، بل شكل بداية مرحلة جديدة من الانقسام الداخلي الذي أضعف وحدة المسلمين وأتاح التدخل الخارجي لاحقًا.

واستفاد الحكّام المحليون من ضعف الخلافة العباسية لتأسيس دولهم الخاصة:

فأسّس طاهر بن الحسين الدولة الطاهرية في مرو ونيسابور (205–259هـ)، مستفيدًا من الدعم الفارسي المحلي.

وظهرت الدولة الصفارية في سجستان (253هـ).

ونشأت الدولة العلوية في طبرستان (250هـ).

image 20

وتشكّلت دولة بني زيار والسامانيون في خراسان وما وراء النهر.

ثم لاحقًا، ظهر البويهيون في شيراز، الذين تبنّوا التشيّع رسميًا وسيطروا على بغداد خلال ضعف الخلفاء العباسيين.

image 21

صورة لجامع أصفهان تظهر فن العمارة السَلْجُوقية

وفي أواخر القرن الرابع الهجري، جاء السلاجقة (447هـ) ووحّدوا هذه الأقاليم مؤقتًا، لكنه لم يتمكنوا من القضاء على روح العصبية التي كانت متفشية في المنطقة.

image 22

صورة لمنجنيق

لم تكن هذه العصبيات ذات مبرر شرعي بل كانت نتيجة أطماع الحكّام وسعيهم لتثبيت سلطانهم الشخصي. فمع ظهور الدويلات المحلية، أعيد إحياء اللغات الفارسية والمحلية بدل العربية، كوسيلة لإحياء الهوية الثقافية المحلية والانفصال عن مركز الخلافة في بغداد. وشُجّع الشعراء والعلماء على الكتابة بلغاتهم، لتعزيز الفجوة الثقافية والسياسية مع السلطة المركزية.

أدى ذلك إلى تحوّل بلاد فارس إلى فسيفساء من الإمارات المتنافسة، لا يجمعها دين ولا ولاء، بل مصالح آنية وشعور قومي ضيق، ما أضعف القدرة على مواجهة الأخطار الخارجية.

نتائج الانقسام وتداعياته

مع غياب الوحدة السياسية والدينية، أصبحت بلاد فارس هدفًا للأطماع الخارجية. فغزاها المغول بقيادة جنكيز خان، ومن بعده حفيده هولاكو، الذي أسقط بغداد سنة 656هـ، منهياً الخلافة العباسية بشكل نهائي.

لقد أظهرت هذه المرحلة كيف يمكن للعصبيات الإقليمية والطموحات الشخصية أن تفضي إلى تفكك الأمة، وتجعلها عرضة للتدخل الخارجي، رغم تاريخها الطويل في بناء حضارة إسلامية مزدهرة.

العصر المغولي والصفوي

شهدت إيران خلال القرون الوسطى سلسلة تحولات سياسية ودينية كبيرة، بدأت مع الغزو المغولي، وامتدت لتشمل صعود الدولة الصفوية. هذه الفترة أظهرت كيف أن الانقسامات الفكرية والسياسية يمكن أن تتحول إلى انقسام مذهبي وجغرافي دائم، وكيف شكلت العصبيات المحلية عاملاً أساسيًا في إعادة تشكيل خريطة العالم الإسلامي.

بعد السيطرة المغولية على إيران، استقر الإيلخانيون في البلاد، واعتنق بعضهم الإسلام، وكان أبرزهم غازان خان، ومن بعده أولجايتو (محمد خدابنده)، الذي جعل المذهب الشيعي مذهبًا رسميًا في مناطقه.

بهذا القرار، بدأت بذور التشيّع الفارسي الرسمي تُزرع في الأرض، وهي نفس الأرض التي ستنطلق منها لاحقًا الدولة الصفوية لتثبت التشيّع الاثني عشري في إيران.

مرحلة تيمورلنك والفوضى السياسية

مع اجتياح تيمورلنك لإيران سنة 784هـ، دخلت البلاد فترة من الفوضى والنزاع الداخلي بين خلفائه والتركمان، ما أضعف الاستقرار السياسي وعمّق الانقسامات الإقليمية. هذه المرحلة أظهرت هشاشة الدولة وترك المجال للعصبيات المحلية للتمدد، مستغلة الفراغ السياسي والديني.

بحلول القرن العاشر الهجري (الخامس عشر الميلادي)، ظهرت الأسرة الصفوية، التي استطاعت توحيد إيران تحت سلطتها سنة 906هـ، وجعلت المذهب الشيعي الاثني عشري مذهب الدولة الرسمي.

بهذا، دخلت إيران مرحلة جديدة، تختلف عن إيران السنية السابقة، وأصبحت التشيّع جزءًا مؤسسيًا من الدولة، مع ترسيخ الانفصال المذهبي والجغرافي بين المشرق الإسلامي ومركزه العربي.

في بدايته، كان التشيّع مجرد ولاء سياسي لآل البيت. لكن عبر القرون، تحول إلى حركة مذهبية تحمل أبعادًا قومية فارسية. ومع ضعف الخلافة وانحسار الروح الجامعة للإسلام، تمكنت العصبيات المحلية من تمزيق وحدة الأمة، فظهرت الدويلات المستقلة وتفرّق المسلمون، حتى رسّخت الدولة الصفوية الانقسام المذهبي والجغرافي على نحو مؤسّس.

تُظهر هذه المرحلة التاريخية درسًا مهمًا: فالانقسام الفكري والسياسي إذا بدأ يمكن أن يتحول إلى انقسام مذهبي دائم. ما جمعه الإسلام في قرن من الزمان، من وحدة سياسية ودينية، مزّقته العصبيات والانقسامات الإقليمية على مدى قرون، لتترك بصمة دائمة على هوية إيران والمشرق الإسلامي لا تزال إلى اليوم ولا تزال معلما بارزا في رسم مستقبل المنطقة.

image 17

قصر عالي قابو من عصر الدولة الصفوية، يتواجد في مدينة أصفهان

من فوضى ما بعد المغول إلى ولادة الدولة الصفوية

شهدت بلاد فارس بعد الغزو المغولي في القرن السابع الهجري تحولات عميقة رسمت ملامح تاريخها الحديث، ومهّدت لقيام واحدة من أخطر الكيانات السياسية والمذهبية في المنطقة: الدولة الصفوية.

فبعد أن اجتاح المغول العالم الإسلامي بقيادة جنكيز خان سنة (616هـ/1219م)، وأسقطوا الدولة الخوارزمية، ثم لاحقًا الخلافة العباسية سنة (656هـ/1258م)، أصبحت فارس ساحة مباشرة للغزو والمواجهات، وواجهت انهيارًا سياسيًا شاملًا أعقبه تفكك وتناحر داخلي طويل الأمد.

من المغول إلى التيموريين: إرث الفوضى وبذور التحول

أقام المغول دولتهم الإيلخانية في فارس، لكنها ما لبثت أن انهارت، تاركة البلاد في فوضى، تتنازعها أسر محلية صغيرة مثل المظفريين والجلائريين. ثم جاء تيمورلنك في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري مدّعيًا وراثة مجد المغول، فوحّد إيران والعراق مؤقتًا، قبل أن يُشعل حروبه الواسعة ضد العثمانيين وسلاطين الأناضول.

غير أن موته سنة (807هـ) أعاد فارس إلى حالة الانقسام، إذ تقاسمتها قبائل تركمانية كبرى:

  • قرا قوينلو (الخراف السوداء) في أذربيجان والعراق.
  • آق قوينلو (الخراف البيضاء) في ديار بكر والأناضول.

ظل الصراع بين هاتين القوتين محتدمًا حتى تمكن زعيم الخراف البيضاء أوزون حسن من القضاء على منافسيه سنة (872هـ)، مؤسسًا نفوذًا واسعًا امتد إلى فارس والعراق. لكن موته سنة (882هـ) فجّر الصراع بين أبنائه وأحفاده، فانهارت الدولة سريعًا، وتفتحت الفرصة أمام قوة صاعدة جديدة كانت تتكوّن في الظل: الصفويون.

من الزاوية الصوفية إلى المشروع السياسي

نشأت الأسرة الصفوية في مدينة أردبيل بأذربيجان، كطريقة صوفية أسسها الشيخ صفي الدين إسحاق الأردبيلي (650-735هـ)، وكان من أتباع الشيخ تاج الدين الزاهد الجيلاني. وقد ورث ابنه صدر الدين موسى القيادة من بعده، لتتحول الطريقة تدريجيًا إلى حركة دينية واسعة النفوذ.

وفي القرن التاسع الهجري، ومع حفيد الشيخ صفي، الشيخ جنيد، بدأ التحول الأخطر: من التصوف إلى التشيع السياسي. فقد وجد جنيد أرضًا خصبة في الأناضول حيث سادت الحركات العلوية المتطرفة، فاستمال القبائل التركمانية الرحّل المتذمرة من الحكم العثماني، ودمج بين الغلو الديني والطموح السياسي، فكانت تلك البذرة الأولى لقيام الدولة الصفوية.

إسماعيل الصفوي وطموحات السيادة

image 23

إسماعيل الصفوي

ورث حفيد جنيد، إسماعيل الصفوي، المشروع بعد سلسلة صراعات دموية بين أسرته وخصومها من الآق قوينلو. وبعد أن لجأ طفلًا إلى منطقة لاهيجان على بحر قزوين، تلقّى تربية عسكرية وروحية أعدّته للقيادة.

وفي سن الثالثة عشرة، خرج إسماعيل من مخبئه ليجمع حوله القبائل التركمانية الموالية لآبائه، والتي عُرفت باسم القزلباش (أصحاب القبعات الحمراء)، وكانت تشكّل عماد القوة الصفوية العسكرية.

وخلال عامي (906-907هـ)، استطاع إسماعيل أن يُسقط بقايا دولة الخراف البيضاء وأن يدخل تبريز ظافرًا، ليُعلن نفسه شاهاً على إيران وهو في الخامسة عشرة فقط من عمره، مؤسسًا بذلك الدولة الصفوية (907هـ/1501م).

تميزت الدولة الصفوية منذ بدايتها بدمجٍ غير مسبوق بين الهوية المذهبية والسلطة السياسية.
فقد اتخذ إسماعيل التشيع الاثني عشري مذهبًا رسميًا للدولة، وفرضه بالقوة على سكان إيران الذين كانوا في غالبيتهم من أهل السنّة، فبدأ بذلك فصل جديد من التاريخ الإسلامي، سيتحول لاحقًا إلى أحد أهم محاور الصراع بين الصفويين والعثمانيين، وبين الشرق والغرب الإسلامي عمومًا.

إن ظهور الدولة الصفوية لم يكن حدثًا عارضًا، بل نتيجة حتمية لفوضى ما بعد الغزو المغولي، ولتحولات عميقة في البنية القبلية والفكرية لفارس والأناضول.

لقد استطاع الصفويون أن يستغلوا الفراغ السياسي والمذهبي في المنطقة، فأسسوا كيانًا جديدًا غيّر وجه التاريخ الإسلامي إلى اليوم، وأعاد رسم موازين القوى بين المشرق والمغرب، والدولة والعقيدة.

من التصوف إلى التشيع: التحولات العميقة التي أنشأت الدولة الصفوية وأطلقت مشروعها الطائفي

حين يُذكر اسم الدولة الصفوية في تاريخ الإسلام، فقلّ أن تُذكر إلا مقرونة بمرحلة فاصلة في تاريخ المشرق الإسلامي، مرحلة تداخلت فيها الطموحات القومية والمذهبية والتصوف السياسي لتنتج كيانًا جديدًا قلب موازين المنطقة لقرون طويلة.

تبدأ جذور الصفويين في زاوية صغيرة بمدينة أردبيل في أذربيجان، أسسها الشيخ صفي الدين الأردبيلي (ت 735هـ)، الذي كان في الأصل متصوفًا على الطريقة الزاهدية، متبعًا للشيخ تاج الدين الزاهد الجيلاني. وحمل أتباعه بعده الفكر الشيعي، متأثرين بموجات الغلو العلوي في الأناضول والتركستان.

ومع مرور الأجيال، تحولت الطريقة الصفوية إلى تنظيم روحي واسع النفوذ يجمع بين العصبية القبلية للتركمان والتأثير الروحي الصوفي، وهو ما مهّد لاحقًا لتسييس هذا الكيان على يد أحفاده.

جاء الشيخ جنيد بن صدر الدين الصفوي ثم ابنه سلطان حيدر ليمزجا بين التصوف والعقيدة الشيعية، في إطار حركي عسكري هدفه إقامة دولة تحمل طموح الزعامة الروحية والسياسية معًا. وهنا بدأ التحول الحاسم من الزاوية إلى الدولة.

خريطة زمنية لتطور الحركة الصفوية 1

عقيدة الغلو الإمامي الاثني عشري

حين تولى إسماعيل الصفوي الحكم سنة (907هـ/1501م)، كان يحمل مشروعًا أكثر وضوحا من أسلافه. فقد ورث عنهم التنظيم والعصبية التركمانية، لكنه أضاف إليها عقيدة الغلو الإمامي الاثني عشري، وأعلنها المذهب الرسمي للدولة منذ اليوم الأول لحكمه في تبريز.

وبهذه الخطوة بدأت مرحلة تشييع إيران بالقوة، إذ أجبر الناس على ترك مذاهبهم السنية (الشافعي، الحنفي، الحنبلي) واعتناق المذهب الإمامي، وكان الرافض لذلك يُقتل أو يُهجّر. وقد قُتل – بحسب بعض المؤرخين – قرابة مليون من أهل السنة في سنوات قليلة.

وقد أعلن إسماعيل أن دولته لن تقوم على التسامح المذهبي، بل على الولاء التام للأئمة الاثني عشر، وشرع في فرض الطقوس الشيعية، واستبدال الأذان السني بآخر يذكر “عليًّا ولي الله”، وأمر الخطباء بسبّ الخلفاء الراشدين الثلاثة رضي الله عنهم، مع تعظيم الأئمة إلى حد الغلو.

بل تجاوز الأمر حدَّ السياسة إلى العبث بالمقدسات، فنبش قبور علماء السنة، وأحرق عظام الموتى في بغداد بعد أن استولى عليها سنة (914هـ)، مما أحدث صدمة عنيفة في العالم الإسلامي آنذاك.

الطموح الفارسي وراء المشروع الصفوي

لم يكن المشروع الصفوي دينيًا خالصًا فحسب، بل كان قوميًّا فارسيًّا بامتياز، سعى إلى إعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسية القديمة تحت غطاء شيعي. فمع أن الصفويين أتراك الأصل، فإنهم تبنّوا اللغة الفارسية في الإدارة والكتابة، وأحاطوا أنفسهم برجال دين فرس، وأعلنوا أن الحاكم لا بد أن يكون فارسيًّا، وهي الفكرة التي استمرت لاحقًا في الفكر السياسي الإيراني حتى العصر الحديث.

وقد اتضحت النزعة الفارسية في تحالفاتهم أيضًا، إذ حين انهزم إسماعيل أمام السلطان العثماني سليم الأول في معركة جالديران (920هـ/1514م)، لجأ إلى التحالف مع القوى الأوروبية المعادية للإسلام، فكاتب قائد الأسطول البرتغالي في الهند، ووعده بمنحهم مضيق هرمز وفلسطين مقابل مساعدته ضد العثمانيين، لكن الله تعالى خذلهم.

كانت النتيجة المباشرة لسياسات إسماعيل الصفوي وأبنائه من بعده أن انقسمت ديار الإسلام لأول مرة بهذا الشكل الحاد بين معسكر سني تقوده الدولة العثمانية، ومعسكر شيعي يتزعمه الصفويون في فارس. ومن هنا بدأ الصراع المذهبي الذي لا تزال آثاره السياسية والطائفية قائمة حتى اليوم.

لقد حوّل الصفويون المذهب الإمامي من مذهب ديني محدود النفوذ إلى مشروع دولة مسلح، فصار التشيع منذ ذلك الحين عقيدةً وسيفًا وسياسة، تُدار به الحروب، وتُهدم به المدن، وتُعاد صياغة الهويات والمجتمعات.

السياسات الصفوية الإجرامية ضد أهل السنة

مارس حكام الدولة الصفوية، سياسات قمع واضطهاد وإجرام بحق أهل السنة، شملت:

  • الإبادة والقتل الجماعي

شن الشاه إسماعيل والشاه عباس الأول حملات ضد القبائل السنية، وخاصة في أذربيجان، خراسان، وعيلام، وأسفرت عن قتل الآلاف من السنة. شملت هذه الحملات الوحشية عمليات إعدام جماعي للعلماء والفقهاء السنة لرفضهم التحول إلى التشيع.

  • التهجير القسري والتغيير الديموغراف

عمل حكام الدولة الصفوية على نقل القبائل السنية من مناطقها الأصلية إلى مناطق بعيدة لإضعاف تأثيرها. بالتوازي مع توطين شيعة من مناطق أخرى في الأراضي السنية لتغيير التركيبة السكانية.

  • القمع الديني والثقافي

حظر الصفيون الشعائر الإسلامية السنية، وأجبروا السكان قسرا على اتباع المذهب الإثنا عشري. وعمدوا إلى إغلاق المساجد السنية و تحويلها إلى أماكن للشيعة. مع منع نشر الكتب الدينية السنية وحرق مؤلفات العلماء السنة.

  • التمييز في الحكم والتعليم والوظائف

تعمد الصفويون استبعاد السنة من المناصب الحكومية والعسكرية المهمة. وتحجيم المؤسسات التعليمية السنية ومنع التعليم وفق منهج أهل السنة.

  • الاضطهاد الفكري والعلمي

استهدف الصفيون العلماء السنة وفرضوا رقابة صارمة على تعليم الفقه والسنة. كما فرضوا التشيع كأيديولوجيا إجبارية حتى في المراسيم والاحتفالات العامة. كما تعمدوا إيذاء أهل السنة بلعن الصحابة رضي الله عنهم على المنابر.

لم تكن سياسات الصفويين مجرد فرض مذهبي، بل تضمنت القتل، والتهجير، والتجريد من الحقوق الدينية والسياسية، وتغيير التركيبة السكانية، مما جعل فترة الدولة الصفوية من أسوأ الفترات في تاريخ السنة في إيران.

سلسلة حكام الدولة الصفوية: من التأسيس إلى الانحدار

image 18

تأسست الدولة الصفوية في أوائل القرن السادس عشر الميلادي على يد إسماعيل الصفوي، وامتدت نحو أكثر من قرنين، وشهدت حكمًا متتابعًا لعدد من الشاهات الذين ترك كل منهم بصمته على السياسة والمذهب والمجتمع. وفيما يلي أبرز حكام الدولة الصفوية وسيرتهم:

  1. الشاه إسماعيل الصفوي (1501-1524)

أسس الدولة الصفوية وأعلن المذهب الإمامي الإثنا عشري رسميًا للدولة. قام بحملات عسكرية لتوحيد إيران، واستهدف القبائل السنية، ما أدى إلى قتل وتهجير آلاف السكان.

يعتبر مؤسس الدولة الصفوية ووضع أسس السلطة المركزية، لكنه أرسى أيضًا أسلوب القمع المذهبي الذي استمر لاحقًا.

  1. الشاه طهماسب الصفوي (1524-1576)

نجح في توسيع الأراضي الصفوية وحماية الدولة من الغزوات العثمانية والمغولية. وواصل فرض التشيع بالقوة، وأمر بتهجير القبائل السنية إلى مناطق بعيدة لتقليل نفوذهم.

شهدت فترة حكمه أولى محاولات استقرار الدولة بعد عهد الفوضى الذي أعقب تأسيسها.

  1. الشاه إسماعيل الثاني (1576-1577)

استمر حكمه سنة واحدة فقط قبل أن يُقتل في صراع على السلطة. واصل السياسة الصفوية التقليدية، لكنها لم تشهد تغييرات كبيرة نظرًا لقصر فترة حكمه.

  1. الشاه محمد خدابنده (1578-1587)

واجه تحديات داخلية وخارجية، خصوصًا من القبائل السنية المعارضة والمغول العثمانيين. حاول التوفيق بين القمع والمرونة، لكنه عانى من ضعف السلطة المركزية.

  1. الشاه عباس الأول (1587-1629)

يعتبر أعظم حكام الدولة الصفوية وأكثرهم تأثيرًا. نقل العاصمة إلى أصفهان، وأدخل إصلاحات عسكرية وإدارية واسعة.

نفذ حملات صارمة ضد القبائل السنية، وزاد من نفوذ المذهب الإثنا عشري، وفرض التشيع على المناطق التي كانت سنية.

  1. الشاه صفي الصفوي (1629-1642)

تركزت سياسته على الحفاظ على الدولة وترسيخ المذهب الشيعي.

منع التعليم السني، وواصل حملات القمع ضد العلماء السنة، مع ترسيخ سلطة الأسرة الصفوية.

  1. الشاه عباس الثاني (1642-1666)

شهدت الدولة في عصره مزيدًا من الاستقرار، لكن السلطة بدأت بالانكماش تدريجيًا.

وقد واصل دعم التشيع وتعزيز المؤسسة الدينية الصفوية.

  1. الشاه سليمان الصفوي (1666-1694)

بدأت الدولة في عصره تتراجع سياسيًا وعسكريًا واستمر في التضييق على السنة، وبدأت تظهر أزمات داخلية حادة على مستوى الإدارة والاقتصاد.

  1. الشاه سلطان حسين (1694-1722)

عُرف عصره بالضعف السياسي، وواجه الغزوات العثمانية والأفغانية. وفي عهده سقطت الدولة الصفوية على يد الأفغان سنة 1722، منهية قرابة 220 سنة من الحكم الصفوي في إيران.

مثلت سلسلة حكام الدولة الصفوية مرحلة تاريخية مزدوجة: من بناء دولة مركزية قوية ونشر المذهب الشيعي، إلى قمع ممنهج للسنة وتدهور تدريجي أدى إلى سقوط الدولة. فكانت سياسات كل شاه انعكاسًا لتحديات زمانه، ولكن إرثهم المذهبي والديني ترك أثرًا طويل الأمد على إيران والمنطقة.

الدولة الصفوية والتقاطع مع القوى الدولية

أثار قيام الدولة الصفوية قلق الدولة العثمانية، التي رأت فيها تهديدًا عقائديًا مباشرًا، فاندلعت المواجهات بين الدولتين منذ السنوات الأولى، وكان أبرزها معركة جالديران سنة 920هـ، التي انتهت بانتصار العثمانيين ودخولهم تبريز، عاصمة الصفويين الأولى.

في الوقت ذاته، برز النفوذ البرتغالي في الخليج العربي، مستغلًا انشغال العثمانيين والصفويين بصراعهما، فاحتل البرتغاليون هرمز وقشم سنة 913هـ، وأقاموا علاقاتٍ سياسية وتجارية مع الصفويين الباحثين عن توازنٍ مع العثمانيين. هذا التقاطع بين القوى الأوروبية الصاعدة والدولة الصفوية الناشئة شكّل بداية التداخل الدولي في الخليج، ومهّد لاحقًا لحقبة النفوذ الغربي في المنطقة.

أما في عهد الشاه عباس الكبير (996–1039هـ)، فقد بلغت الدولة الصفوية ذروتها الاقتصادية والعمرانية، وجعل من أصفهان عاصمةً جديدةً مزدانةً بالعمارة الإسلامية والفن الفارسي، فصارت مركزًا للتجارة العالمية والتواصل مع أوروبا.

ومع ذلك، سعى عباس لترسيخ التشيع بعمقٍ أكبر، فعمل على تعزيز الحج إلى مشهد بدلاً من مكة المكرمة، في محاولةٍ لجعل بلاده مركزًا روحانيًا بديلاً للعالم الشيعي.

لكن وراء هذا الازدهار، تراكمت عوامل الضعف الداخلي والصراع على الحكم، حتى انتهت الدولة الصفوية سنة 1149هـ، لتفتح صفحة جديدة من تاريخ إيران تحت الحكم الأفشاري ثم القاجاري.

صراع الدولة الصفوية مع الدولة العثمانية

منذ تأسيس الدولة الصفوية على يد الشاه إسماعيل الصفوي، انطلقت مرحلة صراع طويل مع الدولة العثمانية التي كانت تمثل القوة الإسلامية المهيمنة في المنطقة، ليس فقط على الصعيد العسكري، بل أيضًا على الصعيد الديني والسياسي. هذا الصراع كان مزيجًا من النزاع الإقليمي، التنافس على السيطرة على بلاد ما بين النهرين والقوقاز، واختلاف مذهبي عميق بين الإثنا عشرية الصفوية والسنية العثمانية التي كانت على مذهب الصوفية لكنها تحكم بلاد أهل السنة وتمثلهم في صراع القوى.

سيطر الصفويون على أذربيجان وإيران الشرقية، ورغب العثمانيون في بسط نفوذهم على العراق وبلاد ما بين النهرين، فأحدث ذلك صدامًا محتومًا. فكل دولة سعت للتحكم بالطرق التجارية الاستراتيجية، بما فيها طريق الحرير والطرق المؤدية إلى الهند وآسيا الوسطى. وعرفت هذه الحقبة معارك تاريخية كان لها أثرها في رسم حدود الدولتين.

image 24

أبرز المعارك المفصلية

  1. معركة جالديران (1514م)

وقعت هذه المعركة بين الشاه إسماعيل الصفوي والسلطان سليم الأول العثماني. واعتمد العثمانيون فيها على المدفعية الحديثة وسلاح البنادق، بينما اعتمد الصفويون بشكل رئيسي على الفروسية التقليدية. وانتهت المعركة بهزيمة الصفويين وفقدانهم السيطرة على أذربيجان وأرمينيا، وهو ما كان أول مؤشر على تفوق العثمانيين العسكري في ساحة المعركة.

  1. الحملات الصفوية على العراق (القرن 16م)

بعد جالديران، حاول الصفويون استرجاع الأراضي العراقية، وحدثت سلسلة مناوشات بين الأهواز والكوفة وبغداد. وعلى الرغم من بعض النجاحات الجزئية، لم يتمكن الصفويون من كسر النفوذ العثماني بشكل دائم.

  1. معركة جالدران الثانية (أواخر القرن 16م)

في عهد الشاه محمد خدابنده، حاول الصفويون استعادة الأراضي المفقودة، لكن تفوق العثمانيين على صعيد المدفعية والتنظيم العسكري حالت دون تحقيق انتصار حاسم.

  1. الحروب الصفوية-العثمانية المتقطعة (القرن 17م)

شهدت هذه المرحلة نزاعات طويلة حول أذربيجان، العراق، وقزوين. ووضعت معاهدة أرمينية (1639م) حدًا للصراع طويل الأمد، حيث اعتُمدت الحدود الحالية بين إيران وتركيا تقريبًا، مع بقاء العراق تحت النفوذ العثماني وأذربيجان الشمالية تحت سيطرة الصفويين.

الصفويون ودورهم في صراع العثمانيين مع المماليك

لم يكن العثمانيون لوحدهم في خريطة قوى العالم الإسلامي، بل كانت هناك دولة المماليك، الذين مثلوا قوة إسلامية أخرى مهيمنة في مصر والشام. وكان بين المماليك والعثمانيين صراع سيادة وهيمنة، لكنه لم يكن بعيدًا عن تأثير الصفويين، إذ شكلوا تهديدًا استراتيجيًا على حدود الدولة العثمانية الشرقية في العراق وبلاد فارس. وشكل التنافس على السيطرة على الطرق التجارية المهمة، مثل طريق الحرير وطريق الحج، أحد دوافع النزاعات بين القوى الثلاث.

ولم يكن الصفويون طرفًا مباشرًا في المعارك بين العثمانيين والمماليك، لكن نفوذهم في العراق وبلاد فارس كان عامل ضغط استراتيجي على العثمانيين. فوجود الصفويين كقوة شيعية على الحدود الشرقية أجبر العثمانيين على تخصيص جزء كبير من الجيش والموارد لمواجهتهم قبل التفكير في التوسع غربًا نحو مصر. ومع هزيمة الصفويين في معاركهم مع العثمانيين، مثل جالديران (1514م)، تمكن العثمانيون من التركيز على المماليك، مما مهد الطريق لسقوطهم في معركة الريدانية (1517م)، وضم مصر والشام إلى الإمبراطورية العثمانية.

انتصار العثمانيين على المماليك بعد تحجيم نفوذ الصفويين أدى إلى إعادة رسم خريطة النفوذ الإقليمي. وأصبحت الإمبراطورية العثمانية القوة المهيمنة في ما يسمى الشرق الأوسط، بينما ظل الصفويون قوة شيعية مركزية في إيران والعراق الشرقي. هذا التوازن الجديد أسس لصراعات مستقبلية بين العثمانيين والصفويين، خصوصًا حول العراق وأذربيجان.

ويمكن القول إن الصفويين لعبوا دورًا استراتيجيًا في توجيه حركة العثمانيين ضد المماليك، سواء عبر الضغط على حدودهم الشرقية أو من خلال النفوذ العسكري والسياسي في العراق وبلاد فارس. هذا الدور ساهم في تسريع سقوط المماليك وتوسيع النفوذ العثماني في الشرق الأوسط، كما أسس لصراع طويل الأمد بين العثمانيين والصفويين، مع آثار سياسية امتدت إلى القرون التالية.

image 25

قصر جهل ستون في أصفهان كان المكان الذي يلتقي فيه الشاه مع شخصيات أجنبية وسفارات.

سقوط الدولة الصفوية

إن القوة التي شيدها الصفويون بسيف معتقداتهم والتوسع لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما بدأت عوامل الضعف تنخر في جسد الدولة من الداخل قبل أن تسقط على يد أعدائها من الخارج، ولنتتبع كيف سقطت هذه الدولة الطائفية.

  • بدايات الضعف الداخلي

بعد عهد الشاه عباس الكبير (996–1039هـ)، الذي بلغت فيه الدولة أوج قوتها واستقرارها، دخلت الأسرة الصفوية في دوامة من الاضطرابات السياسية وضعف الإدارة. فقد تولى الحكم بعده ملوكٌ ضعفاء، غلب عليهم الترف والانغماس في الحياة الدنيا، بينما استبد الوزراء وقادة الجند بالحكم، وتفشت الرشوة والفساد الإداري في أرجاء الدولة.

كما أدى اعتماد الصفويين الكبير على الحرس القزلباش –وهم المقاتلون التركمان الذين أقاموا الدولة في بدايتها– إلى بروز صراعات داخلية بينهم وبين البلاط الملكي، ما أضعف وحدة الدولة ومركزية القرار.

  • تدهور الاقتصاد والعزلة التجارية

في ظل انشغال السلاطين باللهو وضعف الجهاز الإداري، تدهورت الزراعة والتجارة، وانخفضت عائدات الضرائب.

ومع سيطرة الأوروبيين على طرق التجارة البحرية بعد اكتشاف رأس الرجاء الصالح، فقدت إيران موقعها كحلقة وصل بين الشرق والغرب.

حتى المدن التي ازدهرت في عهد الشاه عباس، مثل أصفهان، بدأت تفقد بريقها، وتراجع عدد سكانها بسبب الأزمات الاقتصادية والمجاعات والأوبئة.

  • الصراع المذهبي والانغلاق الفكري

اعتماد الدولة الصفوية على المذهب الشيعي الاثني عشري كركيزة للحكم جعلها تنغلق فكريًا ودينيًا على نفسها، فحوربت المدارس السنية وأغلقت مساجدها، وضيّق على العلماء المخالفين.
هذا الانغلاق أدى إلى عزلة فكرية وسياسية داخلية، وصنع توترًا دائمًا بين الدولة ورعاياها في الأقاليم السنية مثل كردستان وبلوشستان، مما سهّل لاحقًا على الأعداء اختراقها.

  • الهزائم العسكرية وضغط الجيران

مع مرور الوقت، فقد الجيش الصفوي روح الانضباط والقتال التي ميزته في بدايات الدولة.
وفي المقابل، كانت الدولة العثمانية من الغرب والدولة الأوزبكية من الشرق تترقبان ضعف إيران لتوسع نفوذهما. فقد خسر الصفويون أجزاء من القوقاز وآسيا الوسطى لصالح الأوزبك، كما هُزموا أمام العثمانيين في عدة معارك متتالية، مما كشف وهنهم العسكري.

  • النهاية على يد الأفغان

جاءت الضربة القاضية من الشرق، حين تمردت قبائل الغِلْزَاي الأفغانية السنية، بقيادة محمود الأفغاني، على الحكم الصفوي سنة 1135هـ.

واستغل محمود ضعف الدولة وتناحر قادتها، فقاد جيشًا صغيرًا، وحاصر العاصمة أصفهان حصارًا شديدًا دام أكثر من ستة أشهر، حتى سقطت المدينة سنة 1139هـ (1722م) بعد مجاعةٍ مروعة أكل الناس فيها الجيف.

واستسلم الشاه حسين الصفوي، ودخل محمود الأفغاني أصفهان منتصرًا، منهياً بذلك أكثر من قرنين من الحكم الصفوي.

ما بعد السقوط

بعد سقوط أصفهان، غرقت إيران في فوضى سياسية عارمة، وتنازعت القوى المحلية والقبائل السيطرة على البلاد.

ولم تستعد إيران شيئًا من استقرارها إلا بعد قيام الدولة الأفشارية بقيادة نادر شاه سنة 1149هـ، الذي أعاد توحيد البلاد بالقوة العسكرية، واضعًا حدًّا للفوضى التي خلّفها الصفويون.

لقد سقطت الدولة الصفوية لا بفعل عدوٍ خارجي فقط، بل بسبب الفساد الداخلي، والانغلاق المذهبي، والتناحر السياسي الذي أفقدها أركان القوة.

إرث الدولة الصفوية

استمرت الدولة الصفوية أكثر من قرنين ونصف، وكان إرثها مزيجًا من القهر الطائفي، والتوسع الدموي، والتحالفات مع أعداء الأمة. وبعد سقوطها في القرن الثاني عشر الهجري، ورثها القاجاريون ثم البهلويون من بين أقوام آخرين، واستمر التأثير العقدي والسياسي لها حتى الثورة الإيرانية في القرن العشرين، التي أعادت إحياء المشروع ذاته بثوب جديد.

ومنذ إسماعيل الصفوي حتى اليوم، ظل المشروع الإيراني ينهض على الفكرة نفسها: دمج القومية بالفكر الطائفي لتوسيع النفوذ تحت شعار ديني.

ومع أن التاريخ شهد دولًا كثيرة ظالمة، فإن ما فعله الصفويون بأهل السنة في إيران والعراق يظل من أكثر الصفحات سوادًا في تاريخ المسلمين، وما زالت الأمة تدفع ثمن تلك التحولات حتى هذا اليوم.


وللحديث بقية ..

المصادر:

التاريخ الإسلامي (إيران) لمحمود شاكر

كتاب السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي لعبد الشافى محمد عبد اللطيف

تاريخ الأمم والملوك، الطبري، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم،

فتوح البلدان، البلاذري، تحقيق صلاح الدين المنجد،

الكامل في التاريخ، ابن الأثير.

مروج الذهب، المسعودي.

البداية والنهاية، ابن كثير.

الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم.

سير أعلام النبلاء، الذهبي.

بحث في المصادر التاريخية الإعلامية الإيرانية.



النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x