الإسلام في إيران: منذ سقوط الدولة الصفوية إلى تمكّن الدعوة الخمينية

المحتوى أخفي



المقال الأول: الإسلام في إيران: من العصور الساسانية إلى الفتوحات الإسلامية

المقال الثاني: الإسلام في إيران: من الفتوحات الإسلامية إلى الدولة الصفوية



الأفشار ونادر شاه: المجد العسكري الزائل

image 33

خلف الصفويين أسرة الأفشار بقيادة نادر شاه (المتوفي سنة 1163هـ)، وهو قائد عسكري بارع استطاع أن يعيد لإيران بعض مجدها العسكري. فغزا أفغانستان، وغزا الهند، واستولى على بخارى وسمرقند، وعاد إلى أصفهان ومعه غنائم ضخمة، أبرزها عرش الطاووس الشهير من دلهي.

لكن حكمه لم يدم طويلاً، إذ اغتاله بعض أتباعه، فتفككت الدولة وتوزعت أراضيها بين القوى الإقليمية: فاستقلت أفغانستان، واستولت روسيا على بخارى وسمرقند، وأخذت الدولة العثمانية أجزاء من أذربيجان.

القاجاريون وصراع النفوذ الأوروبي

بعد مرحلة من الفوضى، تولت الأسرة القاجارية الحكم سنة 1193هـ بقيادة آغا محمد خان، الذي جعل طهران عاصمةً جديدة للدولة.

وفي عهدهم أصبحت إيران ساحةً للصراع بين روسيا القيصرية وبريطانيا العظمى. خاضت إيران حروبًا خاسرة مع روسيا فقدت فيها جورجيا وأراضي واسعة في القوقاز، كما أجبرت لاحقًا على التنازل عن هراة لأفغانستان نتيجة ضغط بريطاني سنة 1274هـ (1857م).

ازداد التدخل الأجنبي في شؤون البلاد، فحصلت بريطانيا على امتيازات اقتصادية ضخمة، مثل خطوط البرق والسكك الحديدية واستثمار المعادن، فيما سيطرت روسيا على الشمال الإيراني. وأُنشئت فرقة القوزاق الإيرانية بإشراف ضباط روس، ما جعل السيادة الإيرانية شكلية إلى حد كبير.

الثورة الدستورية

أدى الفساد والاستبداد والبذخ القاجاري إلى تفجر ثورة شعبية سنة 1325هـ (1906م)، أجبرت الشاه على إصدار دستور وإنشاء أول مجلس نيابي في تاريخ إيران. غير أن التدخل الأجنبي استمر، خصوصًا بعد توقيع الاتفاقية الروسية-الإنجليزية عام 1326هـ (1907م) التي قسمت إيران إلى مناطق نفوذ بين القوتين، مما قيد استقلالها فعليًا.

ورغم محاولة الشاه محمد علي إلغاء الدستور بمساندة روسيا، إلا أن الثورة الدستورية صمدت، وبدأت مرحلة جديدة من الصراع الداخلي بين القوى الوطنية والملكية والاحتلال الأجنبي.

من القاجار إلى بهلوي: ميلاد الدولة الحديثة

image 34

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، أصبحت إيران ساحة معركة بين الروس والإنجليز من جهة، والأتراك والألمان من جهة أخرى، مما أدى إلى انهيارها العسكري والسياسي. وبعد الحرب، فرضت بريطانيا معاهدة 1338هـ (1919م) التي جعلت إيران عمليًا تحت وصايتها، رغم النص الظاهري على استقلالها.

لكن هذه السيطرة الأجنبية أثارت غضب النخب الوطنية، فبرز نجم رضا بهلوي، الضابط في فرقة القوزاق، الذي تحرك سنة 1340هـ (1921م)، وأطاح بالحكومة، ثم نُصّب ملكًا على البلاد سنة 1344هـ (1925م)، مؤسسًا الدولة البهلوية.

رضا شاه بهلوي: التحديث القسري

سار رضا شاه على نهج كمال أتاتورك في تركيا، فعمل على تحديث الجيش، وبناء البنية التحتية، وإنشاء جامعة طهران سنة 1354هـ، وألغى الحجاب، ودعا النساء إلى السفور، كما صادر أموال الأوقاف وأخضع القبائل البدوية.

ورغم نجاحه في بسط الأمن وإلغاء الامتيازات الأجنبية جزئيًا، إلا أن حكمه اتسم بالاستبداد، وتحول المجلس النيابي إلى مجرد واجهة شكلية لنظام مركزي قوي.

منذ قيام الدولة الصفوية وحتى عهد رضا شاه البهلوي، عاشت إيران سلسلة متواصلة من التحولات المذهبية والسياسية. فبينما وحّد الصفويون البلاد على المذهب الشيعي، أدخل القاجاريون إيران في دوامة الصراع الاستعماري، ثم جاء البهلويون بمشروع تغريبي سلطوي حاول أن يقطع مع الموروث الديني والاجتماعي.

وهكذا، فإن تاريخ إيران في هذه الحقبة يعكس تفاعل الدين والسياسة والاحتلال في تشكيل هوية دولةٍ ظلت على الدوام في مفترق طرق بين الشرق والغرب، والتقليد والتجديد.

من الحرب العالمية الثانية إلى الثورة البيضاء

عاشت إيران خلال منتصف القرن العشرين مرحلةً مضطربة من تاريخها الحديث، تقاذفتها رياح الحرب العالمية الثانية، ثم اجتاحتها أمواج الصراع السياسي بين التيارات الوطنية والقوى الاستعمارية القديمة والجديدة. وفي ظل هذا المخاض العسير، تعاقبت على البلاد تحولات كبرى رسمت معالم إيران المعاصرة، بدءًا من خلع رضا شاه، مرورًا بحركة محمد مصدق، وصولًا إلى “الثورة البيضاء” التي دشّنها محمد رضا بهلوي في ستينيات القرن العشرين.

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، كانت مشاعر الشعب الإيراني تجاه الشاه رضا بهلوي مشحونة بالغضب والاستياء بسبب استبداده وسياساته التغريبية. ورغم أن حكومته كانت تميل إلى ألمانيا النازية، فقد طالب الحلفاء – بريطانيا وروسيا والولايات المتحدة – بطرد الخبراء الألمان من إيران خشية أن يشكلوا خطرًا على جبهتهم الشرقية.

لكن الشاه رفض الاستجابة، فكان ذلك مبررًا لتدخلٍ مباشر، فدخلت القوات البريطانية من الجنوب، والروسية من الشمال، وأيدت واشنطن هذا الغزو. وجد الشاه نفسه محاصرًا من كل اتجاه، فاضطر إلى التنازل عن العرش لابنه محمد رضا بهلوي سنة 1360هـ / 1941م، وكان عمره آنذاك ثلاثة وعشرين عامًا.

image 35

كان مؤتمر طهران هو الأول من اجتماعين لزعماء الحلفاء “الثلاثة الكبار” رئيس الوزراء جوزيف ستالين من الاتحاد السوفيتي، والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، ورئيس وزراء بريطانيا العظمى ونستون تشرشل، الذي عقد بناء على طلب من الرئيس الأمريكي.

وفي السنة التالية، وُقّعت المعاهدة الإيرانية-الإنجليزية-الروسية (1361هـ / 1942م)، التي نصّت على احترام استقلال إيران ووحدتها، مقابل تقديمها تسهيلات لوجستية للحلفاء.

وفي عام 1362هـ / 1943م، أعلنت إيران الحرب على دول المحور، وانعقد في طهران مؤتمرٌ شهير جمع روزفلت وتشرشل وستالين، أكدوا فيه دعمهم الشكلي لاستقلال إيران، بينما كانت البلاد عمليًا مقسّمة إلى منطقتي نفوذ: بريطانية-أمريكية في الجنوب، وروسية في الشمال.

ما بعد الحرب: بداية الصدام مع السوفييت

بعد انتهاء الحرب، رفضت الحكومة الإيرانية طلب الاتحاد السوفيتي بالحصول على امتيازات نفطية في شمال البلاد. وردّ الروس بدعم حزب توده الشيوعي، الذي دعا إلى استقلال أذربيجان الفارسية، ومنعوا القوات الإيرانية من دخول المنطقة.

لكن في عام 1365هـ / 1946م، خفّ التوتر مؤقتًا، وانسحبت القوات الروسية من الشمال بعد اتفاقٍ مؤقت، استغلته الحكومة الإيرانية لتصفية الحركات الانفصالية. وأُقيل وزراء حزب توده، ودخل الجيش إلى أذربيجان، وأنهى التمرد، مؤكّدًا وحدة البلاد.

أزمة النفط وصعود محمد مصدق

image 36

محمد مصدق

في أواخر الأربعينيات، تجدد الصراع مع بريطانيا حول شركة النفط الإنجليزية-الإيرانية التي كانت تسيطر على ثروة البلاد البترولية. فشل رئيس الوزراء الجنرال رازمارا في تعديل شروط الامتياز، واغتيل سنة 1370هـ / 1951م على يد أحد أفراد جماعة “فدائيان الإسلام”، وهي جماعة شيعية اثنا عشرية، أسّسها نوّاب صفوي، لمحاولة فرض حكمهم الرافضي على إيران، فعمدوا إلى تصفية كل معارضة لهم وقد نفذوا سلسلة من الاغتيالات السياسية في سبيل ذلك.

تولى محمد مصدق رئاسة الوزراء، بدعمٍ واسع من القوى الوطنية والدينية، وأعلن تأميم صناعة النفط، فانسحب البريطانيون، وفرضوا حصارًا اقتصاديًا، ورفعوا القضية إلى محكمة العدل الدولية التي حكمت لصالح إيران. لكن التوتر تصاعد حتى قُطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

خلاف مصدق مع الشاه بلغ ذروته، إذ حلّ مجلسي النواب والشيوخ ليمنع سحب الثقة منه، فردّ الشاه بتعيين الجنرال فضل الله زاهدي رئيسًا للوزراء، بينما غادر البلاد إلى أوروبا.

وفي عام 1372هـ / 1953م، أطاحت قوات الشاه بمصدق بعد صدامٍ دموي في طهران، في انقلابٍ مدعوم من الاستخبارات الأمريكية (CIA) والبريطانية. أُعدم أو نُفي أنصار مصدق، وعاد الشاه إلى البلاد أكثر قوةً واستبدادًا.

إيران بين القمع والتحالفات الدولية

image 37

عاد الجنرال زاهدي إلى الحكم، وأعاد العلاقات مع بريطانيا، وأبرم اتفاقًا نفطيًا جديدًا سنة 1373هـ / 1954م، يقضي بتشكيل اتحاد من ثماني شركات عالمية لاستثمار النفط الإيراني.
لكن البلاد لم تعرف الاستقرار؛ إذ استمر حزب توده الشيوعي في نشاطه السري، كما صعّدت جماعة فدائيان الإسلام – بقيادة نواب صفوي – حركتها الداعية إلى العودة إلى “الإسلام” ويقصدون بفهم الرافضة الاثني عشرية، إضافة إلى محاربة الفساد والتبعية، فاتهم بعض أعضائها بمحاولة اغتيال رئيس الوزراء حسين علاء، وأُعدم عدد منهم، بينهم نواب صفوي نفسه. كان ذلك مؤشراً على ازدياد القمع الموجه ضد القوى الدينية، رغم تسامح النظام النسبي مع اليساريين والأقليات.

التحالفات العسكرية والحرب الباردة

image 39

في سياق الحرب الباردة، سعت إيران إلى تعزيز علاقاتها بالغرب، فانضمت سنة 1375هـ / 1955م إلى حلف بغداد إلى جانب تركيا والعراق وباكستان، ليكون سداً في وجه التمدد السوفيتي.
لكن بانسحاب العراق من الحلف سنة 1378هـ / 1958م، تغير اسمه إلى الحلف المركزي (CENTO)، وظلت إيران فيه حليفًا رئيسيًا للولايات المتحدة. ورغم زيارة الشاه إلى موسكو سنة 1376هـ / 1957م، ظل التوتر مع الاتحاد السوفيتي قائمًا.

الثورة البيضاء

bfe1fde1 2cb1 45ea ac52 77b38bfc7ea1

أطلق الشاه محمد رضا بهلوي في بداية الستينيات ما سماه الثورة البيضاء، وهي حزمة إصلاحات طموحة هدفت – نظريًا – إلى تحديث البلاد. تضمنت القضاء على الإقطاع، وتأميم الغابات، وتوزيع الأراضي على الفلاحين، ومشاركة العمال في الأرباح، وإصلاح قانون الانتخابات، وتوسيع التعليم، وبيع أسهم الدولة في المصانع لصالح الإصلاح الزراعي.

لكن هذه الإصلاحات كانت شكلية في جوهرها، إذ لم تمس البنية الاستبدادية للنظام، بل زادت من ثروات النخبة الحاكمة وأضعفت الطبقة الوسطى. وقد واجهت معارضة شديدة من رجال الدين والملاك الكبار، فاضطر الشاه إلى إجراء استفتاء عام لتأكيد شرعيته.

إيران وفلسطين: الموقف المتقلب

رغم عمق الانتماء الإسلامي للشعب الإيراني، فإن سياسة الشاه كانت منحازة للغرب، فاتخذت إيران موقفًا سلبيًا من القضية الفلسطينية، ونسجت علاقاتٍ خفية مع الكيان الصهيوني، تلبيةً لتوجهات الغرب وموقعها الجغرافي الاستراتيجي. ومع ذلك، بدأت في أواخر عهده بعض محاولات التراجع عن هذا الموقف تحت ضغط الشارع الإيراني والعالم الإسلامي.

تُظهر هذه المرحلة من تاريخ إيران أن البلاد كانت في قلب صراعٍ عالمي بين الشرق والغرب، تتقاذفها مصالح القوى الكبرى ومطامعها. فبين الاحتلال في الحرب العالمية الثانية، وتأميم النفط، والانقلابات، والتحالفات العسكرية، ومحاولات التحديث القسري، ظلت إيران تبحث عن استقلالها الحقيقي وهويتها السياسية.

ولم تلبث هذه التناقضات أن انفجرت في وجه النظام البهلوي نفسه بعد عقدين فقط، حين اندلعت “الثورة الإسلامية” عام 1399هـ – 1979م، التي قلبت موازين المنطقة وغيرت مسار التاريخ الإيراني والعالمي معًا.

إيران بين الشاه والثورة

image 40

شهدت إيران في القرن العشرين واحدة من أعقد التحولات السياسية والاجتماعية في تاريخها الحديث، حيث انتقلت من حكم ملكي مطلق يقوده الشاه محمد رضا بهلوي إلى نظام جمهوري “إسلامي” بقيادة الإمام روح الله الخميني. وكانت هذه التحولات نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية واجتماعية داخلية، إضافة إلى توازنات دولية جعلت من إيران محورًا لصراع النفوذ بين الشرق والغرب.

سياسة الشاه الخارجية: بين واشنطن وموسكو

سار الشاه في نهجه السياسي منحازًا بشكل واضح إلى المعسكر الغربي، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، التي رأت فيه حليفًا استراتيجيًا في مواجهة الاتحاد السوفييتي.

منح الشاه امتيازات واسعة للشركات الغربية لاستثمار النفط الإيراني عام 1374 هـ، ثم انضم إلى الحلف المركزي المعروف بـ”حلف بغداد”، الذي كان يشكل طوقًا دفاعيًا ضد التوسع الشيوعي في المنطقة.

وفي عام 1379 هـ عقد معاهدة دفاع مشترك مع الولايات المتحدة، فبدأت الأسلحة الأمريكية تتدفق إلى إيران بأعداد ضخمة حتى أصبحت البلاد واحدة من أكبر مستوردي السلاح في المنطقة، وغصّت بالخبراء الأمريكيين الذين تجاوز عددهم أربعين ألفًا، يتقاضى بعضهم رواتب خيالية تصل إلى خمسة وعشرين ألف دولار شهريًا.

أما مع الاتحاد السوفييتي، فقد اتخذ الشاه سياسة مهادنة تقوم على تبادل المصالح الاقتصادية، إذ صدّرت إيران الغاز الطبيعي إلى موسكو بكميات كبيرة بلغت ثلثي الإنتاج المحلي، وهو ما جعل السوفييت يفضّلون بقاء نظام الشاه، الذي ضمن لهم مصالحهم دون الحاجة إلى نشر قواتهم على الحدود الممتدة بين البلدين.

الأوضاع الداخلية: ترف الحكم وبؤس الشعب

في الداخل، كانت الفجوة الاجتماعية تتسع بين الحاكم والمحكومين. فبينما كان الشاه وأسرته يعيشون في بذخ فاحش ويسيطرون على ثروات البلاد كافة – من النفط إلى المصارف وشركات التأمين والصناعات الكبرى – كان الشعب يعاني من فقر مدقع وبطالة متزايدة وفساد مستشرٍ في أجهزة الدولة.

امتلك الشاه أراضي شاسعة في خوزستان وسيستان، بينما عمل الفلاحون فيها أجراءً في ظروف قاسية. كما اعتمد النظام على الولاء العسكري، فكانت رواتب الضباط باهظة تصل إلى آلاف الدولارات، مقابل قمع أي حركة معارضة.

وتحوّل جهاز السافاك إلى أداة رعب رهيبة، تمارس القمع والتعذيب ضد كل من يجرؤ على انتقاد النظام. وبلغ الإنفاق العسكري نحو 45% من ميزانية الدولة، في وقت كانت فيه المدارس والمستشفيات والبنى التحتية تعاني من الإهمال الشديد.

بذور الثورة: غضب الشعب

لم يكن بوسع الشعب الإيراني أن يستمر في الصمت أمام هذا الظلم الطويل. ففي عام 1383 هـ اندلعت احتجاجات ضخمة في شتى أنحاء البلاد، لكن الشاه قابلها بالحديد والنار، فاستُخدمت الطائرات والمدرعات لقمع المتظاهرين، وسقط في يوم واحد أكثر من خمسة عشر ألف قتيل.
غير أن هذه الدماء كانت الشرارة التي أشعلت الشغف الديني لدى الجماهير، فالتف الناس حول قادتهم الدينيين وفي مقدمتهم آية الله الخميني، الذي رفع شعار العودة إلى “الإسلام” (الشيعي) كمنهج إنقاذ من الفقر والظلم والفساد.

نُفي الخميني إلى العراق، ثم إلى تركيا، وأخيرًا إلى فرنسا، لكن صوته ظلّ يصل إلى الشعب الإيراني عبر الخطب والبيانات التي كانت تهرّب إلى داخل البلاد. وازداد الغضب الشعبي بعد اغتيال نجله مصطفى في ظروف غامضة، ما عزز قناعة الناس بفساد النظام ووحشيته.

انهيار النظام وبزوغ ما يسمى “الجمهورية الإسلامية”

image 41

وصول الخميني في الأول من شباط عام 1979م إلى مطار مهرآباد الدولي في طهران، برفقة طيار من الخطوط الجوية الفرنسية، بعد أن أقام في المنفى الفرنسي

في نهاية المطاف، تصاعدت الثورة “الإسلامية” حتى اضطر الشاه إلى مغادرة البلاد عام 1979م (1399هـ تقريبًا). حاول أن ينقذ الموقف بتعيين شابور بختيار رئيسًا للوزراء، لكن محاولته باءت بالفشل.

عاد الخميني من منفاه منتصرًا، واستُقبل استقبال الفاتحين، وأعلن تشكيل حكومة مؤقتة برئاسة مهدي بازركان. ثم جرى استفتاء شعبي على إقامة الجمهورية “الإسلامية”، فحظي بتأييد ساحق، وسقطت بذلك آخر رموز النظام الملكي في إيران.

وكُلِّف مهدي بازرگان بتشكيل حكومة مؤقتة، وهو من أعضاء حكومة محمد مصدق عام 1392 هـ، فتسلَّمت الأمر، وسقطت حكومة بختيار، وفرَّ رئيسها، واختفى عن الأنظار.

وباشرت الحكومة الجديدة إعادة صياغة السياسة الخارجية وفق مبادئ الاستقلال والكرامة، فقطعت العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي وجنوب إفريقيا العنصرية، وطردت البعثة الإسرائيلية من طهران، وافتتحت في مقرها مكتبًا لمنظمة التحرير الفلسطينية.

image 42

صحيفة اطلاعات بعنوان (غدا صباحا الساعة التاسعة لقاء مع الإمام (الخميني) في طهران).

كما أعلنت دعمها للمقاومات الإسلامية في العالم، ومنها الثورة الأفغانية ضد الاحتلال السوفييتي، لتصبح إيران بعد الثورة لاعبًا رئيسيًا في معادلة الصراع الإقليمي، ولكن من موقع مختلف تمامًا عن موقعها في عهد الشاه.

هكذا طوت إيران صفحة من تاريخها كانت فيها أداة بيد القوى العظمى، لتفتح صفحة جديدة عنوانها الاستقلال والسيادة. غير أن طريق الثورة لم يكن سهلًا، فقد واجهت تحديات داخلية وخارجية كبيرة، إلا أنها أعادت رسم معالم الشرق الأوسط وأثبتت أن التغييرات الكبرى أمر يحدث في التاريخ باستمرار.

أهل السنة والجماعة في إيران قبل ثورة الخميني وبعدها

تُعدّ قضية أهل السنة والجماعة في إيران من أبرز القضايا المسكوت عنها في العالم الإسلامي، رغم ما تحمله من أبعاد دينية وسياسية واجتماعية.

فبينما تُقدّم إيران نفسها بعد الثورة الخمينية عام 1399هـ (1979م) على أنها “نموذج الدولة الإسلامية”، فإنّ واقع أهل السنة فيها يكشف تناقضًا صارخًا بين شعارات الوحدة الإسلامية وواقع التمييز المذهبي والاضطهاد الطائفي.

قبل عام 1399هـ، كان عدد أهل السنة في إيران يُقدّر بما يقارب ثلث سكان البلاد، أي نحو عشرة إلى اثني عشر مليون مسلم سني موزعين على عدة مناطق جغرافية، أبرزها:

• إقليم بلوشستان الشرقية (سيستان وبلوشستان) على الحدود مع باكستان وأفغانستان.
• إقليم كردستان الإيراني شمال غرب البلاد.
• منطقة خراسان في الشمال الشرقي.
• إقليم الأحواز (خوزستان) في الجنوب الغربي.
• منطقة تركمان صحراء شمال شرق طهران.

ورغم أن نظام الشاه محمد رضا بهلوي لم يكن ذا طابع ديني شيعي متعصب، فإنه اتّسم بسياسة الإقصاء القومي والمذهبي معًا، فكان يُهمّش علماء السنة ويُضيّق على مدارسهم الدينية، ويمنعهم من تولّي المناصب العليا في الدولة.

ومع ذلك، كان بعضهم يتمتع بحرية محدودة في التعليم والدعوة، خصوصًا في المناطق الحدودية البعيدة عن العاصمة.

وحين اندلعت الثورة الإيرانية عام 1399هـ بقيادة الخميني، هلّل كثير من المسلمين في العالم لهذه الثورة، ظانّين أنها انتصارٌ للإسلام على الطغيان، وأنها ستمثل نموذجًا لوحدة المسلمين في وجه الغرب.

وقد وجّه الخميني آنذاك دعوات متكررة للوحدة الإسلامية، مؤكّدًا أنه لا فرق بين شيعي وسني، وأن الثورة ثورة لكل المسلمين. فاستبشر أهل السنة في إيران بهذه التصريحات، وأملوا أن تكون بداية عهدٍ جديد يضمن لهم المشاركة السياسية وحرية المعتقد.

لكن ما لبثت أن تبيّنت الحقيقة المرّة، حين تحوّلت الثورة إلى نظام مذهبي مغلق، يقوم على ولاية الفقيه، ويقصي أهل السنة تمامًا من دوائر القرار والسلطة.

فبعد استقرار الحكم بيد الخميني وتأسيس “الجمهورية الإسلامية الإيرانية”، بدأت مرحلة جديدة من التضييق والتمييز على أهل السنة في مجالات متعددة:

فعلى مستوى التمثيل السياسي:
• لم يُسمح لأي عالم سني بتولي وزارة أو منصب حاكم محافظة أو قيادة عسكرية رفيعة.
• خُصّصت لأهل السنة مقاعد محدودة جدًا في البرلمان، لا تمثّل وزنهم الحقيقي.
• حُرِموا من المناصب السيادية مثل رئاسة الجمهورية أو مجلس الخبراء أو مجلس صيانة الدستور.

وعلى مستوى الحريات الدينية والتعليمية:
• أُغلقت كثير من المدارس الدينية السنية أو وُضعت تحت إشراف الدولة.
• مُنعوا من بناء مساجد جديدة في المدن الكبرى، وأشهر مثال على ذلك غياب أي مسجد لأهل السنة في طهران.
• فُرضت رقابة مشددة على الخطب والدروس الدينية، وتم اعتقال عدد من العلماء الذين تعرضوا لمضايقات متكررة.

وعلى مستوى القمع الأمني والديني
• شُنّت حملات اعتقال ضد علماء السنة في بلوشستان وكردستان والأحواز.
• أُعدِم عدد من الدعاة بتهم “التحريض والانفصال” أو “العمالة للأجانب”.
• تم دعم المدّ الشيعي في المناطق السنية عبر بناء الحسينيات ونشر التشيع بالمال والوظائف.

وعلى الرغم من كل هذا التضييق، بقي أهل السنة في إيران متمسكين بعقيدتهم ومؤسساتهم الدينية. فأنشؤوا مدارس وجمعيات تحت أسماء محلية، واستمروا في تدريس العقيدة السنية والفقه الحنفي والشافعي في معاهدهم الخاصة.

كما رفضوا المشاركة في النزاعات الداخلية، ورفعوا شعارات سلمية تطالب بـ”المساواة في المواطنة” لا بالانفصال.

تشير تقارير منظمات إسلامية مستقلة إلى أن أوضاع السنة في إيران لم تتحسن بعد أربعة عقود من الثورة، بل ازدادت سوءًا في ظلّ:

• سيطرة الحرس الثوري على مناطقهم الغنية بالثروات.
• استمرار منع بناء المساجد في العاصمة.
• محاولات مستمرة لتشييع الشباب السني عبر الإغراءات المادية والتعليمية.

ورغم ذلك، فقد أثبتت الحركات السنية الإيرانية تماسكها الفكري والعقدي، وبقيت تمثل صوتًا مستقلا يدعو إلى الإسلام لا المذهبية الضيقة.

وبالتالي فإن الثورة الخمينية، التي رُفعت باسم الإسلام، لم تنصف المسلمين السنة في إيران، بل استبدلت استبداد الشاه باستبداد مذهبي جديد. ورغم كل الصعوبات، يظلّ أهل السنة في إيران نموذجًا في الثبات والصبر، وحفاظهم على عقيدتهم ومطالبتهم المستمرة بحقوقهم المشروعة رغم حجم التكتيم الإعلامي الذي يحاصرهم، تذكّر بخط التحول التاريخي في إيران وما طرأ عليه من انحرافات ومظالم.

الإسلاميون والثورة الإيرانية

485efbbc f0bc 4623 bd42 ff3b50b76d20

حين اندلعت الثورة الإيرانية عام 1399هـ (1979م)، ارتجّ العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه. فالمشهد بدا مذهلًا: نظام ملكي مدعوم من الغرب يسقط على يد جماهير ترفع شعار «الله أكبر» وتطالب بتطبيق الشريعة وطرد النفوذ الأمريكي.

لكن الحماسة الأولى سرعان ما تحولت إلى خيبة أمل عميقة، بعدما تبيّن أن الثورة التي ظنها المسلمون ثورة إسلامية جامعة لم تكن سوى ثورة مذهبية مغلقة، أعادت إنتاج الاستبداد بلباس ديني جديد.

في السبعينيات الميلادية كانت الحركات الإسلامية السنية في العالم العربي والإسلامي تشهد صعودًا فكريًا وتنظيميًا. ومع تصاعد القمع في كثير من البلدان العربية، كانت فكرة “الثورة الإسلامية” حلمًا يراود كثيرين. فلما سقط نظام الشاه في إيران – وهو أحد أقوى عملاء الغرب في المنطقة – رآه الإسلاميون نصرًا إلهيًا وبشارة بأن عهد الإسلام قد عاد. وأُعجب كثير من المفكرين الإسلاميين بشخصية الخميني وبقدرته على تحدي الغرب، وعدّوه “الإمام المجدد”، رغم أن معظمهم لم يطّلع على أدبياته العقدية أو مذهبه الفقهي القائم على ولاية الفقيه – وهي عقيدة رافضية خالصة لا تمت لمدارس أهل السنة التي ينتمون إليها بصلة.

خطأ الإسلاميين الفادح

وقع الإسلاميون في خطأ فادح بتصدير الثورة الإيرانية بوصفها نموذجًا إسلاميًا عامًا، وتعميمها على العالم السني دون فحص جذورها الفكرية. وقد وقع في هذا الخطأ العديد من المفكرين والدعاة السنيين في مطلع الثمانينيات، حتى داخل جماعات كالإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية في باكستان، حيث أصدر بعضهم بيانات تأييد صريحة للخميني.

لكن سرعان ما تبيّن أن الثورة ليست إسلامية بالمعنى الشامل، بل مذهبية رافضية خالصة، تقوم على:

• ولاية الفقيه المطلقة، التي تمنح رجل الدين الرافضي سلطة فوق الأمة والدستور.
• إقصاء غير الرافضة من المناصب العليا والسلطة.
• خطاب تعبوي يقوم على “الثأر التاريخي” لا على توحيد الأمة.

فخُدع كثير من الإسلاميين بالمظهر الإسلامي للثورة، دون التحقق من مضمونها العقدي، وكان لهذا الخطأ تداعياته بلا شك.

بعد نجاح الثورة، حاولت بعض الحركات الإسلامية في العالم السني استنساخ النموذج الإيراني في بلدانها، معتبرة أن الحل يكمن في تكرار السيناريو نفسه: إسقاط النظام، ثم إقامة “جمهورية إسلامية”.

لكن النموذج الإيراني كان قائمًا على أرضية مذهبية مغلقة لم تكن قابلة للنقل. فبينما ينطلق الإسلام السني من مفهوم الشورى والبيعة والعدالة، قامت الثورة الإيرانية على مفهوم النيابة الإلهية للفقيه المعصوم. وهذا فارق جوهري يجعل من اعتبار المشروع الرافضي قدوة، خيانة للمنهج السني ذاته.

كما أنّ التجربة الإيرانية بعد الثورة كشفت أن الدولة الجديدة لم تطبق الشريعة كما فهمها المسلمون، بل أسست نظامًا ثيوقراطيًا قوميًا ذا طابع فارسي، يمزج بين العقيدة الشيعية والمصلحة القومية.

التداعيات الخطيرة لتعاطف الإسلاميين

تسبب موقف الإسلاميين العاطفي الساذج، في تشويش المفاهيم الإسلامية، حيث صار يُقدَّم التشيع الثوري على أنه نموذج إسلامي، مما أحدث لبسًا عند الأجيال الإسلامية الناشئة. وكان في ذلك إضعاف الصف السني، حيث استغل النظام الإيراني حماسة الإسلاميين السنة فمدّ نفوذه في بلدانهم، ثم استخدمهم أدوات في مشروعه التوسعي.

بعد سنوات قليلة، ظهر وجه الثورة الحقيقي في سوريا ولبنان والعراق واليمن، حيث دعمت طهران الميليشيات الطائفية تحت لافتة “نصرة المستضعفين”.

مع مرور الوقت، تبيّن للحركات الإسلامية السنية – على الأقل جزء منها- أن الثورة الإيرانية لم تكن ثورة للإسلام، بل مشروعًا فارسيًا شيعيًا مؤدلجًا، وأنها أخطأت في تبنيها كرمز أو قدوة.

يقول سعيد حوى، وهو من أبرز قيادات الإخوان المسلمين الذي التقى الخميني في زمانه، في رسالته التي كتبها إبراء للذمة بعنوان: “الخميني شذوذ في العقائد شذوذ في المواقف”:

”وكنا نتصور أنه بعد انتصار الخميني في إيران أن الشيعة قد تجاوزوا التقية، ولكننا من خلال الواقع وجدناهم يستعملون التقية مع البندقية . فهم – سواء في ذلك النظام الحاكم في سوريا أو حركة أمل أو إيران – يتعاونون مع “إسرائيل” سرّاً ويعطونها الذي تريد ويتظاهرون بخلاف ذلك، وهم يحاربون حرباً طائفية في كل مكان ويتظاهرون بشعارات سوى ذلك، وهم يتخيرون لخطاب شباب الإسلام عبارات وخطابات يلبسونها ثوب الخداع ويتسترون على حقيقتهم ويقدمون للناس في إيران زاداً ويقدمون لشباب الإسلام كلهم زاداً آخر “.

وأضاف:” كانوا بالأمس يستعملون التقية حماية لأنفسهم، والآن يستعملون البندقية للسيطرة ، ويتسعملون التقية لخداع الآخرين، فيلبسون لكل حالة لبوسها، ويتحالفون مع اليسار إذا رأوا ذلك يقربهم من أهدافهم، ويدخلون في الأحزاب اليسارية، ويعلونون شعاراتها التي تناقض مبادئهم وهم يكتمون أهدافهم الحقيقية. انظر إليهم في سوريا وتركيا وفي باكستان وأفغانستان وفي غيرها، فإنك حيث ما رأيتهم – هنا وهناك – تجدهم يلبسون لباساً حزبياً في الظاهر ويكتمون مخططاتهم الخفية في الباطن حتى يصلوا إلى مرادهم .

فاجتمع لهم في بعض البلدان التقية والبندقية، ولا زالوا في بعض البلدان يظهرون التقية ويبحثون معها عن البندقية. وقد آن لشباب الإسلام أن يدركوا خداع هؤلاء، وأن يعرفوهم على حقيقتهم”.

وختم سعيد حوى رسالته الطويلة بدعاء:”اللهم إني أبرأ إليك من الخمبيني والخمينية ومن كل من والاهم وأيدهم وحالفاهم وتحالف معهم”.


لقد كانت الثورة الإيرانية اختبارًا فكريًا للحركات الإسلامية السنية: هل تتحرك بدافع الوعي أم بدافع العاطفة؟

والحقيقة أن كثيرًا من الإسلاميين وقعوا في فخ العاطفة، فاستدعوا ثورة غيرهم وجعلوها نموذجًا، ثم اكتشفوا متأخرين أنها قامت على أساس يخالف عقيدتهم.

إنّ تصحيح هذا الخطأ لا يكون إلا بالعودة إلى المنهج النبوي في التغيير، الذي يبدأ بإصلاح الإيمان والعقيدة قبل السعي إلى السلطة، وبالتمسك بالعدل والشورى، لا بالولاية ولا بالثأر التاريخي على الطريقة الخمينية.

الخميني: الوجه الخفي للثورة واستبداد “ولاية الفقيه”

image 43


يُعتبر الخميني مؤسس ما يسمى بـ “الجمهورية الإسلامية الإيرانية” لكنه مجرد ستار لمشروع استبدادي يقوم على فكر ضال وأهداف مضلة.

لقد كان الخميني من أبرز منظّري نظرية “ولاية الفقيه”؛ إذ اعتبر أن الحاكم (الولي) هو نيابة عن الإمام المعصوم الغائب، ويملك سلطات واسعة جدًا. وفي كتابه الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه، رسخ فكرة أن السلطة الدينية للفقيه ليست فقط ممارسة روحية، بل حكم سياسي تشريعي.

من وجهة نظره، هذه الولاية تمنحه القدرة على إلغاء بعض الأحكام الشرعية أو تأجيلها إذا رآها “ضد مصلحة الإسلام والدولة”. هذا المنطق يمنح الفقيه سلطة شبه مطلقة: ليس فقط في التشريع، بل في السلطة السياسية العليا، دون مساءلة حقيقية.

وهذا ما تسبب في نشوب صراع مهم بين الخميني وبين آية الله محمد مهدي الشيرازي، الذي كان من أوائل من نظروا في ولاية الفقيه لكنه رفض تفرد الخميني بالسلطة. فالشيرازي ومريدو مرجعيته رأوا أن الحكم يجب أن يكون جماعيًا (شورى فقهائي) وليس بيد فقيه واحد فقط، لتجنّب الاستبداد.

لم يلتفت الخميني لناقديه، وبعد الثورة، شرّع نظامًا سياسيًا صارمًا، دعا فيه إلى طاعة الفقيه والتزام ولاية الفقيه، مما قلّص دور المؤسسات المدنية والمستقلة. وتم استخدام السلطة الدينية لتبرير ممارسات قمعية كالقضاء على المعارضين، واحتكار السلطة الدينية والسياسية في يد رجال دين شيعة مقربين من الخميني. كما أن الخميني لم يكن بعيدًا عن السياسة، ففي منفاه، عمل على بناء مشروع سياسي وليس مجرد دعوة دينية، وقد نجح في بناء شبكة سلطة دينية – سياسية تمتد بعد الثورة عبر الحرس الثوري والمؤسسات الدينية.

إيران في عهد الخميني: الثورة، الحرب، والعزلة الدولية

في عهد الخميني، تبنت إيران نهجًا طائفيًا متشددًا، حيث تم تأسيس نظام ولاية الفقيه، وفرضت قوانين دينية شيعية على المجتمع، شملت الحقوق العامة، التعليم، والاقتصاد. أدت هذه التغييرات إلى عزلة سياسية واجتماعية داخلية بسبب تضييق الخناق على المعارضة والسنة والمجموعات غير المتوافقة مع الثورة.

أزمة الرهائن

image 45

في 14 ذو الحجة 1399هـ (4 نوفمبر 1979م)، اقتحم متظاهرون إيرانيون السفارة الأمريكية في طهران واحتجزوا 52 دبلوماسيًا أمريكيًا رهائن لمدة 444 يومًا، في واحدة من أطول الأزمات الدبلوماسية في التاريخ الحديث. جاءت الأزمة بعد الثورة التي أطاحت بالشاه محمد رضا بهلوي، وكانت احتجاجًا على استقبال الولايات المتحدة للشاه في نيويورك للعلاج الطبي. هذه الأزمة أدت إلى تجميد العلاقات بين إيران والولايات المتحدة وأثرت بشكل مباشر على السياسة الأمريكية الداخلية والخارجية، ووضعت إيران في عزلة دولية نسبية. حيث قطعت واشنطن رسميا علاقاتها مع طهران في عام 1980م في منتصف الأزمة.

تم تحرير الرهائن الأمريكيين في إيران في 14 ربيع الأول 1401هـ (20 يناير 1981م)، بالتزامن مع تنصيب الرئيس الأمريكي رونالد ريغان. جاء التحرير نتيجة اتفاق دبلوماسي طويل المدى بدأ في عهد الرئيس جيمي كارتر، وكل ذلك جاء بعد فشل التدخلي العسكري الأمريكي الذريع.

عملية «مخلب النسر»: المغامرة الأمريكية التي ابتلعتها رمال طبس

image 50


في جمادى الأولى – جمادى الآخرة 1400هـ (أبريل عام 1980م)، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام واحدة من أعقد أزماتها الحديثة: احتجاز 52 دبلوماسيًا أمريكيًا داخل السفارة في طهران، بعد انتصار الثورة الخمينية واندلاع موجة العداء ضد كل ما هو أمريكي. ومع تعقّد المفاوضات وتصلّب موقف الخميني آنذاك، قرر الرئيس جيمي كارتر أن يلجأ إلى خيار شديد الخطورة وهو التدخل العسكري المباشر.

هكذا وُلدت عملية «مخلب النسر» (Operation Eagle Claw)، التي كان يُفترض أن تكون ضربة نوعية تعيد الهيبة لواشنطن، لكنها تحولت إلى إحدى أكثر الإخفاقات إذلالًا في تاريخ القوات الخاصة الأمريكية.

اقتضت الخطة إنزال قوات “دلتا فورس” في صحراء طبس شرق إيران، في نقطة سرّية أطلق عليها اسم «ديزرت وان». ومن هناك تنطلق المروحيات نحو طهران، حيث تتم عملية تحرير خاطفة للرهائن، قبل الانسحاب جوًا إلى خارج البلاد.

كانت الخطة تعتمد على تنسيق دقيق بين: طائرات نقل عملاقة ومروحيات إنقاذ خاصة وفرق كوماندوز مدربة على أعلى مستوى. لكن كل هذا التعقيد كان على موعد مع امتحان المفاجأة.

ففور دخول المروحيات الأجواء الإيرانية، ضربتها عواصف رملية كثيفة لم تكن مدرجة في التوقعات الجوية. وتعطلت مروحيات، وفُقد الاتصال ببعضها، واضطرت أخرى إلى الهبوط الاضطراري. وعندما اجتمع القادة في نقطة التجمع، اكتشفوا أن عدد المروحيات الصالحة لإكمال المهمة أصبح أقل من الحد الأدنى المطلوب. ومع هذا الفشل المبكر، صدر القرار الأصعب، وهو إلغاء العملية. لكن القيادة الأمريكية لم تكن تتوقع نهاية أكثر مأساوية حصلت بعد ذلك.

أثناء الانسحاب الفوضوي، اصطدمت مروحية مع طائرة من طراز C-130، مما أدى إلى انفجار هائل أودى بحياة ثمانية جنود أمريكيين، واشتعلت النيران في الطائرات والمعدات في مشهد كارثي. اضطر الباقون للهرب سريعًا تاركين خلفهم جثثًا محترقة وقطعًا من المعدات الأمريكية، لتصبح الصحراء شاهدة على انهيار العملية برمتها.

شكلت عملية مخلب النسر ضربة قاسية لهيبة الولايات المتحدة حيث انهارت صورة القوة الأمريكية التي لا تُهزم. وتعرّض الرئيس كارتر لهجوم سياسي شرس، كان من أسباب خسارته الانتخابات لاحقًا. أما النظام الإيراني، فاستغل الحادثة لترسيخ دعايته، واعتبرها “نصرًا إلهيًا” واثباتًا لضعف “الشيطان الأكبر”.

ومنذ ذلك اليوم، أصبحت طبس رمزًا لعملية تاهت فيها القوة داخل الرمال، وانتهت إلى أحد أكبر الإخفاقات التي غيّرت طريقة أمريكا في التخطيط لعملياتها العسكرية لعقود لاحقة.

الحرب العراقية الإيرانية

image 44

في 2 ربيع الأول 1401هـ (22 سبتمبر/ أيلول 1980م)، بدأت الحرب بين العراق وإيران، والتي تعرف كذلك بـ “حرب الخليج الأولى” وهي من أطول الحروب في القرن العشرين حيث امتدت نحو 8 سنوات وانتهت عام 1409هـ (1988م)، وسقط فيها نحو مليون قتيل وحوالي 5 ملايين من الجرحى والمعاقين.

وبدأت الحرب بعد أن تصاعدت التوترات بين العراق وإيران على إثر اتهام بغداد لطهران بقصف المناطق الحدودية، فألغى الرئيس العراقي صدام حسين “اتفاقية 1975م” مع إيران واعتبر مياه شط العرب كاملة جزءاً من السيادة العراقية.

وفي 22 سبتمبر، شنَّ العراق حملة عسكرية واسعة على طول جبهة خوزستان، واستولى على مدينة خورامشاه.

دعا مجلس الأمن الدولي في 28 سبتمبر الطرفين إلى وقف القتال والمبادرة للتفاوض، لكن المعارك استمرت، واستعاد الجيش الإيراني بحلول فبراير 1982م مدينة عبدان ومناطق واسعة، ثم خورامشاه في مايو، قبل أن يشن هجمات داخل الأراضي العراقية.

رغم قبول العراق بقرار وقف إطلاق النار في يوليو 1982م، رفضت إيران الالتزام وركزت على السيطرة على البصرة، فاندلعت حرب المدن في أبريل 1984م. وانتهت الحرب بعد خسائر هائلة تجاوزت 400 مليار دولار وأكثر من مليون قتيل وخمسة ملايين مصاب أو معاق، قبل أن تعلن إيران قبولها قرار مجلس الأمن 598 في 18 يوليو 1988م، وتبدأ المفاوضات المباشرة بين البلدين في أغسطس وأكتوبر 1988م، منهيةً أطول صراع في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.

الثورة الثقافية الإيرانية

بعد تأسيس الجمهورية، أطلق الخميني الثورة الثقافية التي هدفت إلى إعادة هيكلة التعليم والمؤسسات الأكاديمية وفقًا للشريعة الشيعية. تم خلالها ( منذ 1400–1407هـ .. 1980–1987م تقريبًا) تطهير الجامعات والمدارس من الأكاديميين والطلاب المناهضين للثورة، وإدخال مناهج دينية في المناهج التعليمية. كما ركزت الثورة الثقافية على تعزيز الهوية الشيعية والقيم الثورية بين الشباب، وتهدف إلى إعداد جيل ملتزم بالثورة وبقيمها الدينية والسياسية. هذه الخطوة أثرت بشكل مباشر على المجتمع الإيراني، حيث أعادت تشكيل الثقافة والسياسة والتعليم لتعكس رؤية الجمهورية الخمينية.

توسيع النفوذ الإقليمي

استغلت إيران الثورة لتعزيز نفوذها في العالم الإسلامي، لا سيما من خلال دعم الحركات الشيعية في لبنان، البحرين، وجنوب العراق. كان أبرز مثال على ذلك تأسيس ودعم حزب الله اللبناني، الذي أصبح لاحقًا قوة سياسية وعسكرية مؤثرة. هذا التوسع الإقليمي عزز مكانة إيران كقوة ثورية تحاول تصدير نموذج الثورة الشيعية إلى الخارج، وأثار توترات مع الدول العربية السنية، خصوصًا السعودية والكويت، التي كانت تخشى توسع النفوذ الإيراني في المنطقة.

السياسة الاقتصادية الداخلية

واجهت إيران تحديات اقتصادية كبيرة خلال حقبة الخميني، خصوصًا مع الحرب العراقية‑الإيرانية الطويلة والعزلة الدولية. ركز النظام على تأميم النفط والصناعات الحيوية لضمان استمرار الاقتصاد في ظل الأزمة. مع ذلك، عانت البلاد من ارتفاع التضخم، ونقص المواد الأساسية، والبطالة، وهو ما أدى إلى ضغوط اجتماعية على المواطنين. وحاولت إيران فرض سيطرة اقتصادية على القطاع النفطي، رغم العقوبات الدولية وعواقب الحرب.

السياسة الخارجية والعزلة الدولية

اتسمت السياسة الخارجية لإيران في عهد الخميني بالعداء النسبي مع الغرب والعزلة الدولية بسبب طبيعة الثورة ومواقفها المتشددة. وشهدت العلاقات مع الولايات المتحدة توترًا شديدًا بعد أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية، مما أدى إلى تجميد العلاقات الدبلوماسية وفرض عقوبات اقتصادية وسياسية على إيران. كما كانت علاقات إيران مع أوروبا الغربية محدودة ومعقدة، بسبب الخشية من تأثير الثورة على الدول المجاورة ودعم إيران لحركات شيعية في المنطقة.

على الصعيد الإقليمي، أدت سياسات إيران الثورية إلى توتر مع دول الخليج العربية، خصوصًا السعودية والكويت، التي شعرت بالتهديد من تصدير الثورة الإيرانية ونفوذها بين المجتمعات الشيعية. أما مع العالم الإسلامي، فقد سعت إيران لتعزيز دورها عبر دعم الحركات الشيعية في لبنان والبحرين وجنوب العراق، ما عزز نفوذها ولكنه عزز أيضًا شعور العزلة تجاه الدول السنية الكبرى.

بالإضافة إلى ذلك، كان التوازن مع الاتحاد السوفيتي والصين محدودًا، إذ حرصت إيران على حماية مصالحها دون الانجرار إلى صدام مباشر مع القوى الكبرى، خصوصًا في ظل الحرب العراقية‑الإيرانية المستمرة. مجتمعة، جعلت هذه السياسة إيران دولة ثورية ومعزولة جزئيًا دوليًا، لكنها في الوقت نفسه مؤثرة إقليميًا بفضل دعمها للحركات التي تتماشى مع رؤيتها الثورية.

لقد شكّل حكم الخميني مرحلة فارقة في تاريخ إيران الحديث، ولعل أبرز إنجازاته الثورية كانت في تحقيق توسع نفوذ إيران الإقليمي عبر دعم الحركات الشيعية. وتحقيق صمود داخلي وخارجي في مواجهة الحرب العراقية والإرهاصات الاقتصادية والسياسية.

عقيدة الخميني، الملهم الروحي لمشروع “ولاية الفقيه”


عُرف الخميني بوصفه قائد الثورة الإيرانية ومؤسس نظام “الجمهورية الإسلامية”، لكنه في مقاييس الإسلام لم يكن إمامًا مجددًا كما زعمه أتباعه، بل كان رمزًا للغلوّ والانحراف العقدي، استند إلى فكرٍ يضرب أصول الإسلام من أساسها، ويُكرّس عبادة الأشخاص وتأليه الأئمة.

ولذلك جاءت مواقف كثير من العلماء السنّة واضحة في التحذير منه ومن مشروعه الطائفي وفي تكفيره عينا والبراءة منه.

يمثل فكر الخميني امتدادًا لخطِّ الغلوّ الرافضي الذي خالف عقيدة الإسلام وأصوله، وطعن في الثوابت التي تقوم عليها دعوة الإسلام، ويمكن تلخيص أبرز ضلالاته فيما يلي:

  • الغلو في الإمامة والطعن في الأنبياء والصحابة

رفع الخميني مكانةَ الأئمة فوق منزلة الأنبياء، وصرّح بأن لهم مقامات “لا يبلغها ملك مقرّب ولا نبي مرسل”، وهو قول ينقض ميزان النبوّة الذي جاءت به الشريعة.

كما تبنّى الموقف الإمامي التقليدي في الطعن في أكثر الصحابة، ووصفهم بالنفاق والعدول عن ولاية علي، وكرّر دعوى أن “مذهب الصحابة” مذهب باطل نشأ في سقيفة بني ساعدة. وهو على مذهب الرافضة الاثني عشرية في تكفير الصحابة ولعنهم وبحقد أعمى على الصديق أبي بكر والفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنهم.

كما أعاد الخميني تفسير كمال الدين بأنه لا يتحقق إلا بالإمامة، لا بالرسالة، مما يطعن في تمام تبليغ النبي ﷺ.

  • القول بتحريف القرآن

يعتقد الخميني بأن الصحابة أخفوا آيات تتعلق بالإمامة، وامتدح القائلين بتحريف القرآن، معتمدًا على أصحاب هذا القول في كتبه.

  • تكفير الأمة واستحلال دمائها

اعتبر أي حكم سني حكمًا “طاغوتًا”، وكل مجتمع تحكمه السنة مجتمعًا “مشركًا”، بينما تجاهل مظاهر الشرك المنتشرة في بيئته: الطواف بالقبور، ودعاء الأموات، والذبح لهم.

وهذا الموقف يجعل الأمة السنيّة – في فكره – خارج “الإسلام الصحيح”، ويشرعن الصراع معها فكريًا وسياسيًا وعسكريًا.

  • الغلو الصوفي والحلول والاتحاد

نسب لعلي رضي الله عنه صفات لاهوتية، واعتقد اتحاد الحقيقة المحمدية والأئمة بالله تعالى، وكرّر عبارات ابن عربي في وحدة الوجود. واعتبر للأئمة قدرة على التصرّف في الوجود، وهي مضامين تخالف التوحيد الذي حفظته الشريعة.

لقد قرّر الخميني أن الولاية – التي هي عنده مقام الأئمة – أعلى من النبوة من جهة التأثير الوجودي والتصرّف، وهذا قول يخرق أصلا من أصول الإسلام الراسخة في خاتمية النبوة وتفضيل الأنبياء.

  • وثنيات واضحة

دافع صراحة عن دعاء الموتى وطلب الحوائج منهم، وادعى أن ذلك ليس شركًا إلا إذا اعتُقد فيهم الألوهية، وهو عين الشرك الذي قاتل النبي ﷺ لأجله.

كما برّر التوسل بالأضرحة والأحجار المنسوبة للأئمة، وجعل لها من الإرادة ما يختص به الله وحده.

  • اعتقادات فلكية باطلة

جعل لحركة الكواكب تأثيرًا على الزواج والعمل، وحدّد “أيامًا نحسة” يجب ترك الأعمال فيها، وهو اعتقاد يدخل في أبواب الكهانة التي حرّمها الإسلام.

  • مخالفات فقهية شاذة

أفتى بجواز الاستمتاع بالطفلة الرضيعة، وجواز المتعة مع الزانية، وأجاز وطء الزوجة من الدبر، وغيرها من الفتاوى التي أثارت إنكار العلماء عبر العصور.

  • شبهات مالية

أثارت طريقة إدارة الخمس، وتضخم أموال المؤسسات المرتبطة بالخميني وبأسرته، جدلًا واسعًا داخل إيران، فيما يتعلق باستخدام الخمس والحقوق الشرعية في بناء نفوذ مالي ضخم تحت عنوان “ولاية الفقيه”. واتهم باستغلال الخمس لمراكمة الثروات باسم “إمام الزمان”.

وهكذا تكشف هذه الانحرافات مجتمعة عن منظومة فكرية غالية تتضمن: الشرك والكفر، وتكفير الصحابة والأمة. والطعن في النبوة والرسالة والقرآن العظيم. والغلو في الأئمة إلى حد التأليه. وتبنّي عقائد التصوف الفلسفي والحلول. والدفاع عن الوثنية والشرك الأكبر.

وهي انحرافات جسيمة لا علاقة لها بالإسلام ولا بأصوله، وقد نبّه العلماء إلى خطرها منذ ظهورها، لما تحمله من تهديد لوحدة الأمة وعقيدتها.

وفي الواقع، منذ اللحظة الأولى لنجاح الثورة الإيرانية، لم يُخفِ الخميني مشروعه الحقيقي القائم على تصدير الثورة الرافضية وإشعال الفتن الطائفية داخل العالم الإسلامي، فكان ذلك إيذانًا بمرحلة طويلة من دعم المليشيات الشيعية في لبنان والعراق واليمن، وإذكاء الصراع الطائفي وتغذية مشروع “الهلال الشيعي” الصفوي في جوهره، والذي هدفه تقويض الإسلام السني ومحاربته. بشعار الانتقام للحسين!

ويكفي أنه على الرغم من أن إيران تُقدّم نفسها دوليًا على أنها “جمهورية إسلامية”، فإن الواقع السني فيها يكشف عن تمييز طائفي صارخ بدأ مع تأسيس النظام الصفوي في القرن العاشر الهجري، وبلغ ذروته بعد ثورة الخميني.

حقيقة العلاقة بين الخميني والأمريكيين

تُظهر قراءة متأنية لمرحلة الثورة الإيرانية أن العلاقة بين الخميني والولايات المتحدة لم تكن بالحدة التي روّجت لها الشعارات الثورية، بل كانت مزيجًا معقدًا من الاتصالات السرّية والمصالح المتبادلة، غُلِّفت بخطاب شعبوي صاخب يخدم الطرفين على حدّ سواء.

فمع أن الجماهير كانت تسمع شعار «الموت لأمريكا» يجلجل في الشوارع، إلا أن الوثائق الغربية اللاحقة – ومنها مذكّرات سايروس فانس وبعض وثائق مجلس الأمن القومي الأمريكي لعام 1979م – تكشف أن الخميني تفاوض سرًا مع واشنطن قبل عودته من باريس، متعهدًا بعدم المساس بالمصالح الأمريكية الأساسية في إيران ما بعد الشاه. وهذا وحده يكفي لإظهار أن العداء المعلن لم يكن إلا واجهة سياسية تحجب شبكة من التفاهمات الأولية.

وقد كان سقوط الشاه، من منظور عدد من الباحثين الغربيين، فرصة للولايات المتحدة لإعادة تشكيل نفوذها في المنطقة عبر قوة جديدة أقلّ كلفة وأقدر على لعب دور داخلي يضبط الشارع ويُضعف المشاريع القومية العربية. وقد أشار كتّاب مثل روبرت دريفوس إلى أن واشنطن لم تكن بعيدة عن هندسة هذا التحول، خاصة بعدما صار الشاه عبئًا بتزايد طموحه العسكري واستقلاليته المتنامية.

وتعزّز هذا الطرح أيضًا سرعة اعتراف الولايات المتحدة بما يسمى “الجمهورية الإسلامية الإيرانية”، بعد إعلانها بأيام فقط؛ فبينما كانت الهتافات تندد بـ«الشيطان الأكبر»، كانت واشنطن تبعث برسائل تؤكد حرصها على بناء علاقة طبيعية مع النظام الجديد. ولم تُظهر في الأسابيع الأولى أيّ نية للصدام، بل حاولت فتح قنوات مباشرة معه قبل أزمة الرهائن.

أما من جهة الخميني، فقد شكّلت الشعارات الثورية أداة فعّالة لتثبيت السلطة داخليًا، فأوجد حالة تعبئة دائمة توحِّد الشعب خلف القيادة الجديدة، بينما تُدار العلاقات الخارجية بمنطق المصالح بعيدًا عن صخب الجماهير. وهذا ما ظهر لاحقًا بشكل صارخ في فضيحة إيران–كونترا، حين اتضح أن طهران كانت تتلقى السلاح الأمريكي سرًا أثناء الحرب مع العراق، في الوقت الذي كان الإعلام الإيراني يواصل بث شعارات العداء لواشنطن دون انقطاع.

لقد شكّلت تلك الفضيحة دليلاً عمليًا على أنّ الصراع الظاهر لم يكن صراع وجود، وأن الخطاب الموجّه للجماهير شيء، وحسابات الدولة شيء آخر تمامًا.

إن مجموع هذه الشواهد ترسم صورة أوضح لطبيعة العلاقة بين الخميني والأمريكيين: علاقة لا يُقاس عمقها بالشعارات، بل بالتفاهمات الخفية والمصالح الاستراتيجية التي عقدت بعيدًا عن الأنظار. وما يبدو في الظاهر عداءً ثوريًا مطلقًا يتبيّن في العمق أنه كان – في كثير من محطاته – مجرّد إدارة مصالح بين طرفين يدرك كل منهما ما يريد من الآخر، ويعرف كيف يُخفي ذلك خلف ستار من الضوضاء الثورية.

إن الخميني ليس مصلحًا ولا مجددًا، بل رأس من رؤوس الضلالة والكفر والعداء للإسلام الحق. فقد جمع بين الغلو الرافضي، والاستبداد السياسي، والتقية الفكرية التي أخفت مشروعًا طائفيًا يرمي إلى تمزيق الأمة.

ومن الواجب على المسلمين، أن يعرفوا الفرق بين الثورة الإسلامية الحقة التي تقيم شرع الله، وبين الثورة الصفوية الخمينية التي ترفع شعار الإسلام لتضربه من داخله وتمهد الأرض لمشروع صفوي فارسي حاقد.

قال الله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 32]

فرنسا والثورة الإيرانية

image 46

الخميني في باريس

تُعدّ الثورة الإيرانية من أبرز الأحداث السياسية، إذ غيّرت معادلات الشرق الأوسط جذريًا، وأنتجت نظامًا ذا طابع طائفي توسّعي بقيادة الخميني. غير أن أحد الأبعاد المهمة التي غفل عنها كثير من الدارسين هو الدور الفرنسي في دعم الثورة وتهيئة الظروف لنجاحها، وهو ما تراه المراجع نقطة مركزية لفهم التحالف الغربي – لا سيما الفرنسي – مع المشروع الخميني في بداياته.

  • خلفية عن نفي الخميني واستقراره في فرنسا

بعد معارضته الشديدة للشاه محمد رضا بهلوي، نُفي الخميني أولاً إلى تركيا عام 1964م، ثم إلى العراق، حيث أقام في النجف نحو ثلاثة عشر عامًا. وفي أواخر عام 1978م، وبعد اتفاق أمني بين صدام حسين والشاه، طُرد الخميني من العراق، فاختار فرنسا منفى جديدًا، وتحديدًا قرية نوفل لوشاتو قرب باريس.

اللافت أن فرنسا لم تفرض عليه أي قيود سياسية أو إعلامية، بل سمحت له بإدارة نشاط واسع من بيته الريفي، فكانت تُجرى معه مقابلات يومية تبثها وسائل الإعلام العالمية، وتنقل خطاباته إلى الداخل الإيراني عبر الكاسيت والراديو، مما جعل باريس عمليًا مركز القيادة الإعلامية والسياسية للثورة.

  • الدور الفرنسي الإعلامي والسياسي في دعم الثورة

منحته الحكومة الفرنسية حرية تامة في التواصل مع الصحافة، فتدفق الصحفيون الغربيون إلى نوفل لوشاتو، وحوّلوا الرجل إلى رمز عالمي للثورة ضد “الاستبداد الشرقي”، مع تجاهل تام لخلفيته المذهبية وأفكاره التكفيرية ضد أهل السنة.

وعندما بدأت سلطة الشاه بالانهيار، نسّقت باريس مع بعض الدوائر الغربية لتأمين عودة الخميني عبر طائرة فرنسية خاصة أقلّته من باريس إلى طهران يوم 1 فبراير 1979م، في مشهد رمزيّ لافت عن الرعاية الفرنسية لولادة النظام الجديد.

اعتبرت فرنسا ومعها دول أوروبية أخرى الثورة الإيرانية فرصة لإضعاف النفوذ الأمريكي البريطاني في المنطقة، خاصة أن نظام الشاه كان يعدّ حليفًا إستراتيجيًا لواشنطن ولندن.

لا يمكن فصل هذا الدعم الفرنسي عن السياسات الغربية القديمة في توظيف الأقليات والطوائف الدينية لتفكيك الأمة الإسلامية.

ففي حين كانت الثورة تُقدَّم إعلاميًا بوصفها “إسلامية”، فإن مضمونها الطائفي الشيعي الصفوي كان واضحًا في كتابات الخميني، مثل الحكومة الإسلامية وكشف الأسرار، حيث كفّر الصحابة وأهان رموز أهل السنة، ودعا إلى نظام ولاية الفقيه الذي يحتكر الحكم والفتوى في يد المرجعية الشيعية. فاحتضان فرنسا للخميني لم يكن عفويًا، بل كان امتدادًا لسياسة قديمة قوامها دعم التيارات التي تُضعف مركز الإسلام السني السياسي والفكري.

بعد استقرار النظام، توترت العلاقات بين طهران وباريس، لكن ذلك لم يلغِ حقيقة أن فرنسا كانت الممر الآمن لولادة نظام ولاية الفقيه، الذي ما زال يصدّر أزماته إلى العالم الإسلامي حتى اليوم.

يُجمع الباحثون أن الدور الفرنسي في الثورة الإيرانية يُظهر نمطًا متكررًا من توظيف الغرب للصراعات المذهبية لخدمة مصالحه الجيوسياسية، وأن الخميني مثّل حالة نموذجية لاستغلال الغرب لزعيم ديني، ثم تمرده عليهم لاحقًا بعد تثبيت حكمه.

إن الثورة الإيرانية لم تكن ثورة إسلامية خالصة، بل كانت ثورة شيعية صفوية تحت عباءة الدين، استخدمت الدعم الفرنسي والغربي للوصول.

أبرز الرموز والممارسات الصفوية التي أعاد الخميني إحياءها

image 51

لم تكن الثورة الإيرانية حدثًا سياسيًا منعزلًا عن التاريخ، ولا قطيعة مع الماضي كما تظاهر منظّروها، بل كانت – في عمقها الفكري – امتدادًا مباشرًا للمشروع الصفوي الذي ظهر في القرن العاشر الهجري، حين أسّس الشاه إسماعيل الصفوي دولةً مذهبية قامت على التشييع القسري والتعبئة الطائفية وتوظيف الدين في خدمة السلطة.

وقد أعاد الخميني – بصورة حديثة – إنتاج الرموز الصفوية ذاتها، وبثّ الروح في الأفكار التي بُنيت عليها الدولة الصفوية قبل خمسة قرون، مستفيدًا من أدوات العصر السياسية والإعلامية والتنظيمية.

  • الرمزية الصفوية في قلب “الجمهورية الإسلامية”

لم يُعلن الخميني تبنّيه للصفويين رسميًا، لكنه ورّث دولتهم أهم ركائزها الفكرية:

باعتبار التشيّع هوية قومية للدولة، كما فعل الشاه إسماعيل. وبتجديد مركزية مدينة قُم بوصفها القلب الديني للدولة، تمامًا كما رفعها الصفويون في مواجهة بغداد وسائر مراكز العلم السني. وبإحياء صورة “الدولة الشيعية الحامية للمذهب” في مقابل المحيط السني.

إن روح المشروع الصفوي كله تُرى في تفاصيل النظام الخميني الجديد: من التعليم الديني، إلى الإعلام، إلى السياسة الخارجية، إلى هيكلة الجيش والحرس الثوري.

  • ولاية الفقيه: النسخة المطوّرة من “تحالف السلطان والفقيه” الصفوي

أعطى الصفويون للفقيه الشيعي مكانة سياسية غير مسبوقة، إذ جعلوه شريكًا في السلطة ومصدرًا لشرعيتها. وجاء الخميني ليحوّل هذا الامتياز إلى نظام حكم كامل تحت مسمّى “ولاية الفقيه”، حيث يتمتع الولي الفقيه بسلطات مطلقة، روحية وسياسية، في جمع غير مسبوق بين الديني والدنيوي. فهي نفس الفكرة الجوهرية التي بدأها الصفويون، لكن بلباس دستوري حديث.

  • الطقوس العاشورائية: من التعبّد إلى التعبئة السياسية

الصفويون أوّل من نشر اللطم والهيئات والمواكب العاشورائية علنًا. وحوّلوا عاشوراء إلى مناسبة سياسية تعبويّة. وجعلوها وسيلة لتثبيت الهوية المذهبية في المجتمع. والخميني تَمرَّسَ بالرؤية ذاتها، فرفع شعار: “كل ما لدينا من عاشوراء.”

واستخدم الطقوس العاشورائية كوقود للثورة ولتوحيد الشارع خلف مشروعه السياسي، في استنساخ شبه كامل للأسلوب الصفوي.

  1. تصدير الثورة بإعادة إحياء التشييع الخارجي على الطريقة الصفوية

لم تكتفِ الدولة الصفوية بفرض المذهب داخل إيران، بل مدت يدها إلى العراق وأذربيجان وشرق الأناضول والخليج، ونشرت التشيع بالقوة والدعم السياسي والعسكري. وبعد نجاح الثورة الإيرانية، أعلن الخميني مبدأه الشهير: “تصدير الثورة.” والذي ترجمه بدعم المليشيات الشيعية في لبنان والعراق واليمن. وبمحاولة تغيير الهويات الدينية للشعوب. وإذكاء الصراع الطائفي في العالم الإسلامي. والسعي لإقامة “الهلال الشيعي” الذي حذّر علماء السنّة منه منذ الثمانينات.

  • الشعارات المعادية للغرب… والاتفاقيات السرية

رفع الصفويون شعارات “نصرة المذهب” علنًا، لكنهم لم يترددوا في التحالف مع القوى الأجنبية حين تخدم مصالحهم. والخميني لم يخرج عن هذا النهج؛ فعلى الرغم من هتاف: “الموت لأمريكا”
إلا أن الوثائق – ومنها مذكرات وزير الخارجية الأمريكي “سايروس فانس” ووثائق مجلس الأمن القومي الأمريكي 1979م – أظهرت تفاوضًا سريًا بين الخميني وواشنطن قبل عودته من باريس، وتعهدًا بحماية المصالح الأمريكية في إيران.

ولهذا فإن الشعارات شيء… والواقع شيء آخر. والواجهة “الثورية” لم تكن سوى ستار يخفي تفاهمات سياسية صارخة.

إن مشروع الخميني، مشروع واحد بثلاثة أسماء عبر خمسة قرون، إذ عند التدقيق في الجوهر العقدي والسياسي، يتبين بوضوح أن: الصفوية (القرن 10 هـ) ثم التشيع السياسي الحديث (القرن 19–20م) ثم الثورة الخمينية (1979م) ليست مشاريع منفصلة، بل حلقات متصلة في سلسلة واحدة، هدفها: جعل التشيع الإثني عشري هوية دولة. والتوسع خارج الحدود تحت غطاء ديني. وإحداث صراع طائفي مع العالم السني. واستخدام الطقوس الدينية كأداة سياسية. وبناء “إمبراطورية مذهبية” بوسائل العصر.

بهذا يمكن القول إن الثورة الخمينية لم تكن ثورة إسلامية، بل تجديدًا حديثًا لمشروع قديم:
المشروع الصفوي بثوب جمهوري معاصر.

هلاك الخميني

Background


توفي الخميني طبيعيًا في 14 رجب 1410هـ (3 يونيو 1989م) في طهران، عن عمر يناهز 86 عامًا، بعد فترة طويلة من الأمراض المزمنة، أبرزها مشاكل في القلب والرئة والكلى. ه.

كانت جنازة الخميني واحدة من أكثر الجنازات فوضوية وبشاعة في التاريخ، إذ سقط جثمانه ثلاث أو أربع مرات أثناء تشييعه، وتمزق كفنه، وانكشفت بعض عورته أمام وسائل الإعلام. ويذكر أن الخميني نفسه كان قد قال: “إن من سقطت جنازته مرة فهو من أهل النار”، ويوم جنازته سقط جثمانه مرات مما اضطر إلى وضعه بتابوت حديدي مغلق. نعوذ بالله من سوء الخاتمة.

فلسطين في خطاب الخميني: دعوة عقائدية أم ورقة سياسية؟

رفع الخميني منذ بداية ثورته شعار “تحرير القدس” و”الموت لإسرائيل”، وقدم نفسه بصفته قائدًا للمستضعفين ضد الصهيونية. لكن كثيرًا من الباحثين يرون أن القضية الفلسطينية كانت أداة سياسية أكثر منها مشروع تحرير حقيقي.

فعلى الرغم من الشعارات الثورية، لم تنخرط إيران في أي مواجهة عسكرية مباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي، بل كشفت الوثائق لاحقًا استمرار تعاون إيران مع “إسرائيل” خلال الحرب مع العراق عبر صفقة “إيران – كونترا” 1986، حيث زودت تل أبيب طهران بالسلاح مقابل المال، مما يناقض الخطاب الثوري المعلن.

كما لم توجه إيران أي عملية عسكرية مباشرة لتحرير فلسطين، بل اكتفت بدعم جماعات مسلحة بالمال والسلاح في إطار استراتيجية نفوذ إقليمي.

لهذا يرى محللون أن فلسطين تحولت في الخطاب الإيراني إلى رمز تعبوي يخدم مشروعية النظام داخليًا ويمنح طهران ورقة ضغط سياسية في المنطقة ووسيلة استقطاب وتوظيف مخادعة لتمهيد الأرض لتمدد مشروع الخميني الإقليمي الذي يحتاج لشعارات مؤثرة في الجماهير.

خلاصة الثورة الخمينية

لم تكن الثورة الإيرانية وليدة لحظة، بل كانت نتيجة تحالف بين الفكر الشيعي الإمامي والمشروع الغربي الباحث عن إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط. نشأ الخميني في بيئة دينية مشبعة بروح الانتقام التاريخي من الخلفاء الراشدين والأمويين، وقرر في دعوته أفكارًا تعتقد أن الحكومة يجب أن تكون بيد الفقيه المعصوم نائب الإمام الغائب، وأن جميع المسلمين ملزمون بطاعته.

وهكذا وُلد مبدأ “ولاية الفقيه المطلقة” الذي أسس له الخميني، ليكون بديلًا عن الخلافة الإسلامية الراشدة، وبديلاً عن أي نظام يستند إلى الشورى. وهكذا أيضا تمكن من نهب أموال الإيرانيين بحجة ولايته.

كانت إقامة الخميني في ضاحية نوفل لو شاتو قرب باريس نقطة الانطلاق الفعلية لثورته. فهناك بدأت وكالات الأنباء العالمية تبثّ خطبه المترجمة إلى أكثر من عشر لغات، وسُمح له بإدارة اتصالات واسعة مع الداخل الإيراني، وهو ما لم يكن ليحدث دون تواطؤ القوى الغربية التي أرادت إسقاط نظام الشاه الموالي لأمريكا آنذاك بعد أن استُنفدت فائدته.

في جمادى الأولى 1399ه (فبراير 1979م)، عاد الخميني إلى طهران وسط حشود ضخمة، وانهار جيش الشاه بسرعة غريبة، ليُعلن عن قيام “الجمهورية الإسلامية الإيرانية” في أبريل من العام نفسه بعد استفتاء صوري.

رفعت الثورة شعارات براقة مثل: “الاستقلال”، “الحرية”، “الجمهورية الإسلامية”. لكن ما لبثت أن تحوّلت إلى أداة طائفية لتصدير المذهب الشيعي الاثني عشري إلى العالم الإسلامي، تحت غطاء “نصرة المستضعفين”. فقد أُنشئت مؤسسات ضخمة مثل:

• الحرس الثوري الإيراني (الحرس الثوري الإسلامي) عام 1980م، كقوة عقائدية لحماية الثورة.
• مؤسسة المستضعفين التي استولت على أموال التجار والعلماء السنة في الأهواز وبلوشستان.
• مكتب تصدير الثورة الذي أشرف لاحقًا على نشاطات حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن وغيرها.

إن الخميني الذي حرص على إرسال المال والسلاح والدعاة إلى فروعه الإقليمية للتمدد مشروعه،
ورفع شعار “القدس طريقها كربلاء”، لم يطلق رصاصة واحدة ضد الاحتلال الإسرائيلي، بينما أنفق المليارات على الحرب ضد العراق.

لقد كانت ثورة الخميني بعثًا جديدًا للمشروع الصفوي الذي عرفه المسلمون في القرون السابقة بثوبه الطائفي المعادي لأهل السنة.

وكشفت الثورة الإيرانية زيف ادعاءاتها مبكرًا، وأظهرت أن “الجمهورية الإسلامية” لم تكن سوى قناع مذهبي لمشروع سياسي فارسي أراد الانتقام من تاريخ الإسلام وأمته.

وما زالت آثارها تمتد حتى اليوم في الدماء التي سفكت وتسفك في العراق وسوريا واليمن ولبنان، وكلها تحمل توقيع “الثورة الخمينية”.

ماذا قدمت الثورة الخمينية لإيران؟

image 52

منذ اللحظة التي عاد فيها الخميني إلى طهران (عام 1979م)، دخلت إيران مرحلة جديدة من تاريخها، مرحلة رفعت شعارات “الحرية” و“العدالة الإسلامية”، لكنها انتهت بعقد كامل من الانهيار الداخلي، والعزلة الخارجية، والقمع السياسي، وحرب مدمرة استنزفت البشر والاقتصاد.

  • الاقتصاد: من دولة نامية إلى اقتصاد منهار

قبل الثورة، كانت إيران ثاني أكبر منتج للنفط في أوبك، وواحدة من أسرع اقتصادات آسيا نموًّا. لكن بعد عشرة أعوام من حكم الخميني:

  • تراجع الناتج القومي بأكثر من 50٪ بين 1979 و1988.
  • خسرت البلاد ما بين 400–500 مليار دولار بسبب الحرب مع العراق وحدها.
  • ارتفع التضخم فوق 30٪ سنويًا.
  • هربت آلاف الشركات، وانهارت العملة، وتوقفت الاستثمارات.
  • الداخل الإيراني: دولة ثيوقراطية وإعدامات جماعية

تحوّل الحكم من نظام ملكي استبدادي إلى نظام طائفي أشد صرامة:

  • أُغلِقت أكثر من 80 صحيفة خلال أشهر الثورة الأولى
  • أعدم النظام ما بين 4,000 – 10,000 من المعارضين خلال الثمانينيات
  • فرّ ملايين المثقفين والسياسيين إلى الخارج

خرج النظام من عهد الخميني أقوى، لكن خرج الشعب الإيراني أضعف وأفقر وأكثر توجسا.

وهكذا انتهى عقد الخميني، بشعارات كبيرة وواقع مؤلم دفع ثمنه الشعب الإيراني الذي وجدت دعوات العلمانية والإلحاد له مدخلا ومداخلا عديدة.

الخريطة النهائية لحدود إيران عبر العصور إلى اليوم

image 48

تقلّصت خريطة إيران تدريجيًا عبر قرون من التاريخ، خاصة خلال الحقبة القاجارية والإمبراطورية الروسية. ومن أبرز المحطات التي تقلَّصت فيها حدود إيران إلى الحالة المعروفة اليوم:

  • معاهدة غوليستان (1813م)

بعد حرب بين روسيا وإيران، أُجبرت إيران على التنازل عن أراضٍ كبيرة في القوقاز للروس بموجب هذه المعاهدة.

  • معاهدة توركمناشاي (1828م)

بعد هزيمة أخرى أمام روسيا، تنازلت إيران عن كيان خانات (مثل خانة إريفان، نخجوان) في القوقاز لصالح روسيا.

  • معاهدة أكهال-خوراسان (1881م)

معاهدة بين إيران وروسيا التي حدّدت الحدود الشمالية، وأعترفت إيران بخسارة أجزاء من تركمانستان الحديثة.

  • معاهدة قصر شيرين / زهاب (1639م)

هذه المعاهدة بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية ساهمت في تحديد بعض الحدود الغربية لإيران التي أصبحت تقريبًا منحددة كما نراها اليوم في بعض الأجزاء.

وبعد قرون من المعاهدات والتسويات مع روسيا (وازدهار الدول المتنافسة) ارتسمت الحدود تقريبًا كما هي اليوم.

بعد الخميني: التركة الثقيلة

image 55

بعد هلاك الخميني، تولّى خليفته علي خامنئي زمام القيادة، مستمرًا بالنهج الاستبدادي ذاته الذي قامت عليه نظرية ولاية الفقيه. وبقي المشروع الذي أسّسه الخميني يلقي بظلاله الكثيفة على السياسة الإيرانية، من خلال استمرار التوتر الطائفي، ودعم الميليشيات الشيعية في الخارج، وترسيخ شبكة من التحالفات التي تخدم أجندته المذهبية والسياسية.

ولم يكن لهذا المسار المتطرف أن يمرّ بلا تداعيات على الداخل الإيراني؛ إذ تكشف دراسات واستطلاعات متعددة عن تزايد ملموس في الابتعاد عن التدين الرسمي، خاصة في العقود الأخيرة. وقد شهدت إيران موجة واسعة من التحولات الفكرية، اتجهت فيها قطاعات كبيرة من الشباب نحو أشكال من النقد الجذري للمنظومة الدينية الحاكمة، وصولًا إلى ميول علمانية، بل وحتى إلحادية، في ردّ فعل على قبضة السلطة الطائفية وهيمنتها الصلبة على المجتمع والدولة.

وللحديث بقية ..

المراجع:

(إيران)، محمود شاكر

مجموعة من الدراسات الصادرة عن المركز الإسلامي في بلوشستان (باكستان)

إيران والخليج: دراسة في أسس السياسة الإيرانية تجاه الخليج العربي، النفيسي

الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية في الشرق الأوسط، الندوي

القدس بين الوعد الحق والوعد المفترى، فصل “الثورة الإيرانية وخداع الإسلاميين، سفر الحوالي

الشيعة والسنة، إحسان إلهي ظهير,

وثائق وزارة الخارجية الأمريكية (1978–1980).

تقارير هيومن رايتس ووتش حول الأقليات السنية في إيران.

وثائق صحيفة “لوموند” الفرنسية 1978–1979 حول إقامة الخميني في نوفل لوشاتو.

وثائق وكالة المخابرات الأمريكية المنشورة حول فضيحة إيران–كونترا.

الحرب العراقية الإيرانية عبد الحليم أبو غزاله.

بحث شامل في الصحف والتقارير الإعلامية.

بحث شامل في مواقع الإفتاء السنية.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x