بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.
الإسلام في أفغانستان: من الغزو الروسي إلى سقوط الاتحاد السوفيتي وصعود طالبان
في أواخر محرم 1400هـ الموافق أواخر ديسمبر/كانون الأول 1979م، دخلت القوات السوفييتية إلى أفغانستان في خطوة بدت آنذاك امتدادًا طبيعيًا لصراع النفوذ بين القوتين العظميين في الحرب الباردة، لكنها سرعان ما تحولت إلى واحدة من أكثر الحروب استنزافًا في تاريخ الاتحاد السوفييتي. فقد وجد الجيش الأحمر نفسه في مواجهة بيئة جغرافية قاسية، ومجتمع متماسك، وحرب عصابات طويلة النفس لم يكن مستعدًا لها.
ومن رحم هذا التدخل العسكري نشأت مرحلة مفصلية عُرفت بـالحرب السوفيتية في أفغانستان، حيث تشكلت مقاومة أفغانية واسعة ضمت أطيافًا متعددة من المجاهدين والثوار، مدعومة بتعاطف إقليمي ودولي متنامٍ. لم تكن المعركة مجرد صدام عسكري، بل تحولت تدريجيًا إلى ساحة اختبار لإرادات سياسية وأيديولوجية كبرى، انعكست آثارها على مستقبل المنطقة والنظام الدولي بأسره.
وفي إطار الإحاطة بتاريخ الإسلام في أفغانستان، نتناول فيما يلي مسار الجهاد الأفغاني ضد السوفييت، منذ لحظة الغزو الأولى إلى تآكل المشروع السوفييتي وانسحابه، وصولًا إلى التداعيات التي مهّدت لاحقًا لسقوط الاتحاد السوفييتي نفسه عام 1412هـ / 1991م، وكيف تحولت أفغانستان إلى نقطة تحول في تاريخ القرن العشرين.
طبيعة العمليات العسكرية السوفييتية
بعد دخول القوات السوفييتية إلى أفغانستان، بدأ الجيش الأحمر تنفيذ عملية عسكرية واسعة هدفت إلى تثبيت الحكومة الموالية له في كابل وإخماد المقاومة المتصاعدة. غير أن طبيعة الحرب سرعان ما تحولت من تدخل محدود إلى صراع طويل الأمد، اتسم بالعنف الشديد وتدهور الأوضاع الإنسانية بشكل كبير.
اعتمد الجيش السوفييتي على القوة النارية الكثيفة، بما في ذلك القصف الجوي والمدفعي المكثف، إضافة إلى عمليات تمشيط واسعة للقرى والمناطق الجبلية التي اشتبه بأنها تؤوي مقاتلي المقاومة والجهاد. كما استخدمت القوات السوفييتية سياسة “الأرض المحروقة” عبر تدمير البنية التحتية الزراعية ومصادر المياه ووسائل الإعاشة، بهدف قطع الإمداد عن المقاتلين المحليين.
وقد أدى ذلك إلى نزوح واسع للسكان المدنيين نحو باكستان وإيران، حيث تحولت أفغانستان خلال سنوات قليلة إلى واحدة من أكبر أزمات اللاجئين في العالم آنذاك.
أساليب الحرب وتأثيرها على المدنيين
اتسمت العمليات العسكرية بعدم التمييز في كثير من الحالات بين المقاتلين والمدنيين، خصوصًا في القرى النائية. القصف العشوائي، وزرع الألغام الأرضية في مناطق مأهولة أو زراعية، كان من أبرز السمات التي خلّفت آثارًا طويلة الأمد حتى بعد انسحاب القوات السوفييتية.
كما استخدمت القوات الخاصة السوفييتية (سبتسناز) أساليب مطاردة للمجاهدين داخل التضاريس الجبلية، وهو ما أدى إلى اشتباكات متكررة داخل المناطق السكنية أو القريبة منها، مما زاد من حجم الخسائر البشرية.
الجرائم والانتهاكات السوفيتية
تتضمن الأدبيات التاريخية والحقوقية انتهاكات جسيمة ارتكبتها القوات السوفييتية وحلفائها الأفغان، ومنها:
القصف المكثف للقرى والمناطق المدنية بحجة وجود مقاتلين فيها.
التهجير القسري للسكان في المناطق التي شهدت عمليات عسكرية.
استخدام الألغام الأرضية على نطاق واسع، بما في ذلك ألغام يصعب تمييزها وتسببت في ضحايا مدنيين بعد سنوات من زرعها.
الاعتقالات الواسعة والتعذيب الوحشي في مراكز التحقيق التابعة للحكومة المدعومة سوفييتياً.
ومع ذلك، بررت الرواية السوفييتية الرسمية آنذاك هذه العمليات بأنها كانت ضمن “مكافحة تمرد مسلح” في إطار دعم حكومة حليفة.
وفي حقيقتها أدت هذه الحرب إلى استنزاف كبير للاتحاد السوفييتي، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي، كما ساهمت في تعميق العداء الشعبي ضد وجوده في أفغانستان. وفي المقابل، أسهمت المقاومة الأفغانية في تحويل الحرب إلى مستنقع طويل، كان له أثر مباشر في تسريع تآكل المشروع السوفييتي في سنواته الأخيرة.
وبذلك لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت حدثًا مفصليًا أعاد تشكيل توازنات المنطقة، وترك آثارًا إنسانية وجغرافية وسياسية ما زالت ممتدة حتى اليوم.
Soviet derelick vehicles, Zil-130 (left) and a MAZ-200, near fighting positions manned by Marines with Kilo Company, Battalion Landing Team 3/6, 26th Marine Expeditionary Unit (Special Operations Capable) at Kandahar International Airport, Kandahar, Afghanistan, during OPERATION ENDURING FREEDOM.
ارتفاع أعداد النازحين واللاجئين
أدّت الحرب السوفييتية في أفغانستان إلى واحدة من أكبر موجات اللجوء في العالم خلال القرن العشرين. ووفق تقارير رسمية لشؤون اللاجئين ودراسات تاريخية معتمدة، فقد تجاوز عدد اللاجئين الأفغان في ذروة الحرب منتصف الثمانينيات ما بين 5 إلى 6 ملايين لاجئ أفغاني.
توجهت الغالبية العظمى منهم إلى باكستان وإيران، حيث تشكلت مخيمات لجوء ضخمة استمرت لسنوات طويلة، خصوصًا في مناطق الحدود الباكستانية مثل بيشاور وبلوشستان، وكذلك في خراسان وكرمان في إيران. وقد تميزت هذه الموجة بأنها لم تكن نزوحًا مؤقتًا، بل تحولت إلى حالة لجوء ممتدة أعادت تشكيل البنية الاجتماعية للأفغان في الشتات، وأثرت لاحقًا في التركيبة الديموغرافية والسياسية للمنطقة.
وتشير الدراسات إلى أن أسباب هذا النزوح لم تكن القتال فقط، بل أيضًا سياسات القصف الواسع، وتدمير القرى، وانهيار الاقتصاد الريفي، إضافة إلى الخوف من الاعتقالات والتجنيد القسري. وبذلك أصبحت قضية اللاجئين الأفغان واحدة من أبرز النتائج الإنسانية للحرب، وأكثرها استمرارًا حتى ما بعد انسحاب القوات السوفييتية من أفغانستان عام 1989م (1409هـ)، بل وحتى بعد تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991م (1411هـ).
نشأة الأحزاب المحاربة للاحتلال
مع تصاعد الحرب السوفيتية في أفغانستان، بدأت تتبلور داخل الساحة الأفغانية حركة مقاومة وجهاد منظمة لم تكن مجرد تجمعات عفوية، بل تحولت تدريجيًا إلى كيانات سياسية وعسكرية ذات خطاب وأيديولوجيا واضحة. وقد نشأت هذه الأحزاب في سياق تداخل عوامل متعددة: انهيار السلطة المركزية في كابل، واتساع الاحتلال العسكري، ووجود نخبة دعوية وعلمية أفغانية كانت قد تشكلت في الجامعات والمعاهد الدينية داخل أفغانستان وخارجها، خصوصًا في باكستان.
تذكر المصادر العربية والإسلامية المعاصرة، مثل كتابات الشيخ عبد الله عزام، إضافة إلى الدراسات التي وثّقت التجربة الجهادية في أدبيات الحركة الإسلامية، أن أبرز هذه الأحزاب تمثلت في “حزب الجماعة الإسلامية” بزعامة برهان الدين رباني، و“الحزب الإسلامي” بزعامة قلب الدين حكمتيار، إضافة إلى “الاتحاد الإسلامي” بزعامة عبد رب الرسول سياف، وغيرها من التشكيلات التي تركزت في بيشاور تحت مظلة الدعم الباكستاني وتنسيق بعض الجهات الإقليمية.
وقد اعتمدت هذه الأحزاب في نشأتها على خلفية فكرية تجمع بين المدرسة السلفية الإصلاحية والتيارات الإسلامية الحركية، مع اختلاف في الرؤى السياسية وأساليب العمل العسكري. وتشير مصادر مثل مذكرات قادة الجهاد الأفغاني والدراسات العربية حول “الجهاد الأفغاني” إلى أن هذه التنظيمات لم تكن موحدة بالكامل، بل اتسمت بتعدد المرجعيات وتباين الأولويات، ما بين التركيز على العمل العسكري المباشر، أو بناء مشروع سياسي إسلامي مستقبلي.
كما لعبت البيئة الباكستانية، خصوصًا في مناطق الحدود، دورًا حاسمًا في احتضان هذه الأحزاب وتنظيم علاقاتها مع الدعم الخارجي، حيث تحولت مدينة بيشاور إلى مركز ثقل سياسي وعسكري وإعلامي للمقاومة الأفغانية. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الأحزاب هي الإطار الرئيسي الذي نُظمت من خلاله عمليات المقاومة ضد القوات السوفييتية والحكومة المدعومة منها في كابل، مما جعلها عنصرًا مركزيًا في فهم بنية الحركة الجهادية الأفغانية خلال تلك المرحلة.
قيادات المرحلة
برزت خلال هذه المرحلة مجموعة من القادة الذين شكّلوا العمود الفقري للمقاومة الأفغانية، وتنوّعت خلفياتهم بين العلماء والدعاة والزعماء الميدانيين، مما منح حركة جهاد الاحتلالا طابعًا متعدد القيادة ومتنوع المرجعيات. وقد ساهم هذا التنوع في تشكيل تجربة معقدة امتزج فيها البعد العسكري بالبعد السياسي والعقدي.
وفي الجانب الأفغاني المحلي برز قادة ميدانيون وسياسيون مثل برهان الدين رباني وقلب الدين حكمتيار وأحمد شاه مسعود، الذين مثلوا اتجاهات مختلفة داخل حركة المقاومة الأفغانية. فقد قاد أحمد شاه مسعود عمليات عسكرية بارزة في وادي بنجشير، واشتهر بقدرته التنظيمية والعسكرية في حرب العصابات ضد القوات السوفييتية، بينما قاد حكمتيار جناحًا أكثر صدامية ركّز على المواجهة المباشرة، في حين مثّل رباني توجهًا سياسيًا يسعى لبناء إطار حكومي مستقبلي بعد انتهاء الحرب.
ومن أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بتلك المرحلة الشيخ الفلسطيني، عبد الله عزام، الذي يُعد من أهم منظّري فكرة “الجهاد العالمي” في تلك الفترة، حيث لعب دورًا محوريًا في تعبئة الدعم الفكري والمالي للمجاهدين، وربط القضية الأفغانية بالعالم الإسلامي الأوسع، عبر خطبه وكتاباته وشبكة علاقاته الواسعة. وقد تحول وجوده في بيشاور إلى نقطة التقاء للمتطوعين والداعمين من مختلف البلدان.
كما برزت شخصيات علمية ودعوية داخل المقاومة، كان لها دور في التعبئة الشعبية وبناء الشرعية الدينية للحرب، مستندة إلى خطاب “الدفاع عن الأرض والعقيدة” في مواجهة الاحتلال. وقد أسهمت هذه القيادات مجتمعة في تحويل المقاومة الأفغانية إلى حركة جهاد واسعة النطاق، لم تكن مجرد مجموعات مسلحة، بل شبكة معقدة من القيادة السياسية والعسكرية والدينية.
ومع ذلك، فإن تعدد القادة وتنوع المشاريع السياسية أدى لاحقًا إلى ظهور خلافات داخلية، لكنها في تلك المرحلة تحديدًا كانت جزءًا من بنية المقاومة التي واجهت أحد أكبر الجيوش في العالم آنذاك، وأسهمت في النهاية في إنهاك المشروع السوفييتي داخل أفغانستان.
الدعم العربي والإسلامي
لم تكن المقاومة الأفغانية حدثًا محليًا محصورًا داخل حدود الجغرافيا الأفغانية فحسب، بل تحولت تدريجيًا إلى قضية حاضرة في الوعي الإسلامي العام، ما فتح الباب أمام أشكال متعددة من الدعم العربي والإسلامي، امتزج فيها البعد الإنساني بالدافع الديني والسياسي.
وبرز في هذا السياق دور واسع للعلماء والدعاة والمؤسسات الخيرية في العالم الإسلامي، الذين نظروا إلى الحرب باعتبارها مواجهة بين شعب مسلم وقوة عسكرية أجنبية. وقد ساهمت شخصيات دعوية بارزة في تعبئة الرأي العام الإسلامي، من خلال خطاب يربط بين مفهوم النصرة الشرعية وبين دعم الشعب الأفغاني، الأمر الذي أدى إلى تدفق متزايد للتبرعات والمواد الإغاثية والمتطوعين من عدة دول عربية وإسلامية.
كما لعبت شبكات العمل الخيري والإغاثي في دول الخليج العربي وباكستان وأجزاء من العالم الإسلامي دورًا مهمًا في تمويل المخيمات وتقديم الدعم اللوجستي للاجئين والمقاتلين، حيث تحولت بعض هذه المؤسسات إلى قنوات رئيسية لجمع الأموال وتوزيعها على مراكز التدريب والإيواء في مناطق الحدود. وفي الوقت نفسه، أسهمت حملات إعلامية ودعوية في المساجد والمراكز الإسلامية في رفع مستوى الوعي بالقضية الأفغانية، ما جعلها من أبرز قضايا التضامن الإسلامي في تلك المرحلة.
ولم يقتصر الدعم على الجانب المالي أو الإغاثي، بل شمل أيضًا تدفق متطوعين من بلدان عربية وإسلامية مختلفة، جاءوا بدافع المشاركة في القتال أو تقديم الدعم الميداني، ضمن بيئة تنظيمية تشكلت أساسًا في مناطق مثل بيشاور، حيث التقت فيها شبكات الدعم المختلفة مع قيادات المقاومة الأفغانية.
وقد أسهم هذا الدعم في تعزيز صمود المقاومة الأفغانية أمام التفوق العسكري السوفييتي، لكنه في الوقت نفسه أوجد بيئة معقدة متعددة الأطراف، جمعت بين البعد الشعبي الواسع والتجاذبات السياسية والتنظيمية. ومع نهاية الحرب وانسحاب القوات السوفييتية، بقي هذا الإرث من الدعم العربي والإسلامي أحد العناصر المؤثرة في فهم تطورات ما بعد الحرب داخل أفغانستان والمنطقة عمومًا.
ومن أبرز الشخصيات الإسلامية الجهادية العالمية التي كانت حاضرة في تلك الحقبة، الشيخ أسامة بن لادن والذي برز دوره خلال أواخر فترة الحرب السوفيتية في أفغانستان، حيث لعب دورًا محوريا في إطار الدعم والتمويل وبناء شبكات الإسناد.
وكان قد وصل إلى المنطقة عبر باكستان، واستقر في مناطق قريبة من الحدود الأفغانية، وشارك في تنظيم الجهود اللوجستية، مثل دعم طرق الإمداد، وتمويل الأنشطة المرتبطة بالمجاهدين، إلى جانب المساهمة في إنشاء معسكرات تدريب واستضافة للمتطوعين القادمين من خارج أفغانستان.
وارتبط اسمه بمسار “الدعم العربي” أو “دعم المجاهدين العرب” في مكتب الخدمات الذي يشرف عليه الشيخ عبد الله عزام، والذي تبلور في بيشاور ومناطق الحدود الباكستانية، بالتوازي مع نشاط شخصيات دعوية وإغاثية أخرى.
واشتهرثناء عبد الله عزام على أسامة بن لادن، حيث كان يعدّه من النماذج الملهمة للشباب المسلم في البذل والتضحية، وقد جمعتهما علاقة عمل وثيقة في مشاركتهما بتأسيس “مكتب الخدمات” خلال ثمانينيات القرن العشرين، بهدف دعم وتنظيم شؤون المتطوعين العرب في أفغانستان.
ومع نهاية الحرب وانسحاب القوات السوفييتية عام عام 1989م (1409هـ)، بقي بن لادن ضمن دائرة الشخصيات التي واصلت النشاط في المنطقة، لكن مرحلة أفغانستان بالنسبة له كما بالنسبة للعديد من قادة الجهاد المرافقين له، كانت تمثل نقطة تحول مبكرة في مسارهم اللاحق، الذي اتخذ طابعًا مختلفًا في التسعينيات وما بعدها.
صراع الرأسمالية والشيوعية
لقد شكل دخول القوات السوفيتية إلى أفغانستان في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات صراعاً بين القطبين (المعسكر الرأسمالي بقيادة أمريكا والمعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي). ولكسب العالم الإسلامي في هذا الصراع، لقيت فكرة “الجهاد” ترحيبا كبيرًا ودعمُا وقدمت لها التسهيلات.
وانخرطت الدول العربية في مقدمتها السعودية ودول الخليج بشكل رسمي وكبير في دعم الحرب بأفغانستان؛ حيث تولت مسؤولية التمويل والتحريض، وأُنشئت لجنة عليا لجمع التبرعات عبر المساجد ووسائل الإعلام. وحتى على الصعيد الرياضي، فرضت المملكة زيادة “ريال واحد” على تذاكر المباريات لدعم المجاهدين.
ورافق هذا الدعم دعما سياسيا غربيا وأمريكيا واسعا في تلك الحقبة؛ حيث أشاد قادة مثل الرئيس الأمريكي رونالد ريغان ومستشار الأمن القومي زبيغنيو بريجينسكي بالمجاهدين ووصفوهم بـ “جند الله” لكونهم يواجهون الاتحاد السوفيتي “إمبراطورية الشر”.
لكن أمريكا والغرب لم يكونوا على علم بما سيوُلد من رحم تلك التجربة من فكرٌ جهادي جديد يرى المعركة أوسع من حدود أفغانستان، مما أدى إلى ظهور تنظيم “القاعدة” وما عُرف تاريخياً بـ “الأفغان العرب” الذين ضاقت بهم أوطانهم لاحقاً.
دور باكستان وأمريكا
لعبت كل من باكستان والولايات المتحدة دورًا محوريًا في تشكيل مسار الحرب، سواء من حيث الدعم السياسي أو العسكري أو الاستخباراتي، مما جعل الصراع يتجاوز حدوده المحلية ليصبح جزءًا من توازنات الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي.
ومثّلت باكستان العمق الجغرافي والسياسي الأهم للمقاومة الأفغانية، إذ استضافت أراضيها ملايين اللاجئين، واحتضنت في مدنها الحدودية مثل بيشاور وكويتا مراكز القيادة والتنظيم الخاصة بالمجاهدين. وقد اضطلعت أجهزة الأمن والاستخبارات الباكستانية، وفي مقدمتها جهاز الاستخبارات الباكستاني (ISI)، بمهمة تنسيق الدعم اللوجستي والإشراف على توزيع المساعدات العسكرية الواردة من الخارج إلى فصائل المجاهدين الأفغان، إضافة إلى الإشراف على تدريب وتسليح الفصائل المختلفة.
كما لعبت باكستان دور الوسيط الأساسي بين الفصائل الأفغانية والداعمين الدوليين، وهو ما منحها تأثيرًا مباشرًا على توازنات القوة داخل المعارضة الأفغانية. وفي المقابل، واجهت باكستان تحديات أمنية وسياسية كبيرة نتيجة امتداد الحرب إلى حدودها، وتدفق اللاجئين، وتنامي النشاط المسلح في المناطق القبلية.
أما الولايات المتحدة، فقد رأت في الحرب فرصة استراتيجية لاستنزاف الاتحاد السوفييتي، ضمن سياق المنافسة العالمية في الحرب الباردة. ومن خلال وكالة الاستخبارات المركزية، أطلقت برنامج دعم واسع عُرف بعملية “الإعصار” (Operation Cyclone)، والذي يُعد من أكبر برامج الدعم السري في تاريخها الحديث.
شمل هذا الدعم تمويلًا ماليًا كبيرًا، وتزويدًا بالأسلحة، وتدريبًا عبر وسطاء إقليميين، خاصة باكستان. وقد ساهم هذا الدعم في تعزيز قدرات المقاومة الأفغانية، خصوصًا في مجال الحرب غير النظامية، وصواريخ الدفاع الجوي المحمولة، التي غيّرت توازن المواجهة مع الطيران السوفييتي وصنعت الفارق في موازين القوى.
لم يكن الدور الباكستاني والأمريكي منفصلين، بل كانا مترابطين عبر شبكة من التعاون الاستخباراتي والسياسي، جعلت من الأراضي الباكستانية نقطة ارتكاز رئيسية لإدارة الحرب. وقد أسهم هذا التداخل في إطالة أمد الصراع من جهة، وفي رفع كلفة التدخل السوفييتي إلى مستويات كبيرة من جهة أخرى.
وفي المحصلة، شكل هذا الدعم الخارجي أحد العوامل الحاسمة التي ساعدت في إنهاك القوات السوفييتية، ومهدت لانسحابها لاحقًا، لكنه في الوقت نفسه أرسى تعقيدات سياسية وأمنية ستنعكس آثارها على المنطقة في العقود التالية.
المعارك الكبرى
لم تكن الحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفييتي (1399-1409هـ / 1979-1989م) مجرد سلسلة من الاشتباكات المتفرقة، بل شهدت عددًا من المعارك والعمليات العسكرية الكبرى التي شكّلت نقاط تحول مهمة في مسار الصراع، وأظهرت طبيعة المواجهة غير المتكافئة بين جيش نظامي يمتلك التفوق الجوي والتقني وبين مقاومة تعتمد على حرب العصابات والتضاريس الجبلية والدعم الشعبي المحلي.
معارك وادي بنجشير
تُعد حملات وادي بنجشير من أشهر وأهم المواجهات خلال الحرب. فقد شنّت القوات السوفييتية والقوات الحكومية الأفغانية عدة عمليات واسعة النطاق ضد الوادي الذي كان يُعد أحد أهم معاقل المقاومة بقيادة أحمد شاه مسعود. استخدمت القوات السوفييتية القصف الجوي المكثف والإنزال المظلي والقوات المدرعة في محاولات متكررة لإخضاع المنطقة، إلا أن الطبيعة الجبلية الوعرة للوادي، إلى جانب تكتيكات الكر والفر التي اعتمدها المقاتلون، حوّلت تلك الحملات إلى حرب استنزاف طويلة. وبرغم تكرار الهجمات، لم تتمكن القوات السوفييتية من فرض سيطرة دائمة على الوادي، الذي بقي رمزًا لصمود المقاومة طوال سنوات الحرب.
معركة جاجي (ملحمة مأسدة الأنصار)
وقعت معركة جاجي في أواخر عام 1407هـ/1987م في إقليم باكتيا شرقي أفغانستان، وتُعد من أبرز المعارك التي شارك فيها المقاتلون العرب إلى جانب الفصائل الأفغانية. شهدت المنطقة هجمات مكثفة من القوات السوفييتية والقوات الخاصة المحمولة جوًا، إلا أن المجاهدين تمكنوا من الصمود وإلحاق خسائر كبيرة بالقوات المهاجمة. وقد اكتسبت المعركة شهرة واسعة في الأوساط الجهادية آنذاك، وبرز خلالها عدد من الشخصيات العربية التي كانت حاضرة في الساحة الأفغانية، من أشهرهم عبد الله عزام وأسامة بن لادن، كما شارك فيها مقاتلون عرب قدموا من بلدان متعددة ضمن ما عُرف آنذاك بظاهرة “الأفغان العرب”. وقد أسهمت الكتابات والمذكرات والشهادات الصادرة عن المشاركين في منح المعركة حضورًا بارزًا في الذاكرة التاريخية للحرب الأفغانية.
وأنقل هنا قصة مأسدة الأنصار كما يرويها أميرها أسامة بن لادن في محطات متفرقة، حيث قال ضمن حديث طويل تتناقله المراجع الجهادية بشأن تلك الحقبة: “الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين … أما بعد، فمن باب الحديث بالنعمة التي منَّ الله سبحانه وتعالى علينا .. وتحريضاً للمؤمنين على هذا الأمر العظيم .. فمن فضله سبحانه وتعالى أنه في عام 1399هـ سمعنا أن الروس قد دخلوا إلى بلاد المسلمين في أفغانستان .. وذهبت في تلك الفترة إلى باكستان من أجل نصرة إخواننا المسلمين في أفغانستان .. واستمر ذهابي إلى باكستان إلى أن منَّ الله عليّ ودخلت أفغانستان .. وكان وضع المجاهدين ضعيفاً في العدو والعدة. . خاصة مستلزمات القتال وشعرت بأننا مقصرين في حق إخواننا الأفغان إذا لم نقم بكامل واجبنا نحوهم .. وإن أفضل ما يكفر عن هذا التقصير أن يقتل الفرد وهو يجاهد في سبيل الله”.
ويقول الناقل: سألت الشيخ أسامة عن بداية تكوين المأسدة فقال: “لاحظت اهتمام الأفغان وسرورهم بوجود العرب بينهم. وكان الوجود العربي يزيد الأفغان قوة وإيماناً وترتفع معنوياتهم ارتفاعاً كبيراً .. وكان من شدة محبة الأفغان للعرب أنهم كانوا يعاملونهم كضيوف .. فلم يكلفوا العرب بأي مهام عسكرية وقتالية وكان الشباب العربي يتأذى من ذلك لأنهم يريدون العمل كمجاهدين .. ولهذا فكرت في إنشاء مكان لاستقبال الإخوة العرب لإعدادهم للقتال. واستأذنت من أمير الاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان عام 1404 هجرية (1984ميلادية) في إنشاء معسكر في منطقة قريبة من الحدود حتى يتدرب الإخوة، وقد بلغ عدد الإخوة الذين انضموا للمعسكر في ذلك الوقت حوالي مائة أخ وكان هذا العدد قليل لأن الشباب العربي تربى في بلاده على حياة بعيدة عن العزة الحقيقة بالجهاد والذود عن الدين .. وكان كثير من الشباب يعتبر الجهاد نافلة من النوافل وأمر مندوب ..
كان كذلك في الصيف وعندما انتهى الصيف وبدأت الدراسة إذا بأكثر الإخوة الذين كانوا معنا انصرفوا عائدين إلى اوطانهم يراجعون دراستهم رغم أن الذين حضروا من خير الأخوة .. ولم يبق إلا عدد قليل جداً .. دون العشرة أفراد .. منَّ الله علينا ووجدنا معسكراً في جاجي داخل أفغانستان”.
معركة أرغنداب
في عام 1407هـ/1987م شنّ الجيش السوفييتي عملية عسكرية كبيرة في منطقة أرغنداب التابعة لولاية قندهار، بهدف القضاء على مراكز المقاومة وتأمين المناطق المحيطة بالمدينة. استمرت العمليات عدة أسابيع وشهدت استخدامًا مكثفًا للقوات المدرعة والطيران، إلا أن المقاومة تمكنت من امتصاص الهجوم ومواصلة عملياتها، لتنتهي الحملة دون تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي سعت إليها القيادة السوفييتية.
معركة جلال آباد
تُعد معركة جلال آباد (1409هـ/1989م) من أبرز معارك المرحلة الختامية للحرب وما بعدها، إذ وقعت عقب بدء انسحاب القوات السوفييتية من أفغانستان. حاولت فصائل المجاهدين السيطرة على المدينة الاستراتيجية التي كانت تمثل أحد أهم معاقل حكومة كابول المدعومة من موسكو. ورغم أن المعركة لم تنتهِ بسقوط المدينة آنذاك، فإنها كشفت حجم اعتماد الحكومة الأفغانية على الدعم السوفييتي، وأظهرت أن الصراع لم ينتهِ بانسحاب الجيش الأحمر، بل استمر حتى ما بعد الانسحاب السوفييتي عام 1409هـ/1989م، بل وحتى بعد تفكك الاتحاد السوفييتي نفسه عام 1411هـ/1991م.
عمليات الطرق الحيوية وخطوط الإمداد
إلى جانب المعارك الكبرى، خاضت فصائل المقاومة مئات العمليات على الطرق الاستراتيجية وخطوط الإمداد التي كانت تمثل شريان الحركة للقوات السوفييتية. وكان طريق سالانغ، الذي يربط شمال أفغانستان بجنوبها، من أهم أهداف تلك العمليات. واعتمد المجاهدون على الكمائن وزرع الألغام واستهداف القوافل العسكرية ومخازن الوقود والإمداد، مما ألحق خسائر مستمرة بالقوات السوفييتية وأجبرها على تخصيص أعداد كبيرة من الجنود لحماية طرق النقل بدلاً من تنفيذ العمليات الهجومية.
وقد أسهمت هذه المعارك والعمليات مجتمعة في استنزاف القوات السوفييتية على مدى عقد كامل، وشكّلت أحد العوامل الرئيسة التي دفعت القيادة السوفييتية إلى اتخاذ قرار الانسحاب النهائي من أفغانستان سنة 1409هـ/1989م، بعد حرب استمرت قرابة عشر سنوات وخلفت آثارًا عسكرية وسياسية عميقة امتدت إلى ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1411هـ/1991م.
شهادات من الميدان
تشير مذكرات عدد من قادة المقاومة والمشاركين في الحرب الأفغانية، فضلًا عن الشهادات الميدانية التي دوّنها مقاتلون أفغان وعرب، إلى أن طبيعة الحرب لم تكن مواجهة جيوش بقدر ما كانت مواجهة إرادات، وأن طبيعة الصراع اعتمدت بدرجة كبيرة على حرب العصابات واستثمار التضاريس الجبلية الوعرة. وتؤكد هذه الروايات أن عنصر المفاجأة والاعتماد على شبكات الدعم المحلية كانا من أهم عوامل صمود المقاومة في مواجهة التفوق العسكري السوفييتي، كما لعب التماسك بين المجموعات المقاتلة والقدرة على التكيف مع الظروف الميدانية دورًا بارزًا في استمرار القتال طوال سنوات الحرب.
وأشارت العديد من الشهادات إلى أن كثيرًا من المعارك لم تكن تُحسم بالتفوق العسكري، بل بثبات المجاهدين وطول النفس في مواجهة آلة عسكرية ضخمة، وهو توصيف يعكس طبيعة الحرب غير التقليدية التي ميزت تلك المرحلة.
لقد أظهرت المعارك الكبرى في أفغانستان أن التفوق العسكري التقليدي لا يضمن الحسم في حروب الجبال والاستنزاف، حيث لعبت الجغرافيا، والتنظيم المحلي، والدعم الشعبي دورًا يفوق في تأثيره أحيانًا حجم السلاح المستخدم. ومع تراكم هذه المواجهات، بدأت ملامح الإنهاك تظهر على القوات السوفييتية، تمهيدًا للانسحاب النهائي من أفغانستان.
اتفاقيات جنيف وانسحاب الاتحاد السوفيتي
وهكذا أثار الغزو السوفيتي لأفغانستان مقاومة شعبية واسعة، وتوحدت فصائل المجاهدين في مواجهة الاحتلال والحكومة التابعة له. وعلى الرغم من التفوق العسكري الهائل للاتحاد السوفيتي، فإن المقاومة استمرت واتسعت رقعتها، وتكبدت القوات السوفيتية خسائر متزايدة، بينما تدفق ملايين اللاجئين إلى باكستان وإيران هرباً من الحرب والقمع.
محمد نجيب الله
ومع طول أمد الصراع وفشل الجيش السوفيتي في القضاء على المقاومة، بدأت موسكو تبحث عن مخرج سياسي. فاستبدلت بابرك كارمل بنجيب الله، الذي حاول توسيع قاعدة النظام عبر شعارات «المصالحة الوطنية» وإجراء تعديلات دستورية وتشكيل مؤسسات سياسية جديدة، إلا أن هذه الإجراءات لم تنجح في إنهاء الحرب أو كسب ثقة المجاهدين.
ومع استمرار الحرب وتزايد خسائر الاتحاد السوفيتي العسكرية والاقتصادية، وتنامي قوة المقاومة الأفغانية واتساع التأييد الإسلامي والدولي لها، أصبحت موسكو تدرك أن الحسم العسكري بات أمراً بعيد المنال. لذلك اتجهت نحو البحث عن مخرج سياسي يحفظ لها ما أمكن من نفوذها ويؤمن انسحاب قواتها من المستنقع الأفغاني.
وفي هذا السياق جرت مفاوضات طويلة برعاية الأمم المتحدة بين أفغانستان وباكستان، استمرت سنوات عدة، وانتهت بتوقيع اتفاقيات جنيف في 26 شعبان 1408هـ الموافق 14 أبريل 1988م، والتي جرت بين أفغانستان وباكستان بضمانة أمريكية وسوفيتية، ونصت على انسحاب القوات السوفيتية من البلاد.
وبالفعل اكتمل الانسحاب العسكري في 7 رجب 1409هـ الموافق 15 فبراير 1989م. بعد حرب استمرت نحو عشر سنوات، خلّفت مئات الآلاف من القتلى والجرحى وملايين اللاجئين، وأصبحت واحدة من أبرز المحطات في تاريخ المقاومة الإسلامية المعاصرة، ومقدمة لانهيار النفوذ السوفيتي في أفغانستان ثم انهيار الاتحاد السوفيتي نفسه بعد سنوات قليلة.
وقد تضمنت الاتفاقيات مبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية بين الدولتين، وتنظيم عودة اللاجئين الأفغان من باكستان، ووضع الترتيبات السياسية والأمنية اللازمة لإنهاء مرحلة التدخل العسكري المباشر.
وكان البند الأهم في تلك الاتفاقيات هو التزام الاتحاد السوفيتي بسحب قواته من أفغانستان وفق جدول زمني محدد.
وخلال سنوات الحرب تحمّل الشعب الأفغاني أثماناً باهظة؛ فقد سقط مئات الآلاف من القتلى والجرحى، وهاجر ملايين الأفغان إلى باكستان وإيران، ودُمرت قرى ومدن واسعة، وتعرض المجتمع الأفغاني لاستنزاف هائل في موارده البشرية والاقتصادية. ومع ذلك لم تنجح القوة السوفيتية في كسر إرادة المقاومة أو إخضاع البلاد بصورة كاملة.
بنود الاتفاقية الأساسية
تضمنت الاتفاقيات عدة محاور رئيسية، كان أبرزها:
انسحاب القوات السوفييتية بالكامل من أفغانستان خلال فترة زمنية محددة انتهت في فبراير/شباط 1989م، الموافق رجب 1409هـ.
التزام باكستان وأفغانستان بعدم التدخل في شؤون كل منهما الداخلية.
ضمان ترتيبات عودة اللاجئين الأفغان بشكل طوعي وآمن.
وقف الدعم العسكري الخارجي للأطراف المتحاربة، رغم أن هذا البند ظل محل جدل في التطبيق العملي.
وقد كان دور وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ضمنيًا في سياق المفاوضات، إذ استمر الدعم غير المباشر للمقاومة عبر باكستان حتى المراحل الأخيرة، بينما كانت موسكو تسعى إلى إنهاء تدخلها بأقل خسائر سياسية ممكنة.
ورغم محدودية نجاحه في تحقيق السلام الداخلي، يُعد اتفاق جنيف نقطة فاصلة أنهت مرحلة التدخل العسكري المباشر، ومهّدت لتحولات كبرى في النظام الدولي، خاصة مع اقتراب تفكك الاتحاد السوفييتي. كما بقي الاتفاق مرجعًا مهمًا في دراسة إدارة الحروب بالوكالة وتسويات النزاعات في سياق الحرب الباردة.
سياسة الحكم الشيوعي ومحاولات البقاء
على الرغم من انسحاب القوات السوفيتية من أفغانستان، فإن النظام الشيوعي بقي قائماً بفضل الدعم الروسي السياسي والعسكري والاقتصادي، واستمر اعتماده على الخبراء والسلاح والمعلومات الاستخباراتية القادمة من موسكو. وكان الرئيس نجيب الله يدرك أن نظامه يعاني عزلة شعبية خانقة، وأن المجتمع الأفغاني ينظر إلى الحزب الشيوعي بوصفه أداة للاحتلال السوفيتي، لذلك شرع في سلسلة من الإجراءات السياسية والإعلامية بهدف إطالة عمر النظام وتخفيف الضغط الداخلي عليه.
فقد رفع شعار «المصالحة الوطنية»، ودعا إلى تشكيل حكومات ائتلافية تضم مختلف التيارات السياسية، بل لوّح أحياناً بإمكانية عودة الملك السابق ظاهر شاه للمشاركة في مرحلة انتقالية، مستهدفاً بذلك استمالة بعض القوى السياسية والقبلية. كما سعى إلى إخفاء الهوية الشيوعية للنظام عبر تغيير اسم «حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني» إلى «حزب الوطن»، مع بقاء القيادات نفسها والكوادر ذاتها، في محاولة لامتصاص غضب الشارع وإعطاء الانطباع بحدوث تحول سياسي حقيقي.
وفي المجال الداخلي واصل النظام سياسات السيطرة الاجتماعية والفكرية؛ فتم التضييق على التعليم الديني، وفرضت المناهج المؤدلجة المتأثرة بالفكر الماركسي، وشُجّع تعليم اللغة الروسية، كما أُرسلت مجموعات من الشباب إلى الاتحاد السوفيتي للتدريب والتأهيل الحزبي. كذلك استمرت الأجهزة الأمنية، وعلى رأسها جهاز الاستخبارات المعروف بـ«خاد»، في تنفيذ عمليات اختراق داخل مخيمات اللاجئين الأفغان في باكستان لإثارة الخلافات بينهم وبين المجتمع المضيف، وإضعاف الحاضنة الشعبية للمقاومة.
ورغم كل هذه المحاولات، لم ينجح نجيب الله في كسب ثقة الشعب أو توحيد صفوف حزبه؛ إذ ظل الصراع مستعراً بين جناحي الحزب الشيوعي، «خلق» و«برشام»، وتعرض النظام لثلاث محاولات انقلابية خلال أقل من عام. وكانت أخطرها محاولة وزير الدفاع الجنرال شاه نواز تاناي في شعبان 1410هـ (مارس 1990م)، والتي حظيت بتأييد بعض عناصر المقاومة الإسلامية، إلا أنها فشلت بسبب تماسك الحرس الرئاسي، والدعم الروسي المباشر، والانقسامات بين خصوم النظام، إضافة إلى سوء التنسيق بين قادة الانقلاب.
وأعقب فشل الانقلاب حملة واسعة لتطهير الجيش والحزب من المعارضين، شملت اعتقالات وإقصاءات وإعادة تشكيل مراكز النفوذ داخل الدولة، بما يضمن إحكام سيطرة نجيب الله على مؤسسات الحكم. وفي الوقت نفسه واصل تقديم التنازلات السياسية الشكلية؛ فرفع حالة الطوارئ، وأدخل تعديلات دستورية قلّصت المظاهر الاشتراكية المعلنة، وسمحت نظرياً بالتعددية الحزبية والاقتصادية، غير أن السلطة الفعلية بقيت مركزة في يد الرئيس وأجهزة الدولة الأمنية.
وهكذا دخل النظام الشيوعي الأفغاني سنواته الأخيرة وهو يعيش تناقضاً واضحاً؛ فبينما كان يرفع شعارات المصالحة والانفتاح، ظل معتمداً في بقائه على القوة العسكرية والدعم الخارجي. كما أن محاولاته تغيير الأسماء والشعارات لم تنجح في محو صورته المرتبطة بالحكم الشيوعي والتبعية لموسكو، الأمر الذي أبقى المقاومة الإسلامية مستمرة، وجعل سقوط النظام مسألة وقت أكثر من كونه احتمالاً سياسياً قابلاً للنقاش.
سقوط نظام نجيب الله
في أعقاب توقيع اتفاقيات جنيف بشأن أفغانستان بدأت مرحلة الانسحاب التدريجي للقوات السوفييتية من أفغانستان، وقد جاء هذا الانسحاب نتيجة تراكم عدة عوامل، أبرزها الخسائر البشرية والمادية الكبيرة، وصعوبة حسم الحرب ضد المقاومة الأفغانية، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية والسياسية داخل الاتحاد السوفييتي نفسه. وقد اعترفت القيادة السوفييتية لاحقًا بأن الحرب تحولت إلى عبء استراتيجي استنزف قدرات الدولة وأثر على صورتها الدولية.
رغم انسحاب القوات السوفييتية، بقيت حكومة الرئيس محمد نجيب الله في كابل، وقد اعتمدت هذه الحكومة على الجيش الأفغاني، والمساعدات الاقتصادية والعسكرية التي استمرت من الاتحاد السوفييتي لفترة قصيرة بعد الانسحاب.
وخلافًا للتوقعات التي رجّحت سقوط النظام سريعًا بعد رحيل القوات السوفييتية، تمكنت حكومة نجيب الله من الصمود لعدة سنوات، مستفيدة من الانقسامات بين فصائل المعارضة المسلحة، إضافة إلى شبكة الأمن الداخلي التي ورثتها من المرحلة السابقة.
بدأت ملامح انهيار النظام تتضح مع بداية التسعينيات، خصوصًا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1412هـ / 1991م، وهو ما أدى إلى توقف الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي بشكل شبه كامل. ومع تدهور الوضع الداخلي، وتصاعد هجمات المعارضة، فقد النظام سيطرته تدريجيًا على المدن والمناطق الاستراتيجية.
وبينما بقي النظام الشيوعي مسيطراً على العاصمة كابل وبعض المراكز الحضرية الكبرى والمعسكرات العسكرية. أصبح انتقال قوات الحكومة بين المدن يحتاج إلى حماية مكثفة من الطيران والمدرعات، في حين افتقد المجاهدون هذين العنصرين الحاسمين في الحرب النظامية.
استمر المجاهدون في فرض الحصار على العاصمة وعلى عدد من المواقع العسكرية، وقصفوها بالصواريخ والمدفعية، غير أن ذلك لم يكن كافياً لإسقاط النظام. ويرجع ذلك إلى استمرار الدعم السوفيتي لحكومة كابل رغم الانسحاب العسكري، إضافة إلى الانقسامات المتزايدة بين الفصائل الإسلامية نفسها. كما أن المتغيرات الدولية لعبت دوراً مهماً في إبطاء الحسم.
ومع ذلك في أواخر شوال 1412هـ (أبريل 1992م) تسبب تراجع الدعم السوفيتي للحكومة في انهيارها ودخلت قوات المعارضة كابل، لتنتهي فعليًا سلطة نظام محمد نجيب الله. وقد احتمى الأخير بمقر الأمم المتحدة في العاصمة، وظل فيه حتى سيطرة طالبان على كابل سنة 1417هـ (1996م)، حيث أُخرج منه وقُتل آنذاك.
دخول المجاهدين إلى كابول
وفي 25 شوال 1412هـ (28 أبريل 1992م)، دخلت قوات المجاهدين إلى العاصمة كابل بعد سقوط حكومة محمد نجيب الله، لتُعلن بذلك نهاية مرحلة حكمه وبداية انتقال السلطة إلى القوى الجهادية التي خاضت حربًا طويلة ضد الوجود السوفييتي وضد النظام المدعوم منه. وقد جاء هذا الدخول بعد سلسلة من الانهيارات المتسارعة في مؤسسات الدولة، وانقسام الجيش، وتآكل سلطة الحكومة المركزية حتى فقدت سيطرتها على البلاد بصورة شبه كاملة.
وقد شاركت في هذا الدخول عدة فصائل رئيسية من المجاهدين الذين تشكلوا خلال سنوات الحرب ضمن إطار الحرب السوفيتية في أفغانستان، حيث تحركت القوات من مختلف الاتجاهات نحو العاصمة، وسط حالة من الفوضى الأمنية وانهيار أجهزة الحكم. ورغم أن دخول كابل مثّل انتصارًا عسكريًا مهمًا، فإنه في الوقت نفسه كشف عن التحدي الكبير الذي كان ينتظر البلاد، والمتمثل في إدارة مرحلة ما بعد الحرب وسط تعدد القوى وتباين المشاريع السياسية.
وبذلك، انتهى هذا الفصل من تاريخ أفغانستان بلحظة دخول المجاهدين إلى كابل والتي اعتُبرت تتويجًا لمسار طويل من المقاومة ضد الاحتلال السوفييتي، لكنها أيضًا شكلت بداية مرحلة جديدة من الصراع الداخلي الذي أعقب انتهاء الحرب.
الحرب الأهلية وانهيار مشروع المجاهدين (1412-1422هـ / 1992-2001م)
بعد دخول المجاهدين إلى كابل عام 1412هـ (1992م)، وانتهاء مرحلة الحرب السوفيتية في أفغانستان، كانت التوقعات تميل إلى بناء دولة جديدة تستند إلى “نصر الجهاد” وتوحد الفصائل المختلفة تحت مشروع سياسي واحد. غير أن الواقع سرعان ما اتجه إلى مسار مختلف، حيث تحولت مرحلة ما بعد الانتصار إلى واحدة من أعقد فترات الصراع الداخلي في تاريخ أفغانستان الحديث، فيما عُرف بـالحرب الأهلية الأفغانية.
بداية الانقسام وتفكك التحالف
لم تنجح الفصائل التي قادت الحرب ضد السوفييت في الاتفاق على صيغة حكم مشتركة، رغم محاولات تشكيل حكومات انتقالية في كابل. فقد ظهرت خلافات حادة بين القيادات السياسية والعسكرية حول تقاسم السلطة، وهوية الدولة، وطبيعة النظام السياسي. هذا الانقسام سرعان ما تحول إلى مواجهات مسلحة بين القوى الرئيسية، خصوصًا بين حكومة برهان الدين رباني المدعومة من أحمد شاه مسعود، وبين فصائل أخرى أبرزها قوات قلب الدين حكمتيار التي قصفت العاصمة بشكل متكرر خلال سنوات الحرب الأهلية.
شهدت كابل خلال هذه المرحلة دمارًا واسعًا نتيجة القصف المتبادل بين الفصائل، حيث تحولت العاصمة إلى ساحة حرب مفتوحة، انهارت فيها البنية التحتية، وتدهورت الحياة المدنية بشكل كبير. وتشير مذكرات بعض القادة الميدانيين، مثل روايات مرتبطة بأحمد شاه مسعود، إلى أن الحرب لم تعد مواجهة ضد عدو خارجي، بل صراعًا داخليًا معقدًا بين شركاء الأمس.
حكومة المجاهدين
بعد انهيار حكومة محمد نجيب الله وسقوط كابل ثم دخول أفغانستان مرحلة جديدة عُرفت بـالحرب الأهلية الأفغانية، تشكّلت ما سُمّي بـ“حكومة المجاهدين”، وهي أول محاولة رسمية لتولي الفصائل التي قاتلت ضد السوفييت إدارة الدولة وبناء نظام سياسي جديد.
تكوّنت الحكومة الجديدة في البداية تحت قيادة الرئيس برهان الدين رباني، الذي تولى رئاسة الدولة ضمن اتفاقات سياسية هدفت إلى توزيع السلطة بين فصائل المقاومة المختلفة. وقد ضمت الحكومة ممثلين عن عدد من الأحزاب التي نشأت خلال فترة الحرب، مثل الحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار، وحركة اتحاد إسلامي وغيرها من التشكيلات التي شاركت في القتال ضد السوفييت.
وقد رافق هذا التشكيل أمل كبير لدى كثيرين بأن مرحلة ما بعد الحرب ستشهد استقرارًا سياسيًا وبناء دولة موحدة، خاصة أن هذه الفصائل كانت قد خاضت معركة طويلة ضد الحرب السوفيتية في أفغانستان.
لكن الحكومة واجهت منذ بدايتها تحديات عميقة، أبرزها غياب الثقة بين الفصائل، وتباين المشاريع السياسية، والصراع على النفوذ داخل العاصمة كابل. فقد رفض بعض القادة، وعلى رأسهم قلب الدين حكمتيار، المشاركة الفعلية في الحكومة، بل دخل في مواجهة عسكرية مباشرة ضدها، مما أدى إلى تدهور الأوضاع الأمنية.
كما أن غياب مؤسسة دولة قوية قادرة على ضبط الجيش والأجهزة الأمنية جعل الحكومة عاجزة عن فرض الاستقرار، في ظل تعدد الميليشيات المسلحة وتوزع الولاءات بين القادة المحليين.
شهدت كابل خلال فترة حكومة المجاهدين حالة من الفوضى الأمنية والدمار الواسع، حيث تحولت المدينة إلى ساحة صراع بين الفصائل المختلفة. وقد انعكس ذلك على الحياة اليومية للسكان، مع تدهور الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات النزوح الداخلي، إضافة إلى توقف شبه كامل لمؤسسات الدولة.
استمرت حكومة المجاهدين حتى عام 1416هـ (1996م) حين تمكنت حركة طالبان من السيطرة على كابل وإسقاط الحكومة، لتنتهي بذلك أول تجربة حكم للفصائل الجهادية في أفغانستان. وقد مثّلت هذه المرحلة انتقالًا من “انتصار عسكري” على الاحتلال السوفييتي إلى “إخفاق سياسي” في بناء دولة مستقرة.
يمكن النظر إلى حكومة المجاهدين باعتبارها تجربة انتقالية قصيرة بين الحرب والسلطة، حملت في بدايتها آمالًا كبيرة، لكنها اصطدمت بواقع الانقسام والتنافس المسلح، مما جعلها جزءًا من سلسلة الاضطرابات التي ميّزت أفغانستان في مرحلة ما بعد الحرب.
أربعة أسماء محورية شكّلت ملامح السلطة والصراع
في مرحلة ما بعد سقوط النظام المدعوم من السوفييت عام 1412هـ (1992م)، برزت أربعة أسماء محورية شكّلت ملامح السلطة والصراع داخل أفغانستان ضمن إطار الحرب الأهلية الأفغانية، وهم: برهان الدين رباني، قلب الدين حكمتيار، أحمد شاه مسعود، وعبد الرشيد دوستم. وقد تناولت مذكرات قادة الجهاد الأفغاني وأدبيات الحركات الإسلامية هذه الشخصيات باعتبارها تمثل تباينات سياسية وعسكرية عميقة داخل التجربة الجهادية نفسها، لا مجرد اختلافات شخصية.
برهان الدين رباني: القيادة السياسية ومحاولة بناء الدولة
مثّل برهان الدين رباني الوجه السياسي الأبرز داخل حكومة المجاهدين، بصفته رئيس الدولة في تلك المرحلة. وفقًا لمذكرات عدد من القادة الأفغان والدراسات الإسلامية التي تناولت التجربة، كان رباني يميل إلى بناء إطار سياسي تفاوضي يجمع الفصائل تحت مظلة الدولة، مستندًا إلى شرعية “النصر على السوفييت”. غير أن قدرته على فرض الاستقرار كانت محدودة بسبب ضعف مؤسسات الدولة وتعدد القوى المسلحة المستقلة.
بعد سيطرة حركة طالبان على كابل عام 1417هـ (1996م)، واصل برهان الدين رباني نشاطه السياسي ضمن «الجبهة المتحدة الإسلامية لإنقاذ أفغانستان» المعروفة باسم «تحالف الشمال»، الذي ضم القوى المناهضة لطالبان. ورغم فقدانه السيطرة الفعلية على معظم البلاد، ظل يُنظر إليه دوليًا بوصفه الرئيس الشرعي لأفغانستان حتى سقوط طالبان عام 1422هـ (2001م). وبعد ذلك واصل نشاطه السياسي، وتولى لاحقًا رئاسة ما يسمى المجلس الأعلى للسلام. وفي 22 شوال 1432هـ (20 سبتمبر 2011م) قُتل في كابل إثر عملية اغتيال نفذها رجل تظاهر بأنه مبعوث سلام، ما شكّل صدمة سياسية كبيرة لأتباع برهان الدين في أفغانستان.
وقد تشكل ما ما عُرف بـ«تحالف الشمال» أو «الجبهة المتحدة الإسلامية لإنقاذ أفغانستان»، بعد سيطرة حركة طالبان على معظم الأراضي الأفغانية في منتصف التسعينيات، وهو ائتلاف ضم عدداً من الفصائل والقادة المناوئين لطالبان، من أبرزهم برهان الدين رباني وأحمد شاه مسعود وعبد الرشيد دوستم. وقد احتفظ التحالف بسيطرته على أجزاء من شمال وشمال شرق البلاد، واستمر في محاربة طالبان حتى سقوط حكمها عام 1422هـ (2001م).
وحظي التحالف بدعم سياسي وعسكري من عدة دول، أبرزها روسيا وإيران والهند، إضافة إلى بعض جمهوريات آسيا الوسطى مثل طاجيكستان وأوزبكستان، التي رأت في تمدد طالبان تهديداً لمصالحها وأمنها الإقليمي. وقد أسهم هذا الدعم في تمكين التحالف من الصمود عسكرياً لسنوات، قبل أن يصبح الحليف المحلي الرئيس للقوات الأمريكية خلال العمليات التي أطاحت بحكم طالبان عقب أحداث سبتمبر 2001م.
قلب الدين حكمتيار: المعارضة المسلحة والرفض السياسي
في المقابل، مثّل قلب الدين حكمتيار أحد أكثر القادة تأكيدًا على موقفه من حكومة كابل، حيث رفض تقاسم السلطة مع بقية الفصائل، ودخل في صراع مباشر مع الحكومة. وتصف بعض مذكرات قادة الجهاد الأفغاني هذا الدور بأنه كان انعكاسًا لاختلاف في الرؤية حول طبيعة الدولة الإسلامية المنشودة، إذ كان حكمتيار يرى ضرورة الحسم السياسي والعسكري الكامل، وليس التسويات الجزئية، مما أدى إلى قصف كابل في سنوات الحرب الأهلية.
بعد سنوات الحرب الأهلية والصراع مع باقي الفصائل، دخل قلب الدين حكمتيار في حالة من التراجع السياسي والعسكري مع صعود طالبان إلى السلطة في منتصف العقد الثاني من القرن الخامس عشر الهجري (منتصف التسعينيات الميلادية)، ثم سقوطها عام 1422هـ (2001م).
تميز التاريخ السياسي لحكمتيار بكثرة التحالفات والتراجع عنها وكان في كل تلك التحولات عنصرا فاعلا، لكنه حافظ مع ذلك على خلافه مع رباني ومسعود حتى أخرجتهما حركة طالبان من العاصمة كابل.
وظل فترة طويلة خارج المشهد المباشر، متنقّلًا بين العمل السياسي والمنفى، إلى أن عاد إلى الواجهة بعد 1422هـ (2001م) ضمن ترتيبات سياسية لاحقة. وفي عام 1437هـ (2016م) توصّل إلى اتفاق مصالحة مع الحكومة الأفغانية في كابل، ما سمح له بالعودة إلى الحياة السياسية بشكل رسمي، مع تحوّل دوره من قائد عسكري إلى شخصية سياسية ذات حضور محدود.
عاد حكمتيار للظهور مجددا بعد بدء الحملة الأمريكية على أفغانستان، بعد أن اختار الوقوف بجوار طالبان قائلا من مقر إقامته في طهران إن الوقت وقت دفاع عن أفغانستان وشعبه وليس وقت بحث عن سلطة.
أحمد شاه مسعود: القائد الميداني وبناء التحالفات
أما أحمد شاه مسعود، فقد برز بوصفه القائد العسكري الأكثر تنظيمًا داخل “تحالف الشمال”. وتشير مذكرات متعددة، منها روايات مقاتلين أفغان وشهادات عربية، إلى أنه اعتمد على استراتيجية مرنة تجمع بين الحرب الدفاعية وبناء التحالفات السياسية. وقد عُرف بقدرته على إدارة مناطق نفوذه في وادي بنجشير، ومحاولة إيجاد توازن بين القوة العسكرية والبعد السياسي، خاصة في مواجهة تمدد الخصوم في فترات الحرب الأهلية.
قُتل أحمد شاه مسعود في 9 سبتمبر 2001 (20 جمادى الآخرة 1422هـ) داخل منطقة تخضع لسيطرة تحالف الشمال الأفغاني في شمال أفغانستان، وذلك عبر عملية اغتيال معقدة نفذها شخصان تظاهرا بأنهما صحفيان يحملان وثائق مزورة لإجراء مقابلة معه. وبعد السماح لهما باللقاء، قاما بتفجير عبوة ناسفة كانت مخبأة داخل معدات التصوير، ما أدى إلى إصابته بجروح بالغة أدت إلى وفاته في الطريق أثناء نقله للعلاج.
وتُشير معظم المصادر التاريخية إلى أن العملية جاءت في سياق الصراع المحتدم مع حركة طالبان وارتباطاتها في تلك المرحلة بـتنظيم القاعدة، حيث كان مسعود يُعد أبرز قادة المعارضة المسلحة في الشمال الأفغاني. وقد شكّل اغتياله ضربة كبيرة للمعارضة قبل أيام قليلة فقط من أحداث 11 سبتمبر 2001.
عبد الرشيد دوستم: القوة العسكرية وتحولات الولاء
يمثل عبد الرشيد دوستم حالة مختلفة داخل المشهد الأفغاني، إذ بدأ كقائد ميليشيا موالية للنظام السابق ثم انضم إلى تحالفات متعددة بعد سقوطه. وتصفه بعض الأدبيات بأنه كان قائدًا براغماتيًا يعتمد على القوة العسكرية في تأمين موقعه السياسي، وقد لعب دورًا مهمًا في ميزان القوى داخل الشمال الأفغاني، حيث سيطر على مناطق واسعة من أوزبك القومية.
واصل عبد الرشيد دوستم لعب دور عسكري وسياسي متغير داخل أفغانستان، متنقّلًا بين تحالفات مختلفة بعد سقوط حكومة المجاهدين، ثم خلال مرحلة طالبان وبعدها. شغل مناصب رفيعة في الحكومات المتعاقبة بعد 1422هـ (2001م)، لكنه ظل شخصية مثيرة للجدل بسبب اتهامات تتعلق بصراعات مسلحة وانتهاكات خلال فترات الحرب الأهلية. ومع تقدمه في السن، تراجع حضوره العسكري تدريجيًا، مع بقائه لاعبًا سياسيًا مؤثرًا في بعض المراحل داخل المشهد الأفغاني حتى السنوات الأخيرة قبل تغيّر السلطة في البلاد مجددًا.
تعرّض عبد الرشيد دوستم لمحاولة اغتيال في شوال 1418هـ (فبراير/شباط 1998م) إثر انفجار قنبلة بالقرب منه، فأصيب وغادر أفغانستان لتلقي العلاج في أوزبكستان. وفي الفترة نفسها تلقّت قواته هزائم قاسية أمام تقدّم حركة طالبان، كما واجه تمرّدًا من بعض أقرب معاونيه، الأمر الذي اضطره إلى مغادرة البلاد متجهًا إلى منفاه في تركيا، قبل أن يعود لاحقًا إلى الساحة الأفغانية. وبعد سقوط نظام طالبان عام 1422هـ (2001م)، عيّنه الرئيس حامد كرزاي وزيرًا للدفاع وقائدًا عامًا للقوات الأفغانية، وظل في مناصبه حتى عام 1429هـ (2008م)، حين أُقيل وأُحيل إلى التحقيق على خلفية اتهامات باختطاف عدد من خصومه السياسيين داخل أفغانستان.
تُظهر هذه الشخصيات الأربع، أن مرحلة ما بعد الجهاد لم تكن مرحلة انسجام، بل مرحلة تباين عميق في الرؤى والمصالح متأثرة بالخلفيات والداعم. فقد مثل رباني الاتجاه السياسي المؤسسي، وحكمتيار الاتجاه الصدامي، ومسعود الاتجاه العسكري، ودوستم الاتجاه البراغماتي القائم على القوة وتبدل التحالفات.
وهكذا، لم يكن انهيار النظام المدعوم من السوفييت نهاية للصراع، بل بداية لإعادة تشكيل موازين القوى داخل الساحة الأفغانية، وهو ما مهّد لاحقًا لتحولات كبرى غيّرت مسار البلاد بالكامل.
حزب الوحدة الشيعي ودور الشيعة في الحرب الأهلية الأفغانية
مثّل الشيعة الأفغان، ولا سيما أبناء قومية الهزارة، أحد المكونات الأساسية للمشهد السياسي والعسكري في أفغانستان خلال مرحلة ما بعد سقوط النظام الشيوعي عام 1412هـ (1992م). فعلى الرغم من مشاركة أفراد شيعة في مقاومة الاحتلال السوفييتي ضمن تنظيمات متعددة، فإن حضورهم السياسي والعسكري المستقل برز بصورة أوضح في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات من خلال تأسيس “حزب الوحدة الإسلامي الأفغاني”.
تأسس حزب الوحدة عام 1989 (1409–1410هـ) نتيجة اندماج عدد من التنظيمات الشيعية التي كانت تنشط في مناطق الهزارة وسط أفغانستان، وذلك بهدف توحيد الصف الشيعي وإنهاء حالة التنافس والانقسام التي عانت منها تلك التنظيمات خلال سنوات المقاومة ضد السوفييت. في محاولة لتأمين موقعهم في مستقبل البلاد. وقد ارتبط الحزب فكريًا وسياسيًا بالمرجعية الشيعية الثورية التي تأثرت بأحداث الثورة الإيرانية، كما تلقى دعمًا سياسيًا وعسكريًا من إيران خلال مراحل مختلفة من الصراع.
برز على رأس الحزب القائد الشيعي البارز عبد العلي مزاري، الذي سعى إلى تحويل الحزب من مجرد تنظيم عسكري إلى قوة سياسية تمثل الشيعة والهزارة في معادلة الحكم الأفغاني. وقد رفع مزاري شعارات المشاركة السياسية والاعتراف بالتعددية القومية والمذهبية داخل البلاد، مطالبًا بتمثيل أكثر عدالة للمناطق والمكونات التي رأت نفسها مهمشة في تاريخ الدولة الأفغانية الحديثة.
وعقب سقوط حكومة محمد نجيب الله ودخول المجاهدين كابل عام 1412هـ (1992م)، أصبح حزب الوحدة أحد الأطراف الرئيسية في الصراع على السلطة داخل العاصمة. فقد دخل في تحالفات وصدامات متبدلة مع مختلف القوى المتنافسة، بما في ذلك قوات الحكومة بقيادة برهان الدين رباني وأحمد شاه مسعود، وكذلك قوات عبد الرشيد دوستم وقلب الدين حكمتيار في مراحل مختلفة. وتحولت الأحياء الغربية من كابل، التي كان يقطنها عدد كبير من الهزارة، إلى ساحة معارك دامية خلّفت خسائر بشرية واسعة وعمّقت الانقسامات بين الفصائل الأفغانية.
ومع صعود حركة طالبان في منتصف التسعينيات دخل حزب الوحدة في مواجهة مباشرة معها، خصوصًا بعد توسع نفوذ الحركة نحو مناطق الهزارة في وسط البلاد. وقد بلغت هذه المواجهة ذروتها بعد أسر عبد العلي مزاري عام 1415هـ (1995م) ومقتله في ظروف ما تزال محل جدل تاريخي، حيث تتهم مصادر الحزب حركة طالبان بقتله بعد اعتقاله، بينما قدمت الحركة رواية مختلفة حول الحادثة.
وقد أسهمت تجربة حزب الوحدة في ترسيخ الحضور السياسي للشيعة والهزارة داخل أفغانستان، ليصبحوا أحد المكونات الرئيسية في العملية السياسية الأفغانية الحديثة.
وهكذا شكّل حزب الوحدة الشيعي التعبير السياسي والعسكري الأبرز عن الشيعة الأفغان خلال حقبة الحرب الأهلية، كما مثّل جزءًا من التعقيدات القومية والمذهبية والسياسية التي صاحبت انهيار مشروع المجاهدين وتحول أفغانستان إلى ساحة صراع متعدد الأطراف خلال تسعينيات القرن العشرين.
التدخلات الإقليمية ومعارك كابول وأسباب فشل الوحدة بين المجاهدين
لم تكن الحرب الأهلية الأفغانية التي اندلعت بعد دخول المجاهدين إلى كابل مجرد صراع داخلي على السلطة، بل تحولت سريعًا إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي، تداخلت فيها المصالح السياسية والأمنية مع الانقسامات المحلية. وقد أسهمت هذه التدخلات، إلى جانب الخلافات العميقة بين الفصائل، في تعثر مشروع الوحدة الذي حلم به كثير من الأفغان بعد انتهاء الجهاد ضد السوفييت.
التدخلات الإقليمية
مع انهيار النظام الشيوعي برز فراغ سياسي كبير في أفغانستان، فسعت القوى الإقليمية إلى دعم حلفائها المحليين للحفاظ على نفوذها وتأمين مصالحها. ودعمت باكستان عددًا من الفصائل الإسلامية، وعلى رأسها الحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار، انطلاقًا من رؤيتها الأمنية ورغبتها في قيام سلطة صديقة لها في كابل. وفي المقابل دعمت إيران حزب الوحدة الإسلامي والتنظيمات الشيعية المرتبطة بالهزارة، بينما أقامت دول آسيا الوسطى وروسيا علاقات مع القوى المناوئة للتيارات المتشددة، خاصة في شمال البلاد.
وقد أدى هذا التنافس إلى تحويل الساحة الأفغانية إلى ميدان صراع بالوكالة، حيث أصبحت الفصائل المحلية تتلقى السلاح والتمويل والدعم السياسي من أطراف خارجية، الأمر الذي زاد من تعقيد الأزمة وأطال أمد الحرب.
ورغم اشتراك الفصائل الأفغانية في مقاومة الاحتلال السوفييتي، فإن ذلك لم يكن كافيًا لبناء مشروع سياسي موحد بعد انتهاء الحرب. ويمكن تلخيص أسباب فشل الوحدة في عدة عوامل رئيسية.
أولها غياب قيادة مركزية جامعة تستطيع فرض الاتفاقات السياسية على جميع الفصائل، إذ احتفظ كل حزب بقواته المسلحة ومناطقه ونفوذه المستقل. وثانيها الخلافات الفكرية والسياسية حول شكل الدولة المقبلة وطبيعة توزيع السلطة بين القوميات والمذاهب والأحزاب المختلفة.
كما لعبت الطموحات الشخصية والتنافس على السلطة دورًا بارزًا في تعميق الانقسام، حيث رأى عدد من القادة أنهم الأحق بقيادة البلاد بعد سنوات الجهاد. وإلى جانب ذلك أسهمت التدخلات الإقليمية في تغذية الخلافات الداخلية، إذ كانت بعض القوى الخارجية تدعم أطرافًا بعينها على حساب التوافق الوطني.
وأخيرًا، فإن عقود الحرب المتواصلة أضعفت مؤسسات الدولة وأنتجت واقعًا عسكريًا قائمًا على سلطة السلاح أكثر من سلطة القانون، مما جعل الانتقال من مرحلة الثورة والجهاد إلى مرحلة الدولة والحكم مهمة شديدة الصعوبة.
وهكذا انتهت تجربة الوحدة بين المجاهدين إلى الفشل، وتحولت أفغانستان من ساحة مواجهة ضد الاحتلال السوفييتي إلى ساحة صراع داخلي متعدد الأطراف، وهو الفراغ الذي مهّد لاحقًا لظهور حركة طالبان وصعودها السريع في منتصف التسعينيات.
ظهور حركة طالبان وصعودها إلى السلطة (1994–2001م) (1414–1422هـ).
بينما كان الأفغان ينتظرون أن تثمر تضحيات الجهاد ضد الاتحاد السوفييتي دولة مستقرة تنهي عقود الحرب، وجدت البلاد نفسها بعد عام 1412هـ (1992م) غارقة في صراع داخلي مرير بين الفصائل التي شاركت في إسقاط النظام الشيوعي. فقد تحولت العاصمة كابل إلى ساحة قتال مفتوحة، وتفككت مؤسسات الدولة، وانتشرت الحواجز المسلحة والميليشيات المحلية، وتراجعت سلطة القانون بصورة غير مسبوقة. وفي خضم هذا الانهيار الأمني والسياسي، ظهرت قوة جديدة ستغير مسار التاريخ الأفغاني لعقود تالية، وهي حركة طالبان.
البيئة التي سبقت ظهور طالبان
لم تنشأ طالبان في فراغ، بل جاءت نتيجة ظروف معقدة تراكمت خلال سنوات الحرب الأهلية. فقد أصيب المجتمع الأفغاني بحالة واسعة من الإحباط بعد أن تحولت الفصائل التي قاتلت السوفييت إلى أطراف متنازعة على السلطة. كما أدت أعمال النهب والخطف وقطع الطرق والاقتتال الداخلي إلى تآكل الثقة الشعبية في قادة المجاهدين والأحزاب التقليدية.
في تلك الأجواء، بدأت تتشكل في جنوب أفغانستان، خصوصًا في ولاية قندهار، مجموعات من طلبة المدارس الدينية الذين رفعوا شعار إنهاء الفوضى ونزع سلاح أمراء الحرب وإعادة الأمن إلى البلاد. ومن هنا جاء اسم “طالبان” أي “الطلبة”، نسبة إلى طلبة العلوم الشرعية الذين شكلوا النواة الأولى للحركة.
الملا محمد عمر وتأسيس حركة طالبان
برز اسم الملا محمد عمر بوصفه المؤسس والزعيم الأول للحركة. وكان من المجاهدين الذين شاركوا في الحرب ضد السوفييت، كما تلقى تعليمه في المدارس الدينية المنتشرة على الحدود الأفغانية الباكستانية.
وتروي المصادر الأفغانية أن انطلاقة الحركة ارتبطت بحادثة محلية اشتهرت في الروايات الطالبانية، حين تدخل الملا عمر وعدد من أتباعه لإنقاذ فتيات تعرضن للاعتداء من قبل أحد قادة الميليشيات. وفي ذلك الوقت شكل الطلبة قوة تسعى إلى إنهاء الفوضى واستعادة الأمن.
التوسع السريع والسيطرة على الجنوب
استفادت طالبان من حالة السخط الشعبي ومن ضعف الفصائل المتنازعة، فتمكنت خلال فترة قصيرة من السيطرة على مناطق واسعة في الجنوب. كما ساعدها الانضباط التنظيمي ووحدة القيادة مقارنة بالفصائل الأخرى التي كانت تعاني الانقسام والصراع الداخلي.
وبحلول عام 1995 (1415–1416هـ) كانت الحركة قد فرضت نفوذها على أجزاء كبيرة من الجنوب والغرب الأفغاني، واستمرت في التقدم نحو العاصمة. وفي سبتمبر 1996 (1417هـ) دخلت قوات طالبان كابل بعد انسحاب قوات الحكومة التابعة للرئيس برهان الدين رباني ووزير دفاعه أحمد شاه مسعود نحو الشمال.
وبسقوط كابل انتهت فعليًا مرحلة حكم المجاهدين التي بدأت عام 1992 (1412هـ)، وبدأ عهد جديد أصبح فيه معظم التراب الأفغاني تحت سلطة طالبان.
حكم طالبان لأفغانستان: الإمارة الإسلامية
بعد سيطرتها على العاصمة أعلنت طالبان قيام “الإمارة الإسلامية”، وسعت إلى فرض الشريعة والنظام الاجتماعي. وتميز حكمها بمركزية السلطة، وفرض إجراءات في مجالات القضاء والأمن والحياة العامة.
ويرى أنصار الحركة أن أهم إنجازاتها خلال تلك المرحلة كان إعادة الأمن إلى الطرق وإنهاء كثير من مظاهر الفوضى المسلحة التي سادت سنوات الحرب الأهلية، في حين انتقدها خصومها بسبب ما وصفوه بالقيود الاجتماعية والسياسية الصارمة، وخصوصًا ما تعلق بدور المرأة والتعليم والحريات العامة.
كما واجهت الحركة عزلة دولية واسعة، إذ لم تعترف بحكومتها رسميًا سوى دول قليلة، بينما استمرت غالبية المجتمع الدولي في اعتبار الحكومة السابقة الممثلة الشرعية لأفغانستان.
تحالف الشمال واستمرار الحرب
رغم التوسع الكبير لطالبان، فإن البلاد لم تخضع بالكامل لسيطرتها. فقد تشكلت جبهة معارضة عرفت باسم “التحالف الشمالي” أو “الجبهة المتحدة”، وضمت قوى متنوعة من الطاجيك والأوزبك والهزارة وغيرهم.
قاد هذا التحالف بشكل رئيسي أحمد شاه مسعود، وانضم إليه لاحقًا عبد الرشيد دوستم وقيادات من حزب الوحدة الإسلامي. وتمركزت قواته في شمال وشمال شرق البلاد، واستمرت المعارك بين الطرفين سنوات طويلة دون حسم كامل.
وأصبحت أفغانستان خلال هذه الفترة ساحة لتشابك المصالح الإقليمية والدولية، حيث دعمت بعض الدول حركة طالبان، بينما دعمت دول أخرى التحالف الشمالي، الأمر الذي زاد من تعقيد الحرب وأطال أمدها.
وجاء اغتيال أحمد شاه مسعود ليشكل خسارة كبيرة للتحالف الشمالي، ويزيل أحد أبرز القادة العسكريين الذين حاربوا طالبان طوال سنوات حكمها.
نهاية المرحلة
وبحلول عام 1422هـ (2001م)، كانت حركة طالبان تسيطر على معظم الأراضي الأفغانية، ولم يبقَ خارج نفوذها سوى مناطق محدودة في الشمال كانت خاضعة لتحالف الشمال وقواته. غير أن الأحداث العالمية التي أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر أدت إلى تدخل عسكري دولي واسع النطاق أسقط حكومة طالبان في نهاية العام نفسه، لتنتهي بذلك مرحلة تاريخية بدأت بصعود الحركة من مدارس الجنوب وانتهت بسقوطها المؤقت بعد سبع سنوات من الحكم.
وهكذا مثل ظهور طالبان نتيجة مباشرة لفشل مشروع الوحدة بين المجاهدين بعد انتصارهم على السوفييت. فقد ولدت الحركة من رحم الفوضى والحرب الأهلية، واستطاعت أن تقدم نفسها بوصفها بديلاً عن أمراء الحرب، لكنها سرعان ما أصبحت طرفًا رئيسيًا في صراع جديد أعاد تشكيل أفغانستان وأثر في تاريخ المنطقة والعالم خلال العقود اللاحقة.
حصيلة الحرب السوفيتية الأفغانية (1979–1989م) (1399–1409هـ).
عندما قرر الزعيم السوفييتي ليونيد بريجنيف غزو أفغانستان في ديسمبر 1979م (1409هـ)، كانت موسكو تتوقع عملية سريعة تضمن بقاء النظام الشيوعي الحليف لها في كابل، إلا أن الحرب تحولت إلى واحدة من أكثر الحروب استنزافًا في تاريخ الاتحاد السوفييتي. فعلى مدى عشر سنوات واجه الجيش الأحمر مقاومة أفغانية واسعة مدعومة من العالم الإسلامي وعدد من القوى الدولية، وانتهت الحرب بانسحاب القوات السوفييتية في عهد ميخائيل غورباتشوف عام 1399هـ (1989م) بعد مقتل نحو 15 ألف جندي سوفييتي وإصابة أكثر من 35 ألفًا. كما تعرض عشرات الآلاف لإصابات وأمراض وآثار نفسية طويلة الأمد. كما فقد الجيش السوفييتي مئات الطائرات والمروحيات وآلاف المدرعات والعربات العسكرية، وأنفق مليارات الدولارات في حرب استنزفت اقتصاده وأصبحت أحد العوامل التي ساهمت في إضعاف الدولة السوفييتية قبيل انهيارها. فكانت خسائر بشرية واقتصادية وعسكرية ضخمة.
أما أفغانستان فقد دفعت الثمن الأكبر، إذ قُتل ما بين مليون ومليوني أفغاني، غالبيتهم من المدنيين. وشُرّد نحو خمسة إلى ستة ملايين لاجئ خارج البلاد، كما أُصيب مئات الآلاف بجروح وإعاقات دائمة، ودُمرت آلاف القرى والأراضي الزراعية وشبكات الري والطرق والمدارس والمرافق العامة. وتعرضت بنيتها التحتية ومجتمعاتها لدمار واسع. ورغم نجاح المجاهدين في إنهاء الوجود السوفييتي وسقوط النظام الشيوعي لاحقًا، فإن البلاد دخلت بعد ذلك في حرب أهلية طويلة كان لها خسائرها المثخنة أيضا.
وقفة مع الثورة الأفغانية
لم تكن الثورة الأفغانية مجرد مقاومة عسكرية ضد نظام أو احتلال، بل تحولت إلى لحظة إعادة تشكيل عميقة للمجتمع والدولة في أفغانستان. فقد انطلقت من بيئة محافظة غير مؤطرة حزبيًا، ثم تطورت مع صعود المد الشيوعي إلى حركة إسلامية منظمة حملت مشروعًا دينيًا وسياسيًا لمواجهة تغيير جذري في هوية البلاد
لقد كان الدافع الأساس للثورة الأفغانية ذا طابع إسلامي واضح، إذ نظر كثير من الأفغان إلى المشروع الشيوعي بوصفه تيارًا ملحدًا يتعارض مع عقيدتهم وهويتهم الدينية، فكان الصراع في جوهره دفاعًا عن الإسلام في مواجهة أيديولوجيا وافدة سعت إلى إعادة تشكيل المجتمع على أسس مادية بعيدة عن الدين.
ومع توسع ساحة الصدام، لم يعد الأمر صراعًا على السلطة فقط، بل مواجهة على هوية الدولة ذاتها، ما دفع مختلف شرائح المجتمع إلى الانخراط في المقاومة. غير أن غياب وحدة القيادة وتعدد الفصائل وتداخل العوامل الخارجية جعل من الثورة مشروعًا كبيرًا في الميدان، لكنه متعثر في التنظيم السياسي.
ومع تحقيق الانتصار العسكري، برزت الإشكالية الأكبر: الانتقال من “ثورة تقاوم” إلى “دولة تحكم”. وهنا ظهرت التناقضات التي كانت مؤجلة خلال الحرب، فدخلت البلاد في اختبار أصعب من الحرب نفسها، وهو اختبار إدارة النصر وبناء دولة موحدة من ركام الانقسام.
وبذلك يمكن تلخيص التجربة بأنها ثورة عظيمة في أهدافها وزخمها الشعبي، لكنها اصطدمت بتحدي تحويل القوة العسكرية إلى مشروع دولة مستقرة، وبجشع الاستقطابات الخارجية والمصالح البراغماتية، وهو التحدي الذي سيظل مفتاح فهم كل ما تلاها من تحولات في المشهد الأفغاني.
القضية الطاجيكية وتأثيرها في المشهد الأفغاني
مع تفكك الاتحاد السوفيتي واندلاع الحرب الأهلية في طاجيكستان، تحولت الحدود الأفغانية إلى ساحة تأثير مباشر للصراع، حيث اتُّهمت بعض القوى الأفغانية بدعم المعارضة الإسلامية الطاجيكية عبر الإيواء أو تسهيل الحركة عبر الحدود. وقد جاء ذلك في ظل اضطراب الداخل الأفغاني وتنازع الفصائل، ما جعل أفغانستان بيئة مفتوحة لتداخل الملفات الإقليمية.
ومع تصاعد القتال في طاجيكستان عام 1413هـ (1992م)، ازدادت التوترات بين كابل ودوشنبي، خصوصًا مع تبادل الاتهامات حول التدخل ودعم المقاتلين، في حين نفت الحكومة الأفغانية حينها كونها طرفًا مباشرًا في النزاع، واتهمت أطرافًا خارجية بالتدخل في أراضيها. وفي المقابل، تحولت المناطق الشمالية من أفغانستان إلى ملاذ لآلاف اللاجئين الطاجيك، ما زاد الضغط الإنساني على بلد منهك أصلًا بالحرب.
وبذلك أصبحت القضية الطاجيكية أحد أبرز الملفات التي عكست امتداد تأثير الجهاد الأفغاني والصراع الإقليمي إلى آسيا الوسطى، حيث تداخلت الاعتبارات السياسية والأمنية مع البعد الأيديولوجي والديني في مشهد مضطرب ومتشابك.
حقبة مصيرية في تاريخ أفغانستان
تمثل الفترة الممتدة من الغزو السوفييتي إلى صعود طالبان الأولى عام 1996م (1416هـ تقريبًا) واحدة من أكثر المراحل حساسية في التاريخ الأفغاني الحديث، حيث تحولت البلاد من ساحة مواجهة مع قوة دولية كبرى إلى ميدان صراع داخلي على السلطة والهوية.
لقد كانت تعقيدات ما بعد الانتصار امتدادًا طبيعيًا لسنوات الصراع الطويلة، حيث تداخلت السياسة بالسلاح، والطموح بالانقسام، وبرزت بين ثنايا هذه التعقيدات، حركة طالبان التي ستستمر لاعبا رئيسيا في واقع أفغانستان وأحداثها المقبلة، وفي مشهد أعاد تشكيل البلاد بصورة جذرية لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم.
وللحديث بقية ..
المصادر
محمود شاكر، أفغانستان
م. حسن كاكر ، الغزو السوفيتي لأفغانستان وردّ الفعل الأفغاني (1979–1982) ستيف كول ، حروب الأشباح موسوعة بريتانيكا، مقالات: أفغانستان، ثورة ثور، داود خان، الغزو السوفيتي
الحبيبي، عبد الحي. تاريخ أفغانستان الحديث. يوسف، محمد. أفغانستان تحت خمسة غزاة.
عبد الله النفيسي – الحركة الإسلامية في أفغانستان (دراسات ومحاضرات منشورة)
دراسات متعددة حول أفغانستان والتحولات السياسية فيها من مركز الجزيرة للدراسات
مؤلفات الشيخ عبد الله عزم
لقاءات مصورة للجزيرة عن هذه الحقبة
مأسدة الأنصار العرب بأفغانستان – المجلد 6 – الصفحة 1 – جامع الكتب الإسلامية
مراجع متعددة عن تاريخ الجهاد الأفغاني على الشبكة.
النشرة البريدية
بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.