الإسلام في أفغانستان: قبل الغزو السوفيتي

المحتوى أخفي

أفغانستان دولةٌ غير ساحلية تقع في قلب آسيا الوسطى وجنوبها، وتمتاز بموقعٍ استراتيجي جعلها على مرّ التاريخ نقطة التقاءٍ للحضارات القديمة وممرّاً للغزوات والتبادلات الثقافية. كما تتسم بتنوع جغرافي واسع يجمع بين الجبال الشاهقة والوديان العميقة والسهول الممتدة، إضافة إلى تنوعٍ بشري وثقافي انعكس في تاريخها المعقد والمزدحم، الذي شهد العديد من التحولات والأحداث المفصلية التي جعلت منها إحدى أكثر مناطق العالم حساسيةً وحضوراً في التاريخ الحديث والقديم.

أفغانستان بلغة الجغرافيا

image 2

تقع أفغانستان في قلب قارة آسيا، تحدّها ست دول. فمن الشرق والجنوب الشرقي تحدّها باكستان، ومن الغرب إيران، ومن الشمال تركمانستان وأوزبكستان وطاجيكستان، كما ترتبط بحدودٍ قصيرة مع الصين في أقصى الشمال الشرقي عبر ممر واخان.

وقد أكسبها هذا الموقع الجغرافي الاستراتيجي أهميةً بالغة عبر التاريخ، إذ شكّلت حلقة وصلٍ ومحور عبور بين جنوب آسيا وشرقها من جهة، وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وصولاً إلى أوروبا من جهة أخرى، مما جعلها ساحةً للتفاعل الحضاري والتجاري، ومسرحاً لعددٍ كبير من التحولات التاريخية.

الخصائص الجغرافية وأبرز التضاريس

image 3

تتميّز أفغانستان بتضاريسها الجبلية الوعرة والمتنوعة، حيث تمتد سلسلة جبال هندوكوش عبر معظم أراضيها، مُشكّلة العمود الفقري الطبيعي للبلاد. وتلعب هذه الجبال الشاهقة دوراً محورياً في تقسيم البلاد إلى أقاليم جغرافية متباينة، الأمر الذي انعكس بشكل واضح على المناخ وأنماط الاستقرار البشري وتوزيع السكان.

وإلى جانب السلاسل الجبلية، تضم أفغانستان أودية خصبة وهضاباً مرتفعة، إضافة إلى مناطق صحراوية واسعة في الجنوب الغربي. كما تُعد هضبة بامير وجبال هندوكوش جزءاً من امتدادات جيولوجية كبرى ضمن التكوين البنيوي لآسيا الوسطى، ما يمنح البلاد تنوعاً طبيعياً فريداً يجمع بين التضاريس القاسية والمناطق القابلة للحياة والزراعة.

تُعد الجغرافيا أحد أهم العوامل المؤثرة في التاريخ الأفغاني، إذ ساهمت الطبيعة الجبلية الوعرة، وتداخل السلاسل الجبلية مع الأودية والسهول المحدودة، في توفير حالة من الانعزال النسبي بين المناطق، مما أدى إلى تنوع أنماط الاستقرار وصعوبة السيطرة المركزية على البلاد عبر العصور. هذا الواقع الجغرافي جعل أفغانستان في الوقت نفسه ممراً استراتيجياً بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا، وساحةً دائمة للتنافس بين القوى الإقليمية والدولية.

الثروات الطبيعية

تُعدّ أفغانستان من الدول الغنية بالموارد الطبيعية غير المستغلة بشكل كامل، إذ تمتلك احتياطيات مهمة من المعادن الاستراتيجية مثل الليثيوم والحديد والزنك والنحاس. كما تضم موارد طاقوية واعدة تشمل الغاز الطبيعي والنفط والفحم، إلى جانب ثروة معدنية ثمينة من الأحجار الكريمة مثل الزمرد والياقوت.

وتمنح هذه الثروات البلاد إمكانات اقتصادية كبيرة يمكن أن تشكّل قاعدةً للتنمية والنمو، غير أن استثمارها ظلّ محدوداً بسبب الظروف السياسية والأمنية التي مرت بها البلاد عبر العقود.

السكان

وفقًا لتقديرات عام 1447هـ (2026م)، يبلغ عدد سكان أفغانستان حوالي 45,047,069 نسمة، ما يجعلها في المرتبة 36 عالميًا من حيث عدد السكان، وتشكل نسبة تقارب 0.54% من إجمالي سكان العالم. وتبلغ الكثافة السكانية نحو 69 نسمة لكل كيلومتر مربع (أي ما يعادل 179 شخصًا لكل ميل مربع)، وهي كثافة تُعد منخفضة نسبيًا مقارنة بعدد السكان، وذلك بالنظر إلى المساحة الواسعة للبلاد وطبيعتها الجبلية الوعرة.

وتتسم الكثافة السكانية في أفغانستان بعدم التجانس الجغرافي، إذ تتركز النسبة الأكبر من السكان في الأودية الخصبة والمناطق الحضرية، بينما تقل الكثافة بشكل واضح في المرتفعات الجبلية والصحارى، وهو ما يعكس تأثير التضاريس والمناخ على توزيع السكان وأنماط الاستقرار البشري في البلاد.

أنواع الشعوب والعرقيات والتوزيع

image 4

تتميّز أفغانستان بتنوّعٍ عرقي واسع يُعدّ من أبرز سمات تركيبها الاجتماعي، حيث تتعايش فيها مجموعات سكانية متعددة الأصول واللغات والثقافات. وتشير التقديرات إلى أن أبرز هذه المجموعات هي البشتون بنسبة تقارب (42%)، والطاجيك بنسبة (27%)، والهزارة بنسبة (9%)، والأوزبك بنسبة (9%)، إضافة إلى الأيماق بنسبة (4%)، والتركمان بنسبة (3%)، والبلوش بنسبة (2%)، إلى جانب مجموعات أخرى صغيرة تشكّل نحو (4%) من السكان.

ويعكس هذا التنوع امتداداً تاريخياً طويلًا من التداخل بين شعوب آسيا الوسطى وإيران وشبه القارة الهندية، وهو ما جعل التركيبة السكانية في البلاد معقدة ومتداخلة من حيث اللغة والانتماء الثقافي والجغرافي.

وقد بدأت الحكومة الأفغانية في السنوات الأخيرة اعتماد نظام بطاقات هوية وطنية يتضمن تحديد الانتماء العرقي للمواطنين، وهو ما يُتوقع أن يسهم مستقبلاً في توفير بيانات أدق حول التركيبة السكانية وتوزيع المجموعات العرقية في البلاد.

الديانات والمذاهب

يُعد الإسلام الدين الرئيسي في أفغانستان، حيث يشكّل المسلمون الأغلبية من إجمالي السكان، وهو ما يعكس الطابع الديني العام للمجتمع الأفغاني عبر تاريخه. وينتمي أغلب المسلمين إلى المذهب السني بإطاره العام، بنسبة تتراوح بين 80% و89%، في حين تُقدَّر نسبة الشيعة بما بين 10% و19%، ويتمركز معظمهم ضمن بعض التجمعات السكانية، خاصة من الهزارة في المناطق الوسطى وبعض الأقاليم الأخرى.

تتسم البنية المذهبية في أفغانستان بطابع سنّي غالب، وينتشر بينهم المذهب الحنفي بوصفه الإطار الفقهي السائد تاريخياً، متأثراً بالموروث العلمي لمدارس خراسان وآسيا الوسطى. وقد ارتبط هذا الانتشار في كثير من المناطق بميل عقدي تقليدي يُنسب إلى المدرسة الماتريدية، خاصة في البيئات العلمية في الشمال والغرب، دون أن يكون ذلك توصيفاً إلزامياً أو شاملاً لكل الأفراد.

كما تظهر داخل الإطار السنّي اتجاهات متفاوتة، منها حضور محدود لتيارات سلفية في بعض مناطق الشرق والحدود مع باكستان، إلى جانب انتشار واسع للطرق الصوفية مثل النقشبندية والقادرية التي كان لها تأثير اجتماعي عميق في الحياة الدينية للأفغان.

وفي المقابل، تتركز الأقلية الشيعية بين الهزارة في المناطق الوسطى مثل باميان ودايكندي وأجزاء من غرب كابول، ويتبعون غالباً المذهب الجعفري للرافضة الإمامية الاثني عشرية. وإلى جانب هؤلاء توجد أقلية إسماعيلية محدودة العدد، تنتشر في بعض المناطق الجبلية شمالاً وشمال شرق أفغانستان، ولا سيما في بدخشان وما جاورها.

وقد ظل التعايش بين هذه المذاهب هو القاعدة العامة في المجتمع الأفغاني تاريخياً، رغم ما شهدته البلاد في فترات الصراع من توترات تبدو في ظاهرها دينية، حيث إن البنية الاجتماعية التقليدية كانت تميل إلى تغليب الانتماء القبلي والوطني على الانقسام المذهبي.

ورغم التعدد المذهبي بين السنة والشيعة وما يندرج تحتهما من مدارس واتجاهات، فإن أفغانستان ظلت واحدة من أكثر البلدان تمسّكا بالهوية الإسلامية؛ فلم تعرف البلاد وجوداً مؤثراً أو واسع الانتشار لمؤسسات دينية غير إسلامية. وإنما بقيت التباينات الدينية محصورة في الغالب ضمن تقسيمات الفرق الإسلامية، عبر مختلف المراحل التاريخية.

اللغات

تُعد الباشتو والداري اللغتين الرسميتين في أفغانستان. والداري هو الاسم المحلي للفارسية الأفغانية، ويُعد أحد الفروع الرئيسة للغة الفارسية إلى جانب الفارسية الإيرانية (الفارسية الفارسية) والطاجيكية في آسيا الوسطى، وهما – الباشتو والداري – الأكثر استخدامًا في الإدارة والتعليم والإعلام. وتنتشر اللغة الداري بشكل واسع في المناطق التي يقطنها الطاجيك والهزارة، كما تُستخدم كلغة تواصل مشترك في عدد كبير من المدن والمراكز الحضرية، في حين تسود اللغة الباشتو في مناطق البشتون، خاصة في الجنوب والشرق من البلاد.

إلى جانب ذلك، توجد لغات أخرى مهمة يتحدث بها سكان البلاد بحسب التوزيع العرقي والجغرافي، مثل اللغة الأوزبكية لدى الأوزبك، والتركمانية لدى التركمان، إضافة إلى لغات محلية أخرى في بعض المناطق الجبلية والشمالية. ويُلاحظ أن نسبة كبيرة من السكان يتقنون أكثر من لغة واحدة، نتيجة التداخل العرقي والتواصل المستمر بين مختلف المجموعات السكانية، مما يجعل المشهد اللغوي في أفغانستان متنوعًا ومرنًا في آنٍ واحد.

أبرز ملامح الثقافة والتاريخ الأفغاني

تتمتع أفغانستان بتاريخٍ عريق جعلها عبر القرون نقطةً محورية على طريق الحرير القديم، مما منحها دوراً مهماً كممرّ للتجارة والتبادل الحضاري بين الشرق والغرب. وقد تعاقبت على أراضيها إمبراطوريات متعددة، وشهدت موجات متتالية من الغزوات والتحولات السياسية، وهو ما أسهم في تشكيل هوية ثقافية غنية ومتنوعة تجمع بين التأثيرات الفارسية والتركية والهندية والإسلامية.

ويُعرف الشعب الأفغاني بخصال اجتماعية بارزة، في مقدمتها كرم الضيافة والاحترام العميق للضيف، حيث يُعد إكرام الزائر جزءاً أصيلاً من القيم الاجتماعية المتوارثة، ويُنظر إليه كواجب أخلاقي وثقافي وديني.

كما يحتل الشعر مكانة مركزية في الثقافة الأفغانية، إذ يُعد وسيلة رئيسية للتعبير عن المشاعر وتوثيق الأحداث ونقل القيم، وقد ظل الشعر حاضراً في الحياة الاجتماعية لأكثر من ألف عام، خاصة عبر اللغات المحلية.

ومن الجوانب اللافتة في التاريخ السياسي الحديث لأفغانستان كثرة تغيّر رموزها السيادية، حيث يُشار إلى أن العلم الأفغاني تغيّر مرات عديدة خلال العقود الماضية، في انعكاس مباشر للتقلبات السياسية والتحولات الكبرى التي شهدتها البلاد.

ويُضاف إلى ذلك أن الثقافة الأفغانية تتميز بتداخل قوي بين البعد القبلي والديني والاجتماعي، حيث تلعب الأعراف القبلية دوراً مهماً في تنظيم العلاقات داخل المجتمع، إلى جانب التأثير العميق للمذاهب الإسلامية في مختلف جوانب الحياة اليومية، من العادات والتقاليد إلى النظام الاجتماعي والقيمي.

تاريخ الإسلام في أفغانستان

مسجد الحاج بيادا وهو من أقدم المباني الإسلامية في أفغانستان ويُعرف أيضًا باسم مسجد نوح قنباد (مسجد التسع قباب). بُني في القرن التاسع الميلادي قرب مدينة بلخ التاريخية.

ننتقل الآن إلى تتبّع دخول الإسلام إلى أفغانستان، وهو امتداد طبيعي لتاريخ الفتح الإسلامي في بلاد فارس، الذي سبق تناوله في مقال “الإسلام في إيران”. فالتاريخ في هذه المنطقة لم يكن معزولاً أو منفصلاً، بل كان سلسلة مترابطة من التحولات التي انتقلت عبر الجغرافيا المفتوحة لآسيا الوسطى، حيث تداخلت حدود النفوذ بين فارس شرقاً وما وراء النهر شمالاً، وصولاً إلى أراضي أفغانستان الحالية.

وقد بدأ وصول الإسلام إلى هذه المنطقة في سياق الفتوحات الإسلامية في القرن الأول الهجري، عندما توسعت الدولة الإسلامية شرقاً بعد تثبيت حكمها في العراق وفارس. ومع سقوط الإمبراطورية الساسانية، تحركت الجيوش الإسلامية تدريجياً نحو خراسان وما جاورها، لتصبح هذه المناطق جسراً لنشر الإسلام نحو الداخل الآسيوي. ولم يكن دخول الإسلام إلى أفغانستان حدثاً مفاجئاً، بل عملية تاريخية تدريجية تداخل فيها الفتح العسكري مع الدعوة والتجارة والاحتكاك الثقافي، حتى أصبحت البلاد لاحقاً جزءاً من العالم الإسلامي، ثم مركزاً مهماً من مراكزه العلمية والحضارية في عصور لاحقة.

وتُعد خراسان من أقدم الأقاليم الإسلامية وأكثرها أثرًا في تاريخ الأمة، وقد دخلت تحت سلطان المسلمين في مرحلة مبكرة من الفتوحات الإسلامية. فبعد انهيار الدولة الساسانية إثر معركتي القادسية ونهاوند، اتجهت جيوش المسلمين شرقًا نحو بلاد فارس وما وراءها، وتمكن القائد عبد الله بن عامر في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه من فتح أجزاء واسعة من خراسان نحو سنة 31هـ/651م، لتدخل بذلك ضمن أراضي الخلافة الإسلامية في العصر الراشدي.

غير أن إخضاع الإقليم بصورة كاملة وتثبيت الحكم الإسلامي فيه احتاج إلى سنوات طويلة بسبب اتساع مساحته وتعدد شعوبه وبعده عن مركز الخلافة. ولذلك شهد العصر الأموي استكمال عملية الفتح وترسيخ النفوذ الإسلامي، خاصة في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي وولاته على خراسان، وعلى رأسهم القائد الشهير قتيبة بن مسلم الباهلي، الذي انطلقت في عهده الفتوحات إلى ما وراء النهر، فدخلت بخارى وسمرقند وغيرها من مدن آسيا الوسطى في دائرة الحضارة الإسلامية.

ومع مرور الزمن أصبحت خراسان إحدى أهم ولايات الدولة الإسلامية علميًا وعسكريًا وسياسيًا، وخرج منها عدد كبير من العلماء والقادة والمجاهدين. كما اكتسبت مكانة خاصة في التاريخ العباسي، إذ كانت مهد الدعوة العباسية ومنطلق الثورة التي أسقطت الدولة الأموية سنة 132هـ، بقيادة أبي مسلم الخراساني. ولهذا ارتبط اسم خراسان في الذاكرة الإسلامية بالفتوحات والجهاد والعلم والدول الإسلامية الكبرى، وبقي الإقليم أحد أبرز مراكز الحضارة الإسلامية عبر القرون.

وعليه فإن ضم خراسان إلى الخلافة الإسلامية بدأ فعليًا في عهد الخلفاء الراشدين، بينما اكتمل تثبيت الحكم الإسلامي وتوسع نفوذه فيها خلال العصر الأموي، ثم تحولت في العصر العباسي إلى أحد أهم أقاليم العالم الإسلامي وأكثرها تأثيرًا في مساره السياسي والعلمي.

وبعد مرحلة الفتوحات الإسلامية ودخول الإسلام إلى خراسان وما جاورها، بدأت المنطقة التي تشكّل اليوم أفغانستان تدخل طوراً جديداً من تاريخها، اتسم بتعدد مراكز النفوذ وتداخل السلطات، دون أن تتبلور فيها دولة موحدة بحدود مستقرة كما هو الحال في العصر الحديث. فقد كانت هذه الأرض، بحكم موقعها الجغرافي بين إيران وبلاد ما وراء النهر وشبه القارة الهندية، ساحة مفتوحة لتقاطع الإمبراطوريات وتنازع القوى الإقليمية، حيث تتبدل السيطرة فيها تبعاً لموازين القوة العسكرية والسياسية.

تاريخ مزدحم بالسيادات

تمتد جذور أفغانستان الحضارية إلى عصور ما قبل التاريخ، حيث كشفت الآثار عن استيطان بشري يعود إلى عشرات الآلاف من السنين، ثم نشأت فيها مراكز حضرية مزدهرة تطورت مع تقدم الزمن. وبفضل موقعها المتوسط بين إيران وآسيا الوسطى وشبه القارة الهندية، تعاقبت عليها إمبراطوريات كبرى كالأخمينيين واليونان والسلوقيين والكوشانيين والساسانيين، كما ازدهرت فيها التجارة عبر طريق الحرير وانتشرت فيها الديانات القديمة كالزرادشتية والبوذية والهندوسية.

ومع الفتوحات الإسلامية في القرن الأول الهجري دخلت البلاد في الفضاء الإسلامي، وأصبحت جزءاً من خراسان الكبرى، ثم شهدت قيام دول إسلامية بارزة كالغزنوية والغورية التي جعلت من أفغانستان مركزاً للعلم والجهاد ونشر الإسلام في الهند. وبعد اجتياح المغول وما خلفوه من دمار، نهضت البلاد مجدداً في العهد التيموري، قبل أن تنجح القبائل الأفغانية في القرن الثامن عشر في تأسيس دولة مستقلة بقيادة أحمد شاه الدراني، الذي يُعد مؤسس أفغانستان الحديثة، لتدخل البلاد بعدها مرحلة الصراع مع القوى الإقليمية والدولية، ولا سيما بريطانيا وروسيا، في سبيل الحفاظ على استقلالها وهويتها الإسلامية.

سنحاول فيما يلي الغوص في أهم محطات هذا التاريخ المزدحم.

أفغانستان… قبل ميلاد الدولة

قبل أن تظهر أفغانستان على خريطة العالم كدولةٍ مستقلة ذات حدودٍ معروفة، كانت أرضها مسرحًا لتقاطع الإمبراطوريات وتدافع القوى الكبرى. فلم تكن البلاد التي نعرفها اليوم باسم أفغانستان كيانًا سياسيًا موحدًا، بل كانت أقاليم متفرقة تتنازعها دول الجوار؛ فتارةً تخضع لنفوذ الفرس، وتارةً تمتد إليها يد السلاطين في الهند، وبين الحين والآخر كانت قبائل الأوزبك تتوغل في سهولها ومدنها الشمالية. وكانت الحدود تتغير تبعًا لقوة الحاكم وضعفه، فترتسم بالسيف حينًا وتمحى بانكساره حينًا آخر.

وفي أواخر القرن الثامن الهجري دخلت هذه البلاد تحت سلطان التيموريين، الذين بسطوا نفوذهم على مساحة واسعة من آسيا الوسطى. لكن دولتهم، كغيرها من الدول الكبرى، لم تسلم من عوامل التفرق بعد وفاة مؤسسها، فانقسمت إلى إمارات متنازعة. فكانت هراة جزءًا من خراسان تحت حكم السلالة التيمورية، بينما تمكن ظهير الدين محمد بابر من إخضاع كابل وغزنة لسلطانه، قبل أن يتجه إلى الهند ويؤسس فيها الدولة المغولية الشهيرة، لتبقى كابل وغزنة مرتبطتين بحكمه وحكم أبنائه من بعده.

وخلال القرون التالية أصبحت أرض الأفغان ساحة صراع دائم بين الصفويين في فارس، والمغول في الهند، والأوزبك في الشمال. فتناوبت هذه القوى السيطرة على مدنها الكبرى، ولا سيما قندهار التي غدت عقدة المواصلات ومفتاح النفوذ بين الشرق والغرب. وكانت كل قوة ترى في السيطرة عليها ضمانًا لأمن حدودها وتوسيعًا لمجال سلطانها.

غير أن روح الاستقلال بدأت تنبض في هذه الأرض مع مطلع القرن الثاني عشر الهجري، حين قاد مير أويس في قندهار ثورة ناجحة ضد الحكم الصفوي، فطرد الولاة المعينين من قبل فارس وأسس نواة حكم أفغاني مستقل. ولم تلبث هراة أن سارت في الاتجاه ذاته، إذ تحركت القبائل الدورانية هناك لتنشئ كيانًا محليًا يقف في وجه النفوذ الفارسي، فبدأت ملامح مشروع أفغاني ناشئ تتشكل لأول مرة.

ثم جاء مير محمود، ابن مير أويس، فحمل طموح الأفغان إلى مدى أبعد مما توقعه معاصروه. فقد تمكن من هزيمة الصفويين ودخل عاصمتهم أصفهان سنة 1135هـ، في حدثٍ هز المنطقة بأسرها وأظهر قدرة القبائل الأفغانية على التحول إلى قوة إقليمية مؤثرة. إلا أن الصراعات الداخلية، وتدخل القوى الخارجية، وتحالف الروس والعثمانيين مع أطراف مختلفة في النزاع، كلها عوامل أدت إلى تراجع هذا النفوذ الناشئ.

وفي خضم هذه الاضطرابات برز نادر خان، الذي استطاع إعادة بناء القوة الفارسية، فهزم الأفغان واستعاد هراة ومشهد وأصفهان، ثم واصل زحفه حتى دخل قندهار وكابل وغزنة، لتعود بلاد الأفغان مرة أخرى تحت سلطة خارجية قوية.

لكن التاريخ كان يخبئ لهذه البلاد صفحة جديدة. ففي عام 1160هـ قُتل نادر خان، وما إن عاد الجنود الأفغان الذين كانوا في جيشه إلى قندهار حتى اجتمعوا على قائدهم أحمد شاه العبدلي، أحد زعماء القبائل الدورانية. وهناك، وسط التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة، أُعلنت ولادة الدولة الأفغانية الحديثة، لتبدأ أفغانستان منذ ذلك الحين رحلتها ككيان سياسي مستقل، بعد قرون طويلة من التبعية والصراع بين الإمبراطوريات.

image 8

تعود أصول قلعة بست إلى عصور قديمة سابقة للإسلام يُقدَّر عمرها بنحو ثلاثة آلاف إلى ثلاثة آلاف وخمسمائة عام، ثم تحولت بعد الفتح الإسلامي إلى إحدى أهم مدن خراسان، وبلغت أوج ازدهارها في العصر الغزنوي خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين، ولا يزال قوس بست الشهير شاهداً على مكانتها التاريخية والحضارية.

الدولة الدورانية

image 6

الدولة الدرانية في أقصى اتساعها تحت حكم أحمد شاه دراني

مع تولي أحمد شاه العبدلي (الدراني) الحكم سنة 1160هـ/1747م بدأت أفغانستان تدخل مرحلة الدولة الموحدة لأول مرة في تاريخها الحديث. فقد نجح في جمع القبائل الأفغانية المتفرقة تحت راية واحدة، ثم وسّع حدود دولته لتشمل قندهار وكابل وهرات وبلخ، وامتد نفوذها إلى لاهور والملتان وكشمير وأجزاء واسعة من شمال الهند، حتى غدت الدولة الدرانية إحدى أبرز القوى الإسلامية في آسيا، ولذلك يُعد أحمد شاه الدراني المؤسس الحقيقي للدولة الأفغانية الحديثة.

غير أن هذه الدولة القوية لم تحافظ على تماسكها بعد وفاته سنة 1186هـ/1772م، إذ دخل أبناؤه وأحفاده في صراعات متواصلة على العرش، فتعدد الحكام وضعفت السلطة المركزية، وبدأت أطراف الدولة تتآكل تدريجيًا. وفي هذه الأثناء برزت أسرة محمد زائي بين القبائل الأفغانية قوةً سياسيةً وعسكريةً صاعدة، بينما خسرت الدولة الدرانية كثيرًا من أراضيها الشرقية لصالح السيخ في البنجاب.

ومن أبرز ملوك هذه المرحلة شاه شجاع (شجاع الملك)، أحد حكام الأسرة الدرانية، الذي أُقصي عن الحكم واضطر إلى اللجوء إلى الهند الخاضعة للنفوذ البريطاني. وفي الوقت نفسه تمكن الأمير دوست محمد خان، زعيم أسرة محمد زائي، من بسط نفوذه على كابل وأجزاء واسعة من البلاد، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من تاريخ أفغانستان تزامنت مع اشتداد التنافس بين الإمبراطورية البريطانية في الهند والإمبراطورية الروسية في آسيا الوسطى، وهو الصراع الذي عُرف لاحقًا باسم «اللعبة الكبرى».

وخشيت بريطانيا من تنامي النفوذ الروسي في كابل، فقررت التدخل عسكريًا سنة 1255هـ/1839م، وأعادت شاه شجاع إلى العرش تحت حماية قواتها أملاً في إقامة نظام موالٍ لها. لكن الأفغان رأوا في ذلك احتلالًا أجنبيًا وتدخلًا في شؤون بلادهم، فاندلعت المقاومة في مختلف المناطق، وانتهت الحملة البريطانية بكارثة عسكرية مدوية سنة 1258هـ/1842م حين أُبيد معظم الجيش البريطاني أثناء انسحابه من كابل، وسقط حكم شاه شجاع، وعاد الأمير دوست محمد خان إلى السلطة، لتثبت أفغانستان مرة أخرى قدرتها على مقاومة القوى الكبرى رغم فارق الإمكانات.

وبعد وفاة دوست محمد خان سنة 1280هـ/1863م تولى ابنه الأمير شير علي خان الحكم، ودخل في صراعات داخلية قبل أن يثبت سلطته. وكان عليه أن يدير بلاده وسط احتدام المنافسة الروسية البريطانية، فحاول اتباع سياسة التوازن بين الطرفين حفاظًا على استقلال أفغانستان. غير أن بريطانيا رأت في انفتاحه على الروس تهديدًا لمصالحها، فشنت الحرب الأفغانية البريطانية الثانية سنة 1295هـ/1878م. ورغم نجاح القوات البريطانية في تحقيق بعض المكاسب العسكرية، فإن المقاومة الأفغانية المستمرة جعلت السيطرة المباشرة على البلاد أمرًا مستحيلًا، وانتهت الحرب بانسحاب بريطانيا مع احتفاظها بنفوذ محدود في السياسة الخارجية الأفغانية.

وفي أعقاب هذه الاضطرابات تولى الأمير عبد الرحمن خان الحكم سنة 1297هـ/1880م، فعمل على إعادة بناء الدولة وترسيخ السلطة المركزية وإخضاع القوى القبلية المحلية. وخلال عهده رُسمت الحدود السياسية لأفغانستان بصورة قريبة من حدودها الحالية، ولا سيما بعد اتفاقية خط دوراند سنة 1310هـ/1893م، فأصبحت البلاد منطقةً عازلة تفصل بين النفوذ الروسي في الشمال والنفوذ البريطاني في الهند جنوبًا.

واستمر حكم أسرة محمد زائي بعد ذلك حتى برز الأمير أمان الله خان، حفيد عبد الرحمن خان، الذي اعتلى العرش سنة 1337هـ/1919م عقب الحرب العالمية الأولى. ورأى أمان الله أن الفرصة أصبحت مواتية لإنهاء ما تبقى من الهيمنة البريطانية، فأعلن الحرب الأفغانية البريطانية الثالثة. ورغم قصر أمد الحرب، فقد انتهت باعتراف بريطانيا الكامل باستقلال أفغانستان في شؤونها الخارجية، لتدخل البلاد مرحلة جديدة بوصفها دولة مستقلة ذات سيادة كاملة، بعد قرابة قرن من الصراع مع الإمبراطورية البريطانية والتنافس الدولي على أرضها.

الحروب مع بريطانيا في أفغانستان

شكّلت الحروب الأفغانية البريطانية واحدة من أهم المحطات المفصلية في تاريخ أفغانستان الحديث، إذ لم تكن مجرد مواجهات عسكرية محدودة، بل سلسلة من الصراعات الكبرى التي عكست طبيعة التنافس الإمبراطوري بين بريطانيا القيصرية في الهند وروسيا القيصرية في آسيا الوسطى، أو ما عُرف بـ “اللعبة الكبرى”. وقد وجدت أفغانستان نفسها في قلب هذا الصراع الجيوسياسي بوصفها حاجزاً طبيعياً بين القوتين، وساحةً محتملة لتمدد النفوذ نحو الهند من جهة، ونحو آسيا الوسطى من جهة أخرى.

أولاً: الخلفية التاريخية للصراع

في القرن التاسع عشر، كانت الإمبراطورية البريطانية قد رسخت سيطرتها على شبه القارة الهندية، وأصبحت تعتبر أمن حدود الهند أولوية استراتيجية قصوى. وفي المقابل كانت روسيا القيصرية تتوسع جنوباً في آسيا الوسطى، مما أثار مخاوف البريطانيين من احتمال اقتراب النفوذ الروسي من حدود الهند عبر أفغانستان. ومن هنا نشأت سياسة “الدولة العازلة”، حيث رأت بريطانيا ضرورة أن تكون أفغانستان دولة خاضعة لنفوذها أو على الأقل محايدة تمنع التماس المباشر مع روسيا.

لكن الواقع السياسي الأفغاني، القائم على تعدد القبائل وضعف السلطة المركزية، جعل من هذه السياسة أمراً صعب التحقيق، وهو ما دفع بريطانيا إلى التدخل العسكري المباشر أكثر من مرة.

ثانياً: الحرب الأفغانية البريطانية الأولى: 1255–1258هـ / 1839–1842م

تُعد هذه الحرب البداية الفعلية للصدام بين أفغانستان وبريطانيا. فقد قررت بريطانيا التدخل لإعادة الأمير شاه شجاع إلى الحكم بدلاً من الأمير دوست محمد خان، في محاولة لضمان حكومة موالية لها في كابل.

دخلت القوات البريطانية كابل عام 1255هـ / 1839م، وتم تنصيب شاه شجاع، إلا أن السيطرة البريطانية واجهت مقاومة شعبية وقبلية واسعة. ومع تصاعد التمرد في كابل والمناطق المحيطة، اندلعت انتفاضة كبرى أجبرت القوات البريطانية على الانسحاب عام 1258هـ / 1842م في واحدة من أشهر الكوارث العسكرية في تاريخها، حيث تعرض الجيش المنسحب لمجزرة قاسية أثناء انسحابه عبر الممرات الجبلية، ولم ينجُ إلا عدد قليل من الجنود.

وقد شكلت هذه الحرب أول صدمة كبرى لبريطانيا في أفغانستان، ورسخت في الذاكرة التاريخية فكرة صعوبة إخضاع البلاد.

ثالثاً: الحرب الأفغانية البريطانية الثانية: 1295–1298هـ / 1878–1880م

جاءت هذه الحرب في سياق تصاعد التنافس مع روسيا، حينما حاولت بريطانيا فرض وجود دبلوماسي وعسكري داخل أفغانستان، لكن الأمير شير علي خان رفض استقبال بعثة بريطانية، بينما استقبل بعثة روسية، مما اعتبرته بريطانيا تهديداً مباشراً لنفوذها.

اندلعت الحرب ودخلت القوات البريطانية عدة مناطق أفغانية، وانتهت بفرض معاهدة غانداماك عام 1296هـ / 1879م، التي منحت بريطانيا السيطرة على السياسة الخارجية لأفغانستان، وأقرت بوجود ممثل بريطاني في كابل. غير أن هذا الاتفاق لم ينهِ التوتر، إذ سرعان ما اندلعت مقاومة جديدة أدت إلى اضطرابات واسعة، وانتهت بتثبيت الأمير عبد الرحمن خان حاكماً على البلاد، مع احتفاظه بقدر من الاستقلال الداخلي مقابل تنازلات في السياسة الخارجية.

رابعاً: الحرب الأفغانية البريطانية الثالثة: 1337هـ / 1919م

تُعد هذه الحرب نقطة التحول الكبرى في العلاقة بين أفغانستان وبريطانيا، إذ جاءت في عهد الأمير أمان الله خان الذي أعلن الاستقلال الكامل عن النفوذ البريطاني بعد اغتيال والده حبيب الله خان.

اندلعت الحرب لفترة قصيرة لكنها كانت حاسمة، حيث لم تستطع بريطانيا، التي خرجت منهكة من الحرب العالمية الأولى، الاستمرار في القتال، فاضطرت إلى قبول مفاوضات أسفرت عن توقيع معاهدة روالبندي عام 1337هـ / 1919م، والتي اعترفت فعلياً باستقلال أفغانستان في سياستها الخارجية.

وبذلك انتهى النفوذ البريطاني المباشر، لتبدأ مرحلة جديدة من بناء الدولة الأفغانية المستقلة.

خامساً: نتائج الحروب وأثرها على أفغانستان

أفرزت الحروب الأفغانية البريطانية مجموعة من النتائج العميقة، من أبرزها:

  • ترسيخ استقلال أفغانستان السياسي عن السيطرة البريطانية المباشرة.
  • تعزيز الشعور الوطني الأفغاني في مواجهة القوى الخارجية.
  • إبراز صعوبة إخضاع البلاد بسبب طبيعتها الجغرافية الجبلية وتركيبتها القبلية.
  • تثبيت أفغانستان كدولة عازلة بين الإمبراطوريتين الروسية والبريطانية.
  • إدخال البلاد في دائرة التنافس الدولي الذي استمر بأشكال مختلفة لاحقاً.

لم تكن الحروب مع بريطانيا مجرد مواجهات عسكرية، بل كانت لحظة تأسيسية في تشكيل الدولة الأفغانية الحديثة، حيث تبلورت خلالها ملامح الهوية السياسية للبلاد، ورسخت فكرة الاستقلال في الوعي الجمعي الأفغاني، رغم استمرار التحديات الداخلية والخارجية التي واجهتها البلاد في المراحل اللاحقة.

الاستقلال الأفغاني

شكّل الاستقلال في أفغانستان محطة مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، إذ جاء تتويجًا لمسار طويل من الصراع مع القوى الاستعمارية، وفي مقدمتها بريطانيا التي كانت قد بسطت نفوذها على شبه القارة الهندية، واعتبرت أفغانستان منطقة عازلة لحماية مصالحها في الهند البريطانية من أي تمدد روسي محتمل. وبعد أن دخلت أفغانستان في سلسلة من المواجهات السياسية والعسكرية التي عُرفت تاريخيًا بـ«الحروب الأفغانية البريطانية»، انتهت هذه الحروب بتحقيق أثر عميق في تشكيل الوعي السياسي الأفغاني وترسيخ فكرة الاستقلال والسيادة الأفغانية.

وبعد الحرب الأفغانية الثالثة عام 1337هـ / 1919م، برزت نقطة التحول الحاسمة حين تولى الأمير أمان الله خان الحكم، مستندًا إلى حالة من الوعي الوطني المتنامي داخل البلاد، وإلى ظروف دولية كانت قد أضعفت بريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى. وفي هذا السياق أعلن أمان الله خان استقلال أفغانستان في 19 أغسطس 1919م، وهو الإعلان الذي اعتُبر بداية التحول من وضع الدولة شبه التابعة في علاقاتها الخارجية إلى دولة مستقلة ذات سيادة كاملة.

وقد أعقب إعلان الاستقلال اتفاقية روالبندي التي وقعتها بريطانيا مع أفغانستان في العام نفسه، والتي اعترفت بموجبها بريطانيا باستقلال السياسة الخارجية الأفغانية، لتصبح كابل قادرة على إدارة علاقاتها الدولية دون وصاية خارجية مباشرة. وبذلك انتهى رسميًا النفوذ البريطاني الذي كان يسعى لفرض نوع من الحماية غير المعلنة على البلاد، وبدأت مرحلة جديدة من بناء الدولة الحديثة.

لكن الاستقلال لم يكن حدثًا لحظيًا فحسب، بل كان بداية لتحديات داخلية عميقة. فقد واجهت الدولة الناشئة صعوبات في توحيد القبائل، وتحديث المؤسسات، وإرساء نظام إداري مستقر، إضافة إلى مقاومة بعض القوى التقليدية لأي تغيير سريع. كما أن الموقع الجغرافي المعقد والتنوع العرقي الواسع جعلا من عملية بناء الدولة مهمة شديدة التعقيد.

ومع ذلك، يبقى الاستقلال الأفغاني في عام 1337هـ / 1919م نقطة تحول تاريخية كبرى، إذ نقل البلاد من مرحلة التوازنات الاستعمارية إلى مرحلة السعي لبناء دولة ذات قرار مستقل، وأسس لوعي سيادي ظل حاضرًا في مختلف المراحل اللاحقة من تاريخ أفغانستان، رغم ما شهده من اضطرابات وصراعات داخلية وخارجية.

أفغانستان قبل الحكم الشيوعي

image

شاه أمان الله خان

شكّل استقلال أفغانستان الكامل عن بريطانيا عام 1337هـ / 1919م نقطة تحول مفصلية في تاريخ البلاد الحديث. فقد خرجت الدولة من دائرة الوصاية الأجنبية إلى فضاء السيادة السياسية، وبرز الملك أمان الله خان بوصفه قائد مرحلة جديدة تطمح إلى بناء دولة قوية وحديثة قادرة على مواكبة التحولات التي يشهدها العالم.

سعى أمان الله خان إلى تنفيذ سلسلة من الإصلاحات الإدارية والتعليمية والاجتماعية، وأراد أن ينقل بلاده إلى مصاف الدول الحديثة. غير أن إعجابه المتزايد بالنموذج الأوروبي، خاصة بعد رحلاته الخارجية، دفعه إلى تبني إصلاحات سريعة وجذرية لم تكن منسجمة مع طبيعة المجتمع الأفغاني المحافظ. فبدأت الفجوة تتسع بين السلطة وقطاعات واسعة من الشعب التي رأت في الكثير من تلك التوجهات خروجًا على القيم الدينية والتقاليد الراسخة. ومع تصاعد الاضطرابات والتمردات الداخلية فقد الملك سيطرته على الأوضاع، واضطر إلى مغادرة البلاد عام 1347هـ / 1929م، لتنتهي بذلك مرحلة اتسمت بالتحدي الكبير والجدل الواسع.

وشهدت أفغانستان في هذا العام اضطرابات واسعة انتهت بتنازل الملك أمان الله خان عن العرش، ثم سيطرة حبيب الله كلكاني على كابل لفترة قصيرة، قبل أن يتمكن محمد نادر شاه من استعادة السلطة وتأسيس مرحلة جديدة من تاريخ الدولة الأفغانية في أواخر 1348هـ/1929م.

image 1

ولد محمد ظاهر شاه في 15 أكتوبر 1914، وخلف والده كملك في عام 1933، في سن التاسعة عشرة.

وتمكن محمد نادر شاه من إعادة الاستقرار وتوحيد البلاد وإحياء مؤسسات الدولة. لكن حكمه انتهى باغتياله، ليخلفه ابنه محمد ظاهر شاه الذي حكم أفغانستان نحو أربعة عقود، وهي من أطول فترات الحكم استقرارًا في تاريخ البلاد المعاصر.

وخلال عهد ظاهر شاه حافظت أفغانستان رسميًا على سياسة الحياد في خضم الصراع الدولي بين الشرق والغرب، إلا أن موقعها الجغرافي جعلها هدفًا للتنافس بين القوتين العظميين خلال الحرب الباردة. وبينما استمرت علاقاتها مع الدول الغربية، أخذ النفوذ السوفيتي يتوسع بصورة متزايدة من خلال المساعدات الاقتصادية والعسكرية، ومشروعات البنية التحتية، وبرامج التدريب والتأهيل التي شملت قطاعات واسعة من الجيش والإدارة.

وفي الوقت نفسه شهد المجتمع الأفغاني تحولات فكرية وثقافية متسارعة. فقد ظهرت نخب متأثرة بالأفكار القومية والعلمانية والاشتراكية، وسعت إلى إعادة تشكيل الحياة السياسية والاجتماعية وفق تصورات مستوردة من الخارج. وفي المقابل ظل المجتمع الأفغاني في عمومه محافظًا على هويته المحافظة العميقة، الأمر الذي أوجد حالة من التوتر الفكري بين التيارات الوافدة والقيم الراسخة في وجدان الشعب الأفغاني.

ومع اتساع النشاط اليساري داخل الجامعات ومؤسسات الدولة، بدأت تتشكل في أوساط العلماء والطلاب والمثقفين نواة حركة إسلامية ناشئة هدفت إلى حماية الهوية الإسلامية ومواجهة المد الشيوعي المتصاعد. وقد أسهمت هذه الصحوة في رفع مستوى الوعي بين شرائح واسعة من الشباب، وأصبحت مع مرور الوقت أحد أهم العوامل المؤثرة في الحياة السياسية الأفغانية.

image 2

محمد داود خان

وفي هذه الأثناء برز محمد داود خان، ابن عم الملك ظاهر شاه ورئيس وزرائه السابق، بوصفه أحد أبرز الطامحين إلى السلطة. واستفاد من تنامي نفوذ الضباط المقربين من الاتحاد السوفيتي داخل القوات المسلحة، فقاد انقلابًا عسكريًا عام 1973م أثناء وجود الملك خارج البلاد، منهياً بذلك النظام الملكي الذي حكم أفغانستان لعقود طويلة، ومعلنًا قيام الجمهورية الأفغانية.

لتنتهي بذلك مرحلة طويلة من الحكم الملكي امتدت قرابة أربعين عامًا. وقد عاش ظاهر شاه بعدها في المنفى لفترة طويلة، قبل أن يعود إلى أفغانستان في مرحلة لاحقة من حياته بعد تغيرات سياسية جديدة.

ومع كل ما شاب تلك المرحلة من محدودية في الإصلاحات، فإن عهد ظاهر شاه يُنظر إليه تاريخيًا بوصفه فترة توازن نسبي واستقرار سياسي مقارنة بما أعقبها من اضطرابات، كما أنه شكّل مرحلة انتقالية مهمة في مسار الدولة الأفغانية بين النظام التقليدي وبدايات الدولة الحديثة.

وصل محمد داود إلى الحكم مستندًا إلى تحالف ضم شخصيات قومية ويسارية وعناصر ذات صلات وثيقة بالسوفييت، إلا أنه سرعان ما أدرك خطورة تنامي نفوذهم داخل أجهزة الدولة. فبدأ بمحاولة إعادة التوازن إلى السياسة الخارجية الأفغانية عبر توثيق علاقاته بالدول الإسلامية والعربية والحد من الاعتماد على موسكو. غير أن هذا التحول أثار مخاوف القوى الشيوعية التي كانت قد رسخت وجودها داخل الجيش والإدارة، لتدخل أفغانستان مرحلة جديدة من الصراع السياسي الحاد.

وهكذا، ومع نهاية عهد محمد داود خان، كانت البلاد قد أصبحت ساحة لصراع متشابك بين التوجهات الإسلامية والقومية والشيوعية، وبين المصالح الدولية المتنافسة على أرضها. وكانت هذه التوترات المتراكمة تمهد لواحدة من أخطر المراحل في تاريخ أفغانستان الحديث، وهي المرحلة التي ستشهد الانقلاب الشيوعي ثم التدخل السوفيتي المباشر وما أعقبه من جهاد طويل غيّر وجه المنطقة بأسرها.

الحكم الشيوعي والغزو السوفيتي

شهدت أفغانستان في أواخر عهد محمد داود خان صراعاً متصاعداً بين السلطة والجماعات الشيوعية التي كانت قد تغلغلت في الجيش والإدارة بدعم مباشر من الاتحاد السوفيتي. ومع ازدياد الشكوك المتبادلة بين الطرفين، بدأ كل فريق يستعد لإقصاء الآخر.

وفي في ربيع الآخر وجمادى الأولى سنة 1398هـ (نيسان/أبريل 1978م)، وقعت سلسلة اغتيالات سياسية استغلها الشيوعيون لتأليب أنصارهم وتهيئة الأجواء للانقلاب. وعندما بادر محمد داود إلى اعتقال عدد من قادة الحزب الشيوعي، تحرك الضباط الموالون لهم داخل الجيش ونفذوا انقلاباً عسكرياً عُرف باسم «ثورة ثور» أو «ثورة ساور» في 27 أبريل، انتهى بمقتل محمد داود ومعظم أفراد أسرته داخل القصر الجمهوري، وسقوط النظام الجمهوري الذي أسسه قبل خمس سنوات.

يُعدّ محمد داود خان من الشخصيات المحورية في التاريخ السياسي الحديث لأفغانستان، إذ ارتبط اسمه بنهاية النظام الملكي وبداية التحول نحو النظام الجمهوري، في مرحلة اتسمت بتصاعد التوترات الفكرية والسياسية داخل البلاد.

انتهت فترة حكمه بشكل دموي لتبدأ بعده مرحلة جديدة أكثر اضطرابًا في تاريخ أفغانستان، عرفت صعود الحكم الشيوعي ثم التدخل السوفييتي المباشر.

image 3

نور محمد تراقي

تسلّم نور محمد تراقي بعد ذلك السلطة وأعلن قيام حكم شيوعي صريح، فباشرت الحكومة الجديدة حملة واسعة لإعادة تشكيل المجتمع الأفغاني وفق المبادئ الماركسية. رافق ذلك قمع شديد للمعارضين، واعتقالات وإعدامات واسعة طالت العلماء والدعاة ووجهاء القبائل والآلاف من عامة الناس، مما أدى إلى انتشار الخوف والاضطراب في أنحاء البلاد.

غير أن النظام الجديد لم ينجح في تثبيت أركانه؛ فقد اندلعت الثورات والانتفاضات في عدد من الأقاليم، وبدأت الحركات الإسلامية تتشكل بصورة أكثر تنظيماً، مستندة إلى الهوية الإسلامية الراسخة للمجتمع الأفغاني ورفضه للأفكار الشيوعية. وفي الوقت نفسه تفجرت الخلافات داخل الحزب الحاكم نفسه بين جناحيه الرئيسيين: «خلق» و«برشام»، وتحولت المنافسة إلى صراع على السلطة.

image 4

حفيظ الله أمين

وفي خضم هذه الاضطرابات تصاعد النفوذ السوفيتي داخل البلاد، فازدادت أعداد المستشارين والخبراء الروس، وأصبحت الحكومة الأفغانية أكثر اعتماداً على موسكو. ثم انتهى الصراع الداخلي بوصول حفيظ الله أمين إلى السلطة بعد إقصاء نور محمد تراقي وقتله سنة 1979م، إلا أن موسكو لم تثق بأمين ولم تعد ترى فيه الحاكم القادر على حماية مصالحها.

image 10

بابرك كارمل

لذلك قرر الاتحاد السوفيتي التدخل العسكري المباشر. ففي في أواخر محرم 1400هـ الموافق أواخر ديسمبر/كانون الأول 1979م، اجتاحت القوات السوفيتية أفغانستان، وسيطرت على المراكز الحيوية في كابل، وقتلت حفيظ الله أمين، ثم نصّبت بابرك كارمل رئيساً للدولة تحت حماية الدبابات السوفيتية. وبذلك انتقلت أفغانستان من مرحلة النفوذ السوفيتي غير المباشر إلى مرحلة الاحتلال العسكري الصريح.

انقلاب ثور الشيوعي (19 جمادى الأولى 1398هـ / 27 أبريل (نيسان) 1978م)

image 10

يُعد انقلاب 27 أبريل 1978م، الذي عُرف في الأدبيات الأفغانية باسم «ثورة ثور» (نسبة إلى شهر ثور في التقويم الأفغاني)، نقطة تحول جذرية في تاريخ أفغانستان الحديث، إذ مثّل انتقال السلطة بالقوة من النظام الجمهوري بقيادة محمد داود خان إلى حكم الحزب الديمقراطي الشعبي الأفغاني ذي التوجه الشيوعي، وفتح الباب أمام مرحلة من الاضطراب السياسي والصراع الداخلي والتدخل الخارجي المباشر.

تعود خلفية هذا الانقلاب إلى سنوات من التغلغل التدريجي للفكر الشيوعي داخل مؤسسات الدولة، خصوصًا الجيش والإدارة والجامعات، حيث استطاع الحزب الديمقراطي الشعبي الأفغاني، بجناحيه «خلق» و«برشام»، بناء شبكات نفوذ داخل المؤسسة العسكرية. وقد استفاد الحزب من حالة الاحتقان السياسي في عهد الرئيس داود خان، الذي بدأ يحكم بنظام مركزي صارم، وأغلق المجال السياسي أمام المعارضة، بما فيها الحلفاء السابقون من التيار اليساري الذين ساهموا في وصوله إلى الحكم عام 1393هـ / 1973م..

في السنوات التي سبقت الانقلاب، ازداد التوتر بين داود خان والحزب الشيوعي، خاصة بعد محاولته تقليص نفوذهم داخل الدولة، وإبعاد بعض العناصر الموالية لهم من المناصب الحساسة. وقد ردّ الحزب على ذلك بتوسيع نشاطه السري داخل الجيش، مستغلًا الانقسامات الداخلية والولاءات المتعددة، إلى أن أصبحت له خلايا مؤثرة داخل وحدات عسكرية مهمة في كابل وما حولها.

وفي صباح 27 أبريل 1978م، اندلعت شرارة الانقلاب بعد حادثة اغتيال أحد قيادات الحزب الشيوعي، وهو مير أكبر خيبر، والتي استُخدمت كذريعة لتعبئة الشارع وتنفيذ التحرك العسكري. وخلال ساعات، تحركت وحدات عسكرية موالية للحزب، خاصة من سلاح الدبابات والقوات الجوية، لتطويق القصر الرئاسي ومراكز السلطة في العاصمة.

شهدت كابل معارك عنيفة بين القوات الموالية للرئيس داود خان والقوات الانقلابية، إلا أن التفوق التنظيمي والعسكري للشيوعيين، إضافة إلى اختراقهم لمفاصل الجيش، حسم المعركة بسرعة. وقد انتهى الانقلاب بسيطرة كاملة للحزب الديمقراطي الشعبي على العاصمة، وسقوط النظام الجمهوري، ومقتل الرئيس محمد داود خان مع عدد من أفراد أسرته داخل القصر الجمهوري، في مشهد دموي أعلن نهاية مرحلة وبداية أخرى.

عقب نجاح الانقلاب، أعلن قادة الحزب قيام «الجمهورية الديمقراطية الأفغانية»، وتولى نور محمد تراقي رئاسة الدولة، بينما تقاسم جناحا الحزب السلطة في البداية. وقد شرع النظام الجديد في تنفيذ برنامج واسع من التغييرات الجذرية، شمل الإصلاح الزراعي، وإعادة تنظيم التعليم، ومحاولة تقليص نفوذ المؤسسات الدينية التقليدية، وفرض أيديولوجيا اشتراكية على المجتمع.

image 11

لكن هذه السياسات السريعة والصادمة للمجتمع الأفغاني المحافظ أدت إلى ردود فعل واسعة، حيث بدأت موجة مقاومة شعبية ودينية تتسع تدريجيًا في مختلف المناطق، خصوصًا في الأرياف والقبائل. وقد تحولت هذه المقاومة لاحقًا إلى حركة جهاد مسلح ضد النظام الجديد، لتدخل البلاد في مرحلة حرب داخلية مفتوحة.

كما أدى الانقلاب إلى تصاعد القلق الإقليمي والدولي، خاصة لدى الدول المجاورة والقوى الكبرى، إذ أصبحت أفغانستان ساحة مواجهة مباشرة في الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. ومع فشل النظام الشيوعي في تثبيت استقراره الداخلي، وتزايد المقاومة المسلحة، تطورت الأحداث لاحقًا إلى التدخل العسكري السوفييتي عام 1399هـ / 1979م، مما عمّق الأزمة وأدخل البلاد في واحدة من أطول الحروب في تاريخها الحديث.

وهكذا لم يكن انقلاب ثور مجرد تغيير سياسي في السلطة، بل كان بداية لمرحلة جديدة كليًا أعادت تشكيل بنية الدولة والمجتمع، وأدخلت أفغانستان في صراع طويل الأمد ما تزال آثاره ممتدة حتى اليوم.

ظهور الحركة الإسلامية في أفغانستان

image 5

ظهر التيار الإسلامي المنظم في أفغانستان في سياق تاريخي اتسم بتزايد التحديات الفكرية والسياسية والاجتماعية، خصوصًا مع اتساع نفوذ التيارات اليسارية داخل الجامعات والمؤسسات العسكرية في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. فقد كانت البلاد تعيش حالة من التحول التدريجي من المجتمع التقليدي إلى الدولة الحديثة، وهو ما فتح الباب أمام صراع فكري بين اتجاهات متعددة، كان أبرزها التيار الإسلامي الناشئ في مقابل التيارات العلمانية والشيوعية.

بدأت ملامح الحركة الإسلامية تتشكل داخل الجامعات الأفغانية، خاصة جامعة كابل، حيث اجتمع عدد من الطلاب والأساتذة المتأثرين بالفكر الإسلامي الإصلاحي، والرافضين لهيمنة الأفكار الماركسية التي كانت تنتشر بسرعة داخل الأوساط الأكاديمية. وقد كان لهذه البيئة الجامعية دور محوري في تكوين الوعي السياسي للحركة الإسلامية، إذ تحولت من مجرد حلقات فكرية إلى تنظيمات طلابية ذات طابع دعوي وسياسي في آن واحد.

image 8

تأسست الحركة الإسلامية في أفغانستان على يد اثني عشر طالبًا مسلمًا في جامعة كابول، وكان أول من قادها عبد الرحيم نيازي.

ومن أبرز الشخصيات التي كان لها دور في التأسيس الفكري والتنظيمي للحركة الإسلامية غلام محمد نيازي، الذي يُعد من أوائل من طرحوا فكرة العمل الإسلامي المنظم في مواجهة التيارات اليسارية. وقد تتلمذ على يديه عدد من القيادات التي ستصبح لاحقًا من أبرز رموز الجهاد الأفغاني، مثل برهان الدين رباني، وقلب الدين حكمتيار، وعبد رب الرسول سياف، وغيرهم من القيادات التي لعبت أدوارًا مركزية في المشهد السياسي والعسكري لاحقًا.

ومع مرور الوقت، لم تبقَ الحركة الإسلامية في إطار الدعوة الفكرية فقط، بل بدأت تتبلور في شكل تنظيمات وجماعات سياسية، اتخذت من الإسلام مرجعية أساسية لها في مواجهة المدّ الشيوعي المتصاعد. وقد ساعد على ذلك تصاعد النفوذ الشيوعي داخل الدولة، خاصة داخل الجيش والإدارة، مما دفع الحركة الإسلامية إلى التحول التدريجي من العمل الطلابي والفكري إلى العمل السياسي والتنظيمي، ثم لاحقًا إلى المواجهة المسلحة.

وفي أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، ظهرت أولى المواجهات بين الإسلاميين والشيوعيين داخل الجامعات، حيث شهدت جامعة كابل صدامات فكرية وأحيانًا جسدية بين الطرفين، انتهت في بعض الحالات إلى مواجهات دامية، وهو ما كشف مبكرًا عن حجم التوتر الأيديولوجي داخل المجتمع الأفغاني. وقد أدت هذه المواجهات إلى تعزيز الوعي التنظيمي لدى الإسلاميين، ودفعهم إلى تأسيس جمعيات وروابط أكثر انضباطًا.

image 9

ومن أبرز هذه التشكيلات المبكرة: جمعية العلماء، وجمعية خدام الفرقان، وتجمع الشباب المسلم في جامعة كابل، وهي كيانات لعبت دورًا مهمًا في نشر الفكر الإسلامي وتنظيم الشباب المتدين، وبناء شبكة علاقات داخل المؤسسات التعليمية والعسكرية. وقد شكلت هذه البدايات النواة الأولى لما سيعرف لاحقًا بالحركة الإسلامية الأفغانية بمختلف تياراتها وفصائلها.

ومع سقوط النظام الملكي وصعود الحكم الجمهوري ثم الشيوعي لاحقًا، دخلت الحركة الإسلامية مرحلة جديدة أكثر حدة، حيث تحولت من العمل الدعوي والتنظيمي إلى المواجهة المباشرة مع السلطة، ثم إلى قيادة المقاومة المسلحة ضد النظام الشيوعي المدعوم من الاتحاد السوفييتي. وهكذا لم تكن الحركة الإسلامية مجرد تيار فكري، بل أصبحت قوة سياسية وعسكرية محورية في تاريخ أفغانستان الحديث، أسهمت بشكل مباشر في رسم ملامح المرحلة التالية من الصراع في البلاد.

أسباب التدخل السوفيتي في أفغانستان

يمثل التدخل السوفيتي في أفغانستان في أواخر عام 1979م أحد أخطر التحولات في تاريخ المنطقة الحديث، إذ لم يكن مجرد دعم لحليف سياسي، بل كان دخولًا عسكريًا مباشرًا أفضى إلى حرب طويلة الأمد غيّرت مسار الدولة الأفغانية وأثرت في توازنات الحرب الباردة عالميًا. ويمكن فهم هذا التدخل من خلال مجموعة من الأسباب المتداخلة: السياسية، والأيديولوجية، والأمنية، والاستراتيجية.

image 12

أولًا: الأهمية الجيوسياسية لأفغانستان

تحتل أفغانستان موقعًا استراتيجيًا حساسًا بين آسيا الوسطى وشبه القارة الهندية والشرق الأوسط، وهي قريبة من حدود الجمهوريات السوفيتية المسلمة في آسيا الوسطى. وقد نظر الاتحاد السوفيتي إلى أفغانستان باعتبارها منطقة عازلة وممرًا مهمًا يمكن أن يؤثر على عمقه الجنوبي، كما أن أي اضطراب فيها كان يُخشى أن يمتد تأثيره إلى الداخل السوفيتي نفسه، خصوصًا في جمهوريات ذات أغلبية مسلمة.

ثانيًا: صعود النظام الشيوعي في كابل

بعد انقلاب 27 أبريل 1978م، وصل الحزب الديمقراطي الشعبي الأفغاني إلى السلطة، وأصبح حليفًا وثيقًا للاتحاد السوفيتي. وقد تبنى النظام الجديد سياسات اشتراكية راديكالية، لكنه واجه مقاومة داخلية واسعة بسبب طبيعة المجتمع الأفغاني المحافظ. ومع تصاعد الاضطرابات، بدأ النظام يفقد السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد، ما وضع حليفه السوفيتي أمام خيار التدخل المباشر للحفاظ على نفوذه.

ثالثًا: الخلافات داخل القيادة الأفغانية الشيوعية

شهدت الحكومة الشيوعية صراعات داخلية حادة بين جناحي «خلق» و«برشام»، إضافة إلى صراع على السلطة بين نور محمد تراقي وحفيظ الله أمين. وقد وصلت هذه الخلافات إلى حد تصفية سياسية داخلية، الأمر الذي أثار قلق موسكو من انهيار النظام أو خروجه عن السيطرة، خصوصًا مع ازدياد استقلالية حفيظ الله أمين وعلاقاته غير الموثوقة من وجهة نظر السوفييت.

رابعًا: الخوف من سقوط النظام الشيوعي

مع اتساع رقعة المقاومة الشعبية المسلحة ضد الحكومة في الأرياف والمدن، بدأ احتمال سقوط النظام الشيوعي يتزايد. وقد رأت القيادة السوفيتية أن انهيار النظام في كابل قد يؤدي إلى صعود حكومة معادية للشيوعية، وربما مرتبطة بالقوى الغربية أو التيارات الإسلامية، وهو ما اعتُبر تهديدًا مباشرًا لنفوذها في المنطقة.

خامسًا: البعد الأيديولوجي والحرب الباردة

كان التدخل السوفيتي جزءًا من سياق الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. فقد سعت موسكو إلى الحفاظ على مكاسبها في آسيا، ومنع تمدد النفوذ الغربي والإسلامي في منطقة تعدها ضمن مجالها الحيوي. كما اعتبرت أن دعم النظام الشيوعي في أفغانستان هو جزء من مسؤوليتها في حماية المعسكر الاشتراكي عالميًا.

سادسًا: العوامل الأمنية الداخلية للاتحاد السوفيتي

كان القلق السوفيتي يتزايد من تأثير الحركات الإسلامية في الجمهوريات السوفيتية الوسطى مثل أوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان. وقد خشيت موسكو من أن تتحول أفغانستان إلى قاعدة دعم أو إلهام للحركات الإسلامية داخل الاتحاد نفسه، مما قد يهدد استقراره الداخلي على المدى البعيد.

نتيجة لهذه العوامل مجتمعة، قررت القيادة السوفيتية في ديسمبر 1979م التدخل عسكريًا مباشرًا، فدخلت قواتها إلى أفغانستان وأسقطت حكومة حفيظ الله أمين، وبدأت مرحلة جديدة من الاحتلال العسكري والصراع المفتوح مع المجاهدين الأفغان، وهو ما أدخل البلاد في حرب طويلة استمرت قرابة عقد كامل، وانتهت بانسحاب السوفييت عام 1989م بعد خسائر كبيرة على المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية.

وهكذا لم يكن التدخل السوفيتي حدثًا مفاجئًا معزولًا، بل نتيجة تراكمات سياسية وأمنية وأيديولوجية جعلت أفغانستان ساحة مركزية في صراع دولي واسع النطاق.

دخول الجيش الأحمر إلى أفغانستان

image 9

يمثل التدخل السوفيتي في أفغانستان نهاية مرحلة وبداية أخرى أكثر تعقيدًا في تاريخ البلاد الحديث، إذ لم يكن قرار دخول الجيش الأحمر قرارًا عابرًا أو وليد لحظة، بل جاء نتيجة تراكمات سياسية وأمنية وأيديولوجية داخلية وإقليمية، تداخلت فيها حسابات الحرب الباردة مع هشاشة الوضع الداخلي في أفغانستان بعد انقلاب ثور عام 1978م.

وفي هذا السياق، تصاعدت مخاوف موسكو من خروج الوضع عن السيطرة، خاصة مع تزايد المقاومة الشعبية المسلحة التي بدأت تتشكل في مختلف الأقاليم تحت تأثير ديني ووطني، ورافضة للسياسات الشيوعية. وقد رأت القيادة السوفيتية أن سقوط النظام في كابل قد يؤدي إلى قيام حكومة معادية لها، وربما ذات توجه إسلامي، وهو ما اعتُبر تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا لمصالحها في المنطقة.

كما لعبت حسابات الحرب الباردة دورًا محوريًا، إذ كانت أفغانستان جزءًا من ساحة التنافس بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. وقد سعت موسكو إلى تثبيت نفوذها في دولة مجاورة لحدودها الجنوبية، ومنع أي تمدد غربي أو إقليمي منافس، خصوصًا في ظل تراجع النفوذ السوفيتي في بعض الساحات الدولية.

ومع تفاقم الأزمة، وازدياد الشكوك حول ولاء القيادة الأفغانية الشيوعية بقيادة حفيظ الله أمين، وصلت الأمور إلى نقطة حاسمة في أواخر عام 1979م، حيث قررت القيادة السوفيتية التدخل المباشر. فتم تنفيذ عملية عسكرية واسعة، شملت دخول قوات خاصة سوفيتية إلى كابل، وإسقاط حكومة أمين، وتثبيت قيادة أكثر ولاءً لموسكو.

وفي أواخر محرم 1400هـ الموافق أواخر ديسمبر/كانون الأول 1979م، دخلت القوات السوفيتية بشكل رسمي ومباشر إلى الأراضي الأفغانية، معلنة بداية الاحتلال العسكري، لتتحول أفغانستان من دولة حليفة للاتحاد السوفيتي إلى ساحة حرب مفتوحة بين الجيش الأحمر والمقاومة الأفغانية، في واحدة من أطول وأعنف الحروب في القرن العشرين.

وبذلك تُغلق هذه المرحلة من تاريخ أفغانستان عند لحظة دخول الجيش الأحمر، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة تمامًا، عنوانها الجهاد الأفغاني والمواجهة الشاملة مع الوجود السوفيتي، وما تبعه من تحولات كبرى داخل البلاد والمنطقة والعالم.

وللحديث بقية ..

المصادر:

محمود شاكر، أفغانستان

م. حسن كاكر ، الغزو السوفيتي لأفغانستان وردّ الفعل الأفغاني (1979–1982)
ستيف كول ، حروب الأشباح
موسوعة بريتانيكا، مقالات: أفغانستان، ثورة ثور، داود خان، الغزو السوفيتي
مكتبة الكونغرس الأمريكية، دراسات قطرية: أفغانستان
كتاب حقائق وكالة الاستخبارات المركزية (CIA World Factbook)

الحبيبي، عبد الحي. تاريخ أفغانستان الحديث.
يوسف، محمد. أفغانستان تحت خمسة غزاة.

وورلدوميتر، عدد سكان أفغانستان 2026
ويكيبيديا، أفغانستان
بريتانيكا، أفغانستان: التاريخ، الجغرافيا، السكان واللغات
تقديرات سكان أفغانستان 2026 (مصادر ديموغرافية متعددة)
بيانات ديموغرافية أفغانستان 2026 (تقارير إحصائية)
أفغانستان: دراسة جغرافية وسياسية
الموسوعة العربية – أفغانستان (جغرافيا)

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x