بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.
الإسلام في أفغانستان: بين الاحتلال الأمريكي وعودة الإمارة الإسلامية
لم تكن أفغانستان يومًا مجرد رقعة جبلية معزولة في قلب آسيا، بل كانت على امتداد تاريخها ممرًا للجيوش، وحلقة وصل بين الحضارات، وعقدةً جيوسياسية تتقاطع عندها مصالح الإمبراطوريات. فمنذ أن دخلها الإسلام في القرن الأول الهجري، أصبحت جزءًا من العالم الإسلامي، وخرجت منها دول عظيمة، وعلماء وقادة ومجاهدون كان لهم أثر بالغ في تاريخ الأمة، ثم تحولت مع مرور الزمن إلى ساحة تنافس بين القوى الكبرى، حتى غدت تُعرف في الأدبيات السياسية بـ”مقبرة الإمبراطوريات”.
ويعود ذلك إلى موقعها الفريد؛ فهي تتوسط جنوب آسيا ووسطها وغربها، وتجاور إيران، وباكستان، والصين، ودول آسيا الوسطى، وتقع على مقربة من روسيا والهند، مما جعلها بوابةً استراتيجية لا غنى عنها لكل قوة تطمح إلى بسط نفوذها في آسيا. وقد أدركت الإمبراطوريات المتعاقبة هذه الحقيقة، فتتابعت محاولات السيطرة عليها منذ عهد الإسكندر المقدوني، ثم المغول، فالإمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر، ثم الاتحاد السوفييتي، وأخيرًا الولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلسي.
لكن الموقع الجغرافي وحده لا يفسر سر استعصاء أفغانستان على الغزاة؛ فالتاريخ يشهد أن كثيرًا من البلاد احتُلت رغم أهميتها، أما أفغانستان فقد امتازت بعوامل أخرى أسهمت في استمرار مقاومتها، من أبرزها طبيعتها الجبلية الوعرة التي جعلت السيطرة العسكرية عليها بالغة الصعوبة، وتركيبتها القبلية التي حافظت على قدر كبير من الاستقلال المحلي، إضافة إلى رسوخ الهوية الإسلامية في مجتمعها، وما نتج عن ذلك من استعداد واسع للدفاع عن الدين والبلاد عند تعرضها للغزو.
وقد أقر عدد من الباحثين الغربيين بأن الحملات العسكرية الكبرى على أفغانستان لم تفشل بسبب التضاريس وحدها، بل بسبب سوء فهم المجتمع الأفغاني، وطبيعة انتماءاته القبلية والدينية، وعجز القوى المحتلة عن فرض نموذج سياسي واجتماعي من خارج بيئته. وقد كشفت الوثائق الأمريكية الرسمية الصادرة بعد سنوات من الحرب عن فجوة كبيرة بين التصورات التي بُني عليها مشروع الاحتلال والواقع الذي واجهته القوات الأجنبية، وهو ما أسهم في إطالة أمد الحرب ثم انتهائها بالانسحاب.
ومن هنا، فإن دراسة مرحلة الاحتلال الأمريكي لا يمكن فصلها عن السياق التاريخي الطويل لأفغانستان؛ فهي ليست أول قوة عالمية تدخل البلاد بقوة السلاح وهي تظن أن التفوق العسكري كافٍ لإخضاعها، كما أنها ليست أول قوة تكتشف أن امتلاك التكنولوجيا والأسلحة الحديثة لا يعني بالضرورة القدرة على إخضاع شعب متشبث بهويته وأرضه.
ولهذا، فإن فهم أحداث العقدين الأخيرين يقتضي العودة إلى هذه الحقائق التاريخية والجغرافية والاجتماعية، إذ لا يمكن تفسير ما جرى في أفغانستان بوصفه مجرد حرب بدأت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بل هو فصل جديد من تاريخ طويل شهد تعاقب محاولات السيطرة على هذه البلاد، واصطدامها بعوامل داخلية جعلت إخضاعها أكثر تعقيدًا مما توقعته القوى الكبرى.
الحالة الإسلامية في أفغانستان قبل الغزو الأمريكي
لفهم طبيعة المجتمع الأفغاني عند بداية الغزو الأمريكي سنة 1422هـ (2001م)، لا بد من تجاوز الصورة النمطية التي رسختها وسائل الإعلام الغربية، والتي اختزلت أفغانستان في مشاهد الحرب والفقر والصراع. فقد كان الإسلام، عبر القرون، هو الإطار الجامع لهوية الأفغان، والمصدر الرئيس لتشريعاتهم وأعرافهم، والركيزة التي استندت إليها القبائل في تنظيم حياتها وعلاقاتها، حتى غدا الانتماء إلى الإسلام جزءًا من البنية الثقافية والاجتماعية والسياسية للبلاد، لا مجرد انتماء ديني فردي. وقد أشار عدد من الباحثين إلى أن الدولة الأفغانية الحديثة، على اختلاف أنظمتها، لم تستطع تجاوز المكانة المركزية للإسلام في المجتمع، وظل العلماء والزعامات الدينية يتمتعون بنفوذ واسع، خصوصًا في الأرياف التي كانت تضم غالبية السكان.
وعقب انسحاب الاتحاد السوفييتي سنة 1409هـ (1989م) وسقوط الحكومة الشيوعية سنة 1412هـ (1992م)، دخلت البلاد مرحلة من الاقتتال الداخلي بين الفصائل الجهادية التي كانت قد توحدت سابقًا في مواجهة الاحتلال السوفييتي. وتنافست القوى العسكرية على السيطرة على العاصمة كابول ومؤسسات الدولة، فاندلعت حروب دامية أودت بحياة الآلاف، وتعرضت المدن، ولا سيما كابول، لدمار واسع، وانتشرت أعمال السلب والنهب، وتقطعت الطرق، وضعفت سلطة الدولة إلى حد كبير. وقد أجمعت المصادر التاريخية، بما فيها شهادات أفغانية وغربية، على أن هذه المرحلة كانت من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ البلاد الحديث.
غير أن تاريخ أفغانستان الديني لا يمكن اختزاله في صورة واحدة؛ فقد عرفت البلاد، إلى جانب رسوخ الإسلام والفقه الحنفي، حضورًا واسعًا للتصوف وطرقه المختلفة والمغالية، ولا سيما النقشبندية والقادرية والجشتية، حتى غدت الزوايا والخانقاهات وشيوخ الطرق جزءًا من المشهد الديني والاجتماعي في مناطق واسعة منها. كما انتشرت المزارات والأضرحة وممارسات ومعتقدات شعبية، وتداخلت في بعض البيئات الدينية عادات محلية وموروثات قديمة مع التدين الإسلامي، حتى نُسبت إلى الأولياء والقبور بعض صور التبرك والاستغاثة وطلب الحاجات، فضلًا عن روايات وكرامات ومعتقدات لا تستند جميعها إلى أصل صحيح في الكتاب والسنة. وتشير الدراسات التاريخية إلى أن مناطق مثل بلخ حافظت على طبقات من الذاكرة الشعبية والموروث الديني السابق، ثم أُعيد تأويلها داخل البيئة الإسلامية.
ومن هنا فإن الحديث عن التدين في أفغانستان يحتاج إلى التفريق بين الإسلام الذي دانت به البلاد في أصوله العامة، وبين ما طرأ على بعض البيئات من بدع وممارسات صوفية غالية ومعتقدات شعبية؛ فوجود التصوف في تاريخ أفغانستان لا يعني أن جميع الصوفية فيها كانوا على درجة واحدة من الاعتقاد والممارسة، كما أن نقد البدع والخرافات لا يصح أن يتحول إلى اختزال تاريخ البلاد أو اتهام عموم أهلها بها. وقد شهدت أفغانستان نفسها تيارات إصلاح وتجديد ديني سعت إلى مقاومة بعض هذه الممارسات وإعادة توجيه التدين نحو النص والتعليم الشرعي.
وفي خضم الانهيار الأمني والسياسي الذي عرفته البلاد، برزت حركة طالبان سنة 1414هـ (1994م) في ولاية قندهار، بقيادة الملا محمد عمر، وهي حركة نشأت في بيئة دينية يغلب عليها طلبة المدارس الشرعية والعلماء المحليون، ورفعت منذ ظهورها شعار إنهاء الاقتتال الداخلي، ونزع سلاح أمراء الحرب، وإعادة الأمن، وتحكيم الشريعة الإسلامية. واستطاعت خلال فترة قصيرة بسط نفوذها على مساحات واسعة من البلاد، حتى دخلت كابول سنة 1415هـ (1996م)، وأعلنت قيام الإمارة الإسلامية في أفغانستان.
وخلال السنوات التي سبقت الغزو الأمريكي، فرضت الإمارة الإسلامية نموذجًا للحكم يقوم على مرجعيتها للشريعة الإسلامية، حيث تنتمي حركة طالبان في أصلها إلى البيئة السنية الحنفية، وقد تأثرت بصورة عميقة بالمدرسة الديوبندية في شبه القارة الهندية، التي تخرّج فيها عدد كبير من علمائها وقادتها، وهو ما انعكس على فهمها للفقه والشريعة ونظامها الديني والقضائي، وأعادت إمارتها الإسلامية قدرًا كبيرًا من الأمن إلى الطرق والأسواق مقارنة بمرحلة الحرب الأهلية، وهو أمر أقر به عدد من الباحثين، وإن اختلفوا في تقييم سياساتها الأخرى. وفي المقابل، تعرضت سياسات الإمارة لانتقادات واسعة، ولا سيما في قضايا الإدارة والتعليم وبعض السياسات الاجتماعية، كما واجهت عزلة دبلوماسية دولية واسعة؛ فلم تعترف بها رسميًا سوى ثلاث دول هي باكستان والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. غير أن ذلك لم يعنِ انقطاعها عن المجتمع الدولي؛ فقد سعت الإمارة إلى الحصول على الاعتراف والتمثيل الدولي، وعيّنت ممثلًا لها لدى الأمم المتحدة في نيويورك، وأوفدت مسؤولين إلى الولايات المتحدة في مسعى للحصول على مقعد أفغانستان في الجمعية العامة، ولا سيما في التحرك الدبلوماسي الذي قادته في سبتمبر 2000م/رجب 1421هـ.
كما دخلت في اتصالات سياسية وإنسانية مع الأمم المتحدة، وأجرت اتصالات مع عدد من الدول، من بينها الصين التي بدأت اتصالاتها مع طالبان منذ عام 1419هـ/1998م، والتقى سفيرها لدى باكستان بالملا محمد عمر في شعبان 1421هـ/نوفمبر 2000م. كذلك جرت اتصالات أمريكية محدودة مع طالبان رغم عدم اعتراف واشنطن بحكومتها. وبذلك كانت الإمارة تعاني عزلةً دبلوماسية واعترافًا دوليًا محدودًا، لكنها لم تكن معزولة عن الاتصالات السياسية والإنسانية الدولية.
وفي الأثناء، بقي المجتمع الأفغاني محافظًا على هويته الإسلامية، واستمرت المدارس الشرعية، وحلقات تحفيظ القرآن، ومجالس العلماء، تؤدي دورًا محوريًا في تشكيل الوعي الديني والاجتماعي، خاصة في المناطق الريفية التي كانت تمثل غالبية البلاد. كما ظلت القبائل تنظر إلى الدفاع عن الدين والأرض باعتباره واجبًا شرعيًا واجتماعيًا، وهي القناعة التي ستظهر آثارها بوضوح بعد بدء التدخل العسكري الأمريكي.
وعلى الصعيد الخارجي، كانت أفغانستان قد أصبحت موطنًا لعدد من المقاتلين العرب وغيرهم ممن وفدوا إليها خلال الجهاد ضد الاتحاد السوفييتي، وكان من بينهم أسامة بن لادن، الذي عاد إلى أفغانستان بعد خروجه من السودان سنة 1416هـ/1996م، واستقر أولًا في جلال آباد، ثم تعززت علاقته بحركة طالبان بعد سيطرتها على كابول، وانتقل إلى قندهار حيث حظي بحماية قيادة الحركة.
ومع استقرار تنظيم القاعدة في أفغانستان، أقام معسكرات للتدريب واستقطاب المقاتلين، واتخذ من البلاد قاعدة لنشاطه وتنظيم عملياته. وقد أصبح توفير طالبان ملاذًا للقاعدة وإصرارها على عدم تسليم ابن لادن، رغم الضغوط الأمريكية والدولية المتزايدة، أحد أبرز أسباب التوتر بين كابول وواشنطن في السنوات السابقة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، إلى أن أصبحت أفغانستان بعد الهجمات في صدارة الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة ما يسمى الإرهاب.
وهكذا، كانت أفغانستان عشية الغزو الأمريكي دولة خرجت من حرب أهلية طويلة، واستعادت قدرًا من الاستقرار الأمني في معظم أراضيها، لكنها كانت تعاني من عزلة سياسية، وضعف اقتصادي شديد، وآثار عقود متواصلة من الحروب. وكان الإسلام يمثل الإطار المرجعي للحياة العامة، سواء على مستوى الدولة أو المجتمع، وهو ما جعل الصراع الذي بدأ في شعبان 1422هـ (أكتوبر 2001م) يتجاوز كونه مواجهة عسكرية، ليصبح – في نظر كثير من الأفغان – معركة تتعلق باستقلال البلاد وهويتها الدينية والسياسية.
ومما يجب التنبيه إليه أن أرض الأفغان كانت تعتبر أرض الجهاد الأولى التي فتحت أبوابها للمجاهدين من مختلف الساحات الجهادية، ومن أبرز الأمثلة على انتقال الخبرات والشبكات التي تشكلت في أفغانستان إلى صراعات أخرى، سامر السويلم المعروف بـ«خطاب»، الذي شارك في الجهاد الأفغاني وعاد إلى أفغانستان سنة 1414هـ/1994م، قبل أن ينتقل إلى الشيشان سنة 1415هـ/1995م ويصبح من أبرز القادة الميدانيين فيها. واستمرت صلته بشبكة القاعدة في أفغانستان، إذ التقى مبعوثون عنه وعن شامل باساييف بأسامة بن لادن في قندهار سنة 1419هـ/1999م، في سياق طلب الدعم للمقاتلين في الشيشان.
ومن أبرز من ارتبطت مسيرتهم بأفغانستان أبو مصعب الزرقاوي، الذي وصل إليها للمرة الأولى أواخر الثمانينيات للمشاركة في الجهاد ضد السوفييت، ثم عاد إليها سنة 1420هـ/1999م بعد خروجه من السجن في الأردن، والتقى بقيادات تنظيم القاعدة، قبل أن ينشئ معسكرًا خاصًا قرب هرات لتدريب مقاتلين من جنسيات مختلفة. وبعد سقوط إمارة طالبان أواخر 1422هـ/2001م، غادر أفغانستان إلى إيران، ثم انتقل إلى العراق، حيث أسس لاحقًا «جماعة التوحيد والجهاد»، التي بايعت تنظيم القاعدة سنة 1425هـ/2004م، فتحولت إلى «تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين»، المعروف بالقاعدة في العراق. وفي يناير 2006م، أنشأ الزرقاوي مع عدد من الجماعات المسلحة في العراق «مجلس شورى المجاهدين»، ليكون مظلةً لتوحيد عدد من الفصائل والجماعات الجهادية وتنسيق نشاطها معًا.
ولم يقتصر أثر التجربة الأفغانية على المقاتلين من الجزيرة العربية وبلاد الشام؛ فقد وصل إليها مقاتلون من شرق إفريقيا، ولا سيما من الصومال، وتلقى عدد من عناصر وقادة «الاتحاد الإسلامي» الصومالي تدريبًا لدى تنظيم القاعدة في أفغانستان، ثم عاد بعضهم إلى الصومال، وكان من بينهم لاحقًا آدم حاشي عيرو وأحمد عبدي غودان (أبو الزبير)، اللذان أصبحا من أبرز قادة حركة الشباب المجاهدين. وهكذا أسهمت الشبكات التي تشكلت في أفغانستان في نقل الخبرات والصلات التنظيمية إلى ساحات صراع أخرى، في آسيا وإفريقيا.
أحداث الحادي عشر من سبتمبر وبداية الحرب
في صباح يوم الثلاثاء 23 جمادى الآخرة 1422هـ الموافق 11 سبتمبر/أيلول 2001م، تعرضت الولايات المتحدة الأمريكية لأكبر هجوم شهدته أراضيها في العصر الحديث، حيث اختطف تسعة عشر شخصًا أربع طائرات مدنية، فاصطدمت طائرتان ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، واصطدمت الثالثة بمبنى وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، بينما سقطت الرابعة في ولاية بنسلفانيا بعد مقاومة ركابها للخاطفين وربما إسقاطها من الدفاعات الجوية الأمريكية. وأسفرت الهجمات عن مقتل ما يقارب ثلاثة آلاف شخص، وأحدثت تحولًا جذريًا في السياسة الأمريكية، وأصبحت نقطة انطلاق لما عُرف لاحقًا بـ”الحرب على الإرهاب”.
وسرعان ما أعلنت الإدارة الأمريكية، برئاسة جورج دبليو بوش، أن تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن هو المسؤول عن الهجمات، ووجهت أصابع الاتهام إلى الإمارة الإسلامية في أفغانستان لاحتضانها قيادة التنظيم. وطالبت الولايات المتحدة حكومة الإمارة بتسليم أسامة بن لادن وعدد من قيادات القاعدة، وإغلاق معسكراتهم، وتسليمهم للسلطات الأمريكية دون شروط.
غير أن قيادة الإمارة الإسلامية، برئاسة الملا محمد عمر، لم ترفض الطلب من حيث المبدأ فحسب، بل أعلنت أنها لا تستطيع شرعًا ولا سياسيًا تسليم رجل دخل بلادها مستأمنًا دون إقامة بينة على التهم الموجهة إليه، وطالبت الولايات المتحدة بتقديم الأدلة التي تثبت مسؤوليته عن الهجمات، أو عرض القضية على هيئة من العلماء المسلمين للنظر فيها وفق أحكام الشريعة الإسلامية. وقد نقل الملا عبد السلام ضعيف، سفير الإمارة الإسلامية في باكستان آنذاك، في مذكراته تفاصيل هذه المواقف، مبينًا أن طالبان كانت تدرك خطورة المواجهة، لكنها رأت أن الاستجابة للمطالب الأمريكية دون دليل أو مسار قضائي شرعي تمثل مخالفة لما تعتقده من أحكام الإسلام، وإخلالًا بالأعراف التي تقوم عليها الضيافة وحماية المستأمن.
ورفضت الولايات المتحدة هذه المقترحات، واعتبرت أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر تمثل إعلان حرب، وتستوجب ردًا عسكريًا مباشرًا. وفي 26 رجب 1422هـ الموافق 7 أكتوبر/تشرين الأول 2001م، أعلنت الولايات المتحدة، بمشاركة المملكة المتحدة، بدء عملية “الحرية الدائمة”، وشنت غارات جوية مكثفة على العاصمة كابول، وقندهار، وجلال آباد، ومواقع أخرى في أنحاء البلاد، مستهدفة مقرات الحكومة الأفغانية، ومعسكرات تنظيم القاعدة، والبنية العسكرية للإمارة الإسلامية.
وفي خضمّ الصدمة التي أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر، خرج الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن يخاطب العالم بلغةٍ حملت من الدلالات أكثر مما حملت من الألفاظ، فوصف الحملة المرتقبة بأنها “حرب صليبية”، وهو التعبير الذي أثار عاصفةً من ردود الفعل في العالم الإسلامي، لما يحمله من إرثٍ تاريخي يرتبط بقرونٍ من الصراع بين الشرق والغرب، قبل أن تتراجع الإدارة الأمريكية عن استخدامه وتؤكد أنه لا يعكس سياستها الرسمية. وفي المقابل، لم يُبدِ الملا محمد عمر، أمير إمارة أفغانستان الإسلامية آنذاك، تراجعًا ولا اضطرابًا أمام التهديدات الأمريكية، بل وجّه خطابًا إلى شعبه ومقاتليه استحضر فيه وعد الله للمؤمنين بالنصر، مؤكدًا أن موازين القوة المادية لا تحسم المعارك إذا تخلف عنها التأييد الإلهي، وأن أفغانستان قد واجهت قوى عظمى من قبل وخرجت صامدة. وقال كلمته الشهيرة: “لقد وعدنا الله بالنصر، ووعدنا بوش بالهزيمة وسنرى أي الوعدين أصدق”.
وهكذا، دخل الطرفان المواجهة بخطابين متقابلين: أحدهما يستدعي لغة القوة والهيمنة العالمية، والآخر يستند إلى يقينٍ ديني ووعدٍ رباني، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من أطول الحروب في التاريخ الأمريكي الحديث.
وبدأت الولايات المتحدة في هذه الحرب بتقديم دعم عسكري واستخباراتي ولوجستي واسع لقوات التحالف الشمالي، وهو ائتلاف من الفصائل الأفغانية المعارضة لطالبان كان يسيطر على أجزاء من شمال البلاد. ومع التفوق الجوي الأمريكي والانهيار السريع لخطوط الدفاع في عدد من الجبهات، تمكنت قوات التحالف من دخول مدينة مزار شريف، ثم العاصمة كابول، قبل أن تنسحب قوات الإمارة الإسلامية إلى المناطق الجنوبية والشرقية دون خوض معارك واسعة داخل المدن، تجنبًا – بحسب ما ذكره عدد من قادتها – لتدمير المدن وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين.
وبحلول شهر رمضان سنة 1422هـ الموافق نوفمبر/تشرين الثاني 2001م، كانت معظم المدن الكبرى قد خرجت من سيطرة الإمارة الإسلامية، ثم سقطت مدينة قندهار، آخر معاقل الحكومة، في أواخر رمضان 1422هـ الموافق ديسمبر/كانون الأول 2001م، لتنتهي بذلك المرحلة الأولى من الحرب، وتبدأ مرحلة جديدة اتسمت بوجود عسكري أمريكي مباشر، وتشكيل حكومة أفغانية جديدة برعاية دولية، في مقابل انتقال طالبان إلى حرب العصابات والمقاومة المسلحة التي استمرت قرابة عشرين عامًا.
ومع أن الإدارة الأمريكية أعلنت أن هدفها الرئيس هو القضاء على تنظيم القاعدة ومنع استخدام أفغانستان قاعدةً للهجمات الدولية، فإن مسار الأحداث أظهر سريعًا أن العمليات العسكرية تجاوزت هذا الهدف إلى مشروع أوسع لإعادة تشكيل النظام السياسي والأمني في أفغانستان، وبناء دولة جديدة وفق التصور الغربي، وهو المشروع الذي سيواجه لاحقًا تحديات عسكرية واجتماعية وسياسية كبيرة، انتهت بانسحاب القوات الأجنبية وعودة الإمارة الإسلامية إلى الحكم بعد عقدين من الحرب.
الاحتلال الأمريكي وأهدافه والتحولات الاستراتيجية
بعد سقوط حكومة الإمارة الإسلامية في أواخر رمضان سنة 1422هـ الموافق ديسمبر/كانون الأول 2001م، دخلت أفغانستان مرحلة جديدة من تاريخها، تمثلت في وجود عسكري أمريكي ودولي واسع استمر قرابة عشرين عامًا. ولم يكن هذا الوجود مجرد حملة عسكرية لملاحقة تنظيم القاعدة، بل تطور سريعًا إلى مشروع متكامل لإعادة تشكيل الدولة الأفغانية سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، تحت إشراف الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو).
وقد أعلنت الإدارة الأمريكية أن أهدافها من الحرب تتمثل في القضاء على تنظيم القاعدة، ومنع أفغانستان من أن تصبح ملاذًا للجماعات المسلحة، وإسقاط حكومة طالبان التي اتهمتها بدعم الإرهاب، ثم بناء دولة ديمقراطية مستقرة، وإنشاء مؤسسات أمنية قادرة على حفظ الأمن، وترسيخ حقوق الإنسان، وتمكين المرأة، وإعادة إعمار البلاد بعد عقود من الحروب. وقد تكرر هذا الخطاب في تصريحات الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، ووثائق البيت الأبيض، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ثم أصبح الأساس الذي قامت عليه مشاريع إعادة الإعمار التي موّلتها الولايات المتحدة والدول الغربية بمليارات الدولارات.
حامد كرزاي
وبناءً على ذلك، شُكلت حكومة انتقالية برئاسة حامد كرزاي بعد مؤتمر بون في رمضان سنة 1422هـ الموافق ديسمبر/كانون الأول 2001م، ثم وُضع دستور جديد، وأُجريت انتخابات رئاسية وبرلمانية، وأُنشئ جيش وشرطة جديدان بتمويل وتدريب أمريكيين، كما انتشرت القواعد العسكرية الأجنبية في أنحاء البلاد، وبلغ عدد القوات الأمريكية وقوات الناتو في بعض مراحل الحرب أكثر من مائة ألف جندي.
غير أن تطور الأحداث، وما كُشف لاحقًا من وثائق رسمية أمريكية، أظهر أن المشروع تجاوز مجرد ملاحقة تنظيم القاعدة. فقد أصبح الهدف الفعلي هو إعادة هندسة النظام السياسي الأفغاني وفق النموذج الغربي، وربط البلاد بالمنظومة الأمنية الأمريكية في آسيا الوسطى، وإقامة نظام حليف يحول دون عودة طالبان إلى السلطة، ويضمن المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في منطقة تتوسط روسيا والصين وإيران وباكستان. وقد تناول عدد من الباحثين هذا التحول بوصفه انتقالًا من الحرب على الإرهاب إلى مشروع بناء الدولة، وهو المشروع الذي استنزف الولايات المتحدة ماليًا وعسكريًا طوال عقدين.
كما يرى عدد من الباحثين في العلاقات الدولية أن الموقع الجغرافي لأفغانستان كان عاملًا مهمًا في الحسابات الأمريكية؛ فهي تقع عند ملتقى مناطق النفوذ الروسي والصيني والإيراني، وتجاور جمهوريات آسيا الوسطى الغنية بالطاقة، مما منحها أهمية استراتيجية تتجاوز حدودها الداخلية. ولهذا، كان استمرار الوجود العسكري الأمريكي يحقق أيضًا أهدافًا تتعلق بتوازن القوى في آسيا، وإن اختلفت التقديرات حول مدى تأثير هذا العامل مقارنة بالأهداف الأمنية المعلنة.
غير أن أبرز ما كشفته السنوات الأخيرة من الاحتلال جاء مع نشر وثائق أفغانستان في ربيع الآخر سنة 1441هـ الموافق ديسمبر/كانون الأول 2019م، وهي مجموعة من المقابلات والوثائق الرسمية التي حصلت عليها صحيفة واشنطن بوست بعد معركة قضائية طويلة.
وتضمنت هذه المجموعة أكثر من 2,000 صفحة من وثائق ومقابلات سرية، منها شهادات أكثر من 400 شخص شاركوا بصورة مباشرة في الحرب، من جنرالات ودبلوماسيين ومسؤولين أفغان وعمال إغاثة. وقد تضمنت اعترافات لمسؤولين أمريكيين كبار، ودبلوماسيين، وقادة عسكريين، أكدوا فيها أن الحكومة الأمريكية لم تكن تملك فهمًا حقيقيًا للمجتمع الأفغاني، وأنها كانت تقدم للرأي العام صورة متفائلة عن سير الحرب، في حين كانت تدرك داخليًا حجم الإخفاقات والتعقيدات التي تواجهها. كما أقر بعضهم بأن أهداف الحرب تغيرت مرارًا دون وجود استراتيجية واضحة يمكن تحقيقها، وكشفت الوثائق عن حجم التلاعب ببيانات الحرب لتخفيف أثر الصدمة من خسائر الولايات المتحدة البشرية والمادية في هذه الحرب.
وتؤكد تقارير المفتش العام الأمريكي لإعادة إعمار أفغانستان (SIGAR) هذه الصورة؛ إذ وثقت انتشار الفساد داخل المؤسسات التي أنشأها الاحتلال، وضعف الأجهزة الأمنية رغم الإنفاق الضخم، واعتماد الحكومة الأفغانية شبه الكامل على الدعم الأجنبي، حتى أصبحت عاجزة عن الاستمرار بمجرد بدء الانسحاب الأمريكي. وتشير هذه التقارير إلى أن الولايات المتحدة أنفقت أكثر من تريليوني دولار خلال الحرب، دون أن تتمكن من بناء دولة مستقرة قادرة على الصمود بنفسها.
ومن منظور المجتمع الأفغاني، لم يكن الوجود الأمريكي يُنظر إليه على أنه مجرد بعثة لإعادة الإعمار، بل بوصفه احتلالًا عسكريًا أجنبيًا، خاصة مع استمرار العمليات العسكرية، والغارات الجوية، ووقوع خسائر بين المدنيين، ودخول القوات الأجنبية إلى القرى والمنازل، وهي ممارسات أسهمت في اتساع دائرة السخط الشعبي، واستثمرتها طالبان في إعادة تنظيم صفوفها، وتقدمت في الصفوف الأمامية كحركة مقاومة وجهاد تسعى إلى إنهاء الاحتلال واستعادة استقلال البلاد.
وهكذا، اتسعت الفجوة بين الأهداف المعلنة والأهداف التي ظهرت على أرض الواقع. فبينما رفعت الولايات المتحدة شعار القضاء على الإرهاب وبناء دولة مستقرة، انتهى الأمر بحرب استمرت عشرين عامًا، وخسائر بشرية ومالية هائلة، وانهيار المؤسسات التي أنشأتها بمجرد انسحاب قواتها، وهو ما جعل كثيرًا من الباحثين يعدون التجربة الأمريكية في أفغانستان واحدة من أبرز الإخفاقات الاستراتيجية في التاريخ الأمريكي المعاصر.
الجهاد الأفغاني والمقاومة ضد الاحتلال
لم يؤدِّ سقوط حكومة الإمارة الإسلامية في أواخر رمضان سنة 1422هـ الموافق ديسمبر/كانون الأول 2001م إلى نهاية الحرب في أفغانستان، كما توقعت الولايات المتحدة وحلفاؤها، بل كان بداية مرحلة جديدة اتخذ فيها الصراع طابع الجهاد المسلح طويل الأمد. فقد انسحب كثير من مقاتلي طالبان وقياداتها من المدن الكبرى إلى المناطق الجبلية والريفية، ولا سيما في جنوب البلاد وشرقها، وأعادوا تنظيم صفوفهم بعيدًا عن المواجهة التقليدية التي كانت تميل كفتها بصورة واضحة لصالح القوات الأمريكية المتفوقة في الطيران والتقنيات العسكرية.
وفي السنوات الأولى بعد الاحتلال، تعرضت المقاومة الأفغانية لضربات قاسية نتيجة الملاحقة العسكرية المكثفة، ومقتل عدد من قادتها، واعتقال آخرين، إلا أنها لم تلبث أن استعادت توازنها تدريجيًا. فمنذ سنة 1424هـ الموافق 2003م بدأت الهجمات تتزايد بصورة ملحوظة، واتسع نطاق العمليات ليشمل معظم الولايات الأفغانية، معتمدًا على حرب العصابات، والكمائن، والعمليات الخاطفة، واستنزاف القوات الأجنبية بدلًا من مواجهتها في معارك مفتوحة. وقد عدّ عدد من المؤرخين العسكريين هذه المرحلة نقطة التحول الحقيقية في الحرب، إذ انتقلت المبادرة تدريجيًا من قوات الاحتلال إلى المقاومة الأفغانية.
ولم يكن استمرار المقاومة راجعًا إلى القدرات العسكرية وحدها، بل إلى عوامل اجتماعية ودينية وسياسية متداخلة. فقد بقيت طالبان تتمتع بحاضنة في أجزاء واسعة من المجتمع الريفي، مستفيدة من الروابط القبلية، ومن شبكة المدارس الدينية، ومن رفض قطاعات من الأفغان للوجود العسكري الأجنبي، وما صاحب العمليات العسكرية من غارات جوية، ومداهمات للمنازل، واستهداف مدنيين، وهي أحداث أسهمت في زيادة النقمة على الحكومة المدعومة من الولايات المتحدة، وأوجدت بيئة مواتية لتوسع المقاومة.
كما انتهجت طالبان أسلوبًا تنظيميًا يختلف عن نموذج الجيوش النظامية، فاعتمدت على قيادة لامركزية، وشبكات محلية تتمتع بقدر كبير من الاستقلال في إدارة العمليات، مع المحافظة على وحدة القرار العام. وقد منحها هذا الأسلوب قدرة كبيرة على التكيف مع المتغيرات، وصعّب على القوات الأجنبية القضاء عليها بضربة واحدة، كما حدث مع حركات مسلحة الأخرى.
وفي المقابل، واجهت القوات الأمريكية وحلف الناتو تحديات متزايدة. فعلى الرغم من التفوق العسكري والتقني الهائل، فإن السيطرة على المدن الرئيسة لم تكن تعني السيطرة على الأرياف والجبال، حيث كانت المقاومة تعيد انتشارها باستمرار. كما أدى اتساع رقعة العمليات إلى استنزاف القوات الأجنبية، وارتفاع تكاليف الحرب، وتزايد الخسائر البشرية، الأمر الذي أثار نقاشًا واسعًا داخل الولايات المتحدة والدول المشاركة في الحرب حول جدوى استمرارها. وكثيرًا ما كررت التقارير الغربية الحديث عن خطورة الوضع في أفغانستان وعجز القوات الأجنبية عن بسط سيطرتها وكبح تقدم طالبان.
فشل عسكري رافقه فشل استخباراتي
لم تكن الحرب في أفغانستان مجرد مواجهة عسكرية في الجبال والوديان، بل تحولت كذلك إلى ساحة حرب استخباراتية شرسة بين وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) وتنظيم القاعدة. ومن أبرز المحطات التي كشفت حجم التعقيد والاختراق في تلك الحرب، عملية الطبيب الأردني همام خليل البلوي، المعروف بلقبه الجهادي «أبو دجانة الخراساني». فقد نجح البلوي، بعد اعتقاله من قبل الاستخبارات الأردنية، في إقناع مشغليه بأنه انقلب على تنظيم القاعدة، ثم قُدِّم إلى وكالة الاستخبارات الأمريكية بوصفه عميلاً ثمينًا قادراً على الوصول إلى كبار قادة التنظيم، وفي مقدمتهم الرجل الثاني في قيادة التنظيم، الدكتور أيمن الظواهري. ومع تصاعد الثقة به، دُعي إلى قاعدة “تشابمان” التابعة للاستخبارات الأمريكية في ولاية خوست شرقي أفغانستان في أواخر عام 1430هـ (ديسمبر/كانون الأول 2009م)، حيث استقبله عدد من كبار ضباط الوكالة دون إخضاعه لإجراءات التفتيش المعتادة، أملاً في الحصول على معلومات استثنائية. غير أن البلوي فجّر حزامه الناسف وسط المجتمعين، فقتل سبعة من ضباط وكالة الاستخبارات المركزية، إضافة إلى ضابط استخبارات أردني، وعدد من القادة والجنود الأمريكيين، في واحدة من أكبر الضربات التي تلقتها الوكالة منذ تفجير سفارتها في بيروت عام 1403هـ (1983م).
وقد مثّلت العملية صدمة مدوية للأجهزة الاستخباراتية الغربية، وأصبحت مثالاً بارزًا على مخاطر الاعتماد المفرط على المصادر البشرية، وعلى قدرة التنظيمات الجهادية على تنفيذ عمليات خداع واختراق معقدة حتى في أكثر المواقع الأمنية تحصينًا، لتسجل العملية باعتبارها إحدى أشهر الإخفاقات الاستخباراتية في الحرب الأمريكية على أفغانستان. حيث قُتل عدد كبير من ضباط الاستخبارات في ضربة واحدة، على يد من يُفترض أن يكون عميلا لهم.
صعود طالبان من جديد وتعزيز القوات الأمريكية
وفي ذي القعدة سنة 1429هـ الموافق نوفمبر/تشرين الثاني 2008م، بدأت القيادة الأمريكية تعترف علنًا بأن طالبان استعادت حضورها في معظم أنحاء البلاد، وهو ما دفع إدارة الرئيس باراك أوباما إلى إرسال تعزيزات عسكرية كبيرة فيما عُرف بسياسة “زيادة القوات” خلال سنة 1430هـ الموافق 2009م، حيث ارتفع عدد الجنود الأمريكيين إلى نحو مائة ألف جندي، أملاً في كسر شوكة الجهاد واستعادة زمام المبادرة. غير أن هذه الاستراتيجية حققت نجاحات محدودة ومؤقتة، ولم تتمكن من القضاء على طالبان أو منعها من إعادة الانتشار بعد انتهاء العمليات العسكرية في كل منطقة.
ومع مرور السنوات، أصبحت المقاومة أكثر تنظيمًا واتساعًا، وتمكنت من السيطرة على مناطق ريفية واسعة، وإنشاء إدارات محلية، ومحاكم شرعية، وهياكل تنظيمية في كثير من الولايات، حتى باتت الحكومة الأفغانية تسيطر فقط على المدن الرئيسة، بينما كانت مساحات كبيرة من الريف خارج نفوذها المباشر. وقد وثقت تقارير أمريكية رسمية هذا التراجع المستمر في سيطرة الحكومة المركزية، وأشارت إلى أن ميزان القوى أخذ يميل تدريجيًا لصالح طالبان، رغم استمرار الدعم العسكري والمالي الأمريكي للحكومة الأفغانية.
ولم تعتمد طالبان على العمل العسكري وحده، بل فتحت منذ سنة 1431هـ الموافق 2010م قنوات سياسية للتفاوض، ثم افتتحت مكتبًا سياسيًا في الدوحة، لتجمع بين الضغط العسكري والمسار السياسي في آن واحد. وقد أدى هذا المسار في النهاية إلى توقيع اتفاق الدوحة في رجب سنة 1441هـ الموافق فبراير/شباط 2020م، الذي نص على انسحاب القوات الأمريكية مقابل التزامات متبادلة، وكان ذلك اعترافًا عمليًا بأن الحسم العسكري لم يعد ممكنًا بعد قرابة عقدين من القتال.
وهكذا، تحولت المقاومة الأفغانية من حركة مطاردة فقدت السلطة في سنة 1422هـ/2001م إلى قوة عسكرية وسياسية استطاعت الصمود أمام أكبر تحالف عسكري في العالم، مستفيدة من طبيعة البلاد، ومن الامتداد الاجتماعي الذي احتفظت به، ومن أخطاء مشروع الاحتلال نفسه. وقد كانت هذه المرحلة تمهيدًا مباشرًا للانسحاب الأمريكي، ثم لعودة الإمارة الإسلامية إلى الحكم في محرم سنة 1443هـ الموافق أغسطس/آب 2021م.
أفغانستان… من ساحة حرب إلى مدرسة جهادية كبرى في العالم الإسلامي
لم تقتصر آثار الحرب الأفغانية على حدود أفغانستان، بل امتدت إلى أنحاء واسعة من العالم الإسلامي، حتى أصبحت خلال العقدين اللذين تليا الاحتلال الأمريكي إحدى أكثر القضايا حضورًا في الوعي الإسلامي المعاصر. فقد تابع ملايين المسلمين أخبار المعارك اليومية، والانتصارات والإخفاقات، والضربات الجوية، وصور القصف والاعتقالات، وتحوّلت أفغانستان في نظر كثيرين إلى رمز لمقاومة قوة عظمى تمتلك أضخم ترسانة عسكرية في العالم.
وساعد على انتشار هذا التأثير التطور المتسارع في وسائل الإعلام والاتصال، فلم تعد الرسائل المرتبطة بالحرب تعتمد على القنوات التقليدية، بل أخذت تنتشر عبر المواقع الإلكترونية والمنتديات والمواد المرئية والمسموعة، ثم ظهرت مؤسسات ومنابر إعلامية متخصصة في إنتاج البيانات والتسجيلات الجهادية وترجمتها وتوزيعها على جمهور عالمي. وكان من أبرزها «السحاب»، الذراع الإعلامية لتنظيم القاعدة، التي كانت تصدر وثائقيات وتحليلات عميقة للصراع وتقدم بطولات التنظيم بصورة مؤثرة في النفوس، كما فعلت مع روايتها لأحداث الحادي عشر من سبتمبر ونقل وصايا المنفذين وكلمات أمرائهم. وإلى جانب مواقع ومنابر مبكرة مثل «النداء»، برزت لاحقًا مؤسسات إعلامية أكثر تنظيمًا؛ فأُنشئت «الجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية» نحو عام 1425هـ/2004م، وتركز نشاطها بصورة خاصة على ترجمة المواد الصادرة عن التنظيمات الجهادية وإعادة نشرها بلغات متعددة، ثم ظهر «مركز الفجر الإعلامي» نحو عام 1427هـ/2006م بوصفه قناة رئيسية لتوزيع المواد الإعلامية الصادرة عن القاعدة وعدد من فروعها. ومع تزايد الملاحقة وإغلاق المواقع والمنتديات، تطورت آليات النشر وإعادة التوزيع، فتشكلت تدريجيًا شبكة إعلامية تتكامل فيها أدوار الإنتاج والترجمة والتوزيع، وتتجاوز الحدود الجغرافية للصراع الأفغاني لتخاطب جمهورًا أوسع في أنحاء العالم.
وانتشرت التسجيلات الصوتية والمرئية والأناشيد المرتبطة بالجهاد، وتداولتها المنتديات والمواقع الإلكترونية على نطاق واسع، وأصبحت جزءًا من البيئة الإعلامية التي صاحبت مرحلة ما بعد 2001. وأسهم هذا النشاط الإعلامي في نقل الحرب الأفغانية من كونها صراعًا يجري داخل حدود أفغانستان إلى قضية ذات حضور عالمي، وفي بناء سرديات عابرة للحدود أثرت في قطاعات من الحركات والتيارات الجهادية في مناطق مختلفة من العالم.
وفي الوقت نفسه، أصبحت أفغانستان مركزًا استقطب أفرادًا وجماعات من بلدان متعددة، كما كانت قد فعلت في مرحلة الجهاد ضد الاتحاد السوفييتي. فقد وفد إليها مهاجرون سعوا للمشاركة في القتال أو تلقي التدريب أو إقامة صلات مع شبكات قائمة، وكان لتنظيم القاعدة دور بارز في هذا المجال، مستفيدًا من حضوره التاريخي في البلاد ومن شبكاته العابرة للحدود.
كما شهدت تلك الحقبة ازدهارًا ملحوظًا في المنتديات الإلكترونية التي كانت تمثل منصات للنقاش ونشر البيانات والتعليقات والمواد الإعلامية، قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي بصورتها الحالية. وكانت بعض هذه المنصات مرتبطة بتنظيم القاعدة أو بمؤيديه، في حين كان بعضها الآخر ساحات مفتوحة يتابع فيها المهتمون والصحفيون والباحثون تطورات الحرب ويتداولون أخبارها. وقد تناولت مراكز الأبحاث الغربية هذه الظاهرة بوصفها بداية تشكل فضاء رقمي عابر للحدود مكّن الأفكار المرتبطة بالجهاد الأفغاني من الوصول إلى جمهور واسع.
وفي المقابل، ردت الولايات المتحدة وحلفاؤها بحملة أمنية واستخباراتية غير مسبوقة. فبعد سنة 1422هـ الموافق 2001م أُنشئت منظومات دولية جديدة لمكافحة الإرهاب، وتوسعت برامج المراقبة، واعتُقل آلاف الأشخاص في دول متعددة، وافتُتح معتقل غوانتانامو في رمضان سنة 1422هـ الموافق يناير/كانون الثاني 2002م، إلى جانب شبكة من السجون السرية وعمليات التسليم الاستثنائي التي أدارتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA). كما فُرضت قيود واسعة على التحويلات المالية، وأُغلقت جمعيات ومؤسسات، وصُنفت منظمات وأفراد على قوائم الإرهاب في عشرات الدول.
ومع ذلك، خلص عدد من الباحثين إلى أن هذه الإجراءات الأمنية، على الرغم من نجاحها في إضعاف كثير من الشبكات التنظيمية واعتقال أو قتل عدد من قياداتها، فضلا عن كمّ القهر والظلم الذي رافقها باستهداف مدنيين لا علاقة لهم بالصراع والذي وصفه باحثون بـ”الرد الأمريكي المبالغ فيه”، لم تؤدِّ إلى إنهاء التأثير الفكري الذي خلفته الحرب الأفغانية. فقد ظلت أفغانستان حاضرة في أدبيات العديد من الحركات الإسلامية الجهادية، بوصفها تجربة تاريخية مهمة في مواجهة قوة عظمى، كما بقيت مادةً أساسية في الخطابات الإعلامية والتنظيرية التي صدرت عن بعض التنظيمات خلال تلك الفترة. ويؤكد متخصصون في دراسة الحركات الجهادية أن التجربة الأفغانية أصبحت مرجعًا مؤثرًا في تطور كثير من هذه الحركات، سواء من حيث التنظيم، أو الخطاب، أو الاستراتيجية، حتى مع اختلافها الكبير في الأهداف والأساليب والبيئات المحلية.
ومن ثم، فإن دراسة الحرب الأفغانية لا تكتمل بالوقوف عند حدودها العسكرية والسياسية داخل أفغانستان، إذ تجاوز أثرها تلك الحدود ليصبح أحد أبرز العوامل التي أسهمت في تشكيل مشهد الحركات الإسلامية الجهادية خلال العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين، وهو تأثير لا يزال حاضرًا في كثير من الدراسات التاريخية والأمنية المعاصرة.
لقد انعكس الحضور الرمزي للمقاومة الأفغانية على الخطاب الإعلامي للحركات الجهادية في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي. ففي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، انتشرت الأناشيد والمواد المرئية التي تتغنى بالمقاومة في أفغانستان، وكان من أشهرها نشيد “سلامي على طالبان” الذي ذاع انتشاره في المنتديات الإسلامية وشبكات تداول الملفات آنذاك، وأصبح من أكثر المواد الإعلامية تداولًا بين أنصار التيار الجهادي. كما كثرت البيانات والرسائل الصادرة عن جماعات جهادية في العراق، وشبه الجزيرة العربية، وشمال وشرق إفريقيا، وغيرها، تعلن فيها تأييدها للجهاد الأفغاني، وتصفه بأنه رأس المواجهة مع الولايات المتحدة، وتدعو إلى نصرته والدعاء له، أو تجعل صموده مصدرًا للإلهام في خطاباتها الإعلامية.
ومن الناحية التنظيمية، كما أسلفنا، أصبحت أفغانستان خلال تلك المرحلة نقطة التقاء لكثير من العناصر المنتمية إلى الحركات الجهادية العابرة للحدود. وتشير الدراسات المتخصصة إلى أن عددًا من القيادات التي برزت لاحقًا في العراق، واليمن، وشمال إفريقيا، وبلاد الشام، والصومال، وغيرها، كانوا قد مروا بأفغانستان أو تلقى بعضهم تدريبًا في معسكراتها خلال سنوات مختلفة، سواء في مرحلة الجهاد ضد الاتحاد السوفييتي أو في السنوات التي سبقت الغزو الأمريكي أو تلته.
ولهذا كثيرًا ما وصفت الأدبيات الأكاديمية أفغانستان بأنها كانت المهد التنظيمي أو المدرسة الأولى لجيل من القيادات التي قادت لاحقًا حركات جهادية في بلدانها، مع اختلاف كبير في توجهاتها التنظيمية وأساليب عملها.
وقد أسهم تنظيم القاعدة في توسيع هذا التأثير عبر شبكاته الإعلامية والتنظيمية، فاستثمر الرمزية التي اكتسبتها أفغانستان بعد الغزو الأمريكي في تعزيز حضوره العالمي، وربط كثير من خطاباته بمعركة أفغانستان بوصفها جبهة مركزية في مواجهة الولايات المتحدة. ويرى عدد من الباحثين أن استمرار الحرب، وما رافقها من صور القصف والاعتقالات ومعتقل غوانتانامو والجرائم الغربية، أمدّ هذا الخطاب بمادة إعلامية استُخدمت في استقطاب الأنصار وتعبئة المؤيدين، حتى أصبحت أفغانستان، خلال سنوات الاحتلال، محورًا ثابتًا في أدبيات التيار الجهادي العالمي.
علاقة تنظيم القاعدة بحركة طالبان
من أبرز الأحداث التي ربطت الحرب الأفغانية بالتيار الجهادي العالمي علاقةُ تنظيم القاعدة بحركة طالبان، ولا سيما بيعة أسامة بن لادن وأتباعه للملا محمد عمر، أمير الإمارة الإسلامية. وقد نشأت العلاقة بين الطرفين في مرحلة ما بعد الجهاد ضد الاتحاد السوفييتي، حين انتقل أسامة بن لادن إلى أفغانستان سنة 1417هـ الموافق 1996م، بعد خروجه من السودان، واستقر في مناطق خاضعة لسيطرة طالبان.
ولم تكن العلاقة بين طالبان والقاعدة علاقة اندماج تنظيمي، بل تعاونًا بين طرفين يختلفان في طبيعة المشروع؛ فطالبان حركة أفغانية ذات مشروع محلي يركز على حكم أفغانستان وفق مذهبها وإنهاء الفوضى الداخلية، بينما كان تنظيم القاعدة – سلفي جهادي – يحمل مشروعًا عابرًا للحدود، يركز على مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها والتمهيد لإقامة خلافة إسلامية تتجاوز حدود الدولة الأفغانية. ومع ذلك، وفرت طالبان لقيادات القاعدة ملاذًا وأمنًا في أفغانستان، بينما قدمت القاعدة دعمًا ماليًا وخبرات عسكرية في بعض المجالات.
وفي هذا السياق، أعلن أسامة بن لادن وأتباعه مبايعة الملا محمد عمر باعتباره أمير المؤمنين. وكانت هذه البيعة، بحسب ما تكشفه وثائق أبوت آباد التي عُثر عليها في منزل بن لادن ونشرتها الإدارة الأمريكية، مرتبطة بالجهاد وإقامة الخلافة، وهي الصيغة التي أقرّتها فروع القاعدة آنذاك، بما فيها فروع العراق واليمن والصومال وشبه القارة الهندية. وهي بيعة خاصة بين التنظيم والإمارة الإسلامية على أرضها، لا بيعة عامة تلزم عموم المسلمين، وقد كانت تقوم على واجب الجهاد وهدف إقامة الخلافة الإسلامية.
وعمليًا، وفرت هذه العلاقة للقاعدة إطارًا أمنيًا وسياسيًا للعمل في أفغانستان، في الوقت الذي استفادت فيه طالبان من بعض الموارد والخبرات والعلاقات التي وفرتها القاعدة. ثم اكتسب الارتباط بين الطرفين أهمية دولية أكبر بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001م، إذ ربطت الولايات المتحدة بين وجود قيادة القاعدة في أفغانستان وقدرتها على تنفيذ عمليات خارج حدودها، وأصبحت أفغانستان في الخطاب الأمريكي جزءًا من “الحرب العالمية على الإرهاب”.
وبعد الغزو الأمريكي، اتسع انتشار الارتباط بالقاعدة في مناطق مختلفة، فظهرت جماعات أعلنت تأييدها لها أو ارتباطها بها، ثم فروع أعلنت بيعتها لقيادتها، مثل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وحركة الشباب المجاهدين وغيرها. ومع ذلك، تشير الدراسات المتخصصة إلى أن كثيرًا من هذه الجماعات احتفظت باستقلال نسبي في قراراتها، وأن ظروفها المحلية كانت عاملًا حاسمًا في توجهاتها، ولم تكن مجرد امتدادات تنفيذية مباشرة للقيادة المركزية، لكنها كانت متفقة مع استراتيجية التمكين التي رسمها أمير التنظيم أسامة بن لادن والقيادة المرافقة له.
وقد كان لهذا الارتباط أثر كبير في تشكيل صورة أفغانستان بوصفها مركزًا للمواجهة الجهادية العالمية، كما أسهم في توسيع أهداف الحرب الأمريكية من ملاحقة تنظيم القاعدة إلى مشروع أوسع لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع الأفغاني، وهو ما زاد من تعقيد الصراع وأطال أمده.
دور العلماء والقبائل في المجتمع الأفغاني
يصعب فهم تاريخ أفغانستان، ولا سيما خلال الاحتلالين السوفييتي والأمريكي، دون الوقوف على الدور المحوري للعلماء والقبائل؛ فقد شكّلا عبر قرون ركيزتين أساسيتين في حفظ الهوية الدينية، وإدارة الشؤون المحلية، ومواجهة التدخلات الأجنبية.
ومنذ دخول الإسلام إلى أفغانستان في منتصف القرن الأول الهجري، احتل العلماء مكانة بارزة في المجتمع، وبرزت مراكز علمية في بلخ وغزنة وهراة وكابل وقندهار، وتخرج من هذه البلاد عدد من كبار علماء الإسلام، كأبي داود السجستاني، والترمذي، والنسائي، وأبي سليمان الخطابي، مما رسخ مكانة العلم الشرعي في المجتمع الأفغاني. واستمرت هذه المكانة خلال الحروب الحديثة؛ فعند الغزو السوفييتي في صفر 1400هـ/ديسمبر 1979م، كان العلماء من أبرز الداعين إلى مقاومته، ثم ظل كثير منهم خلال الاحتلال الأمريكي الذي بدأ في رجب 1422هـ/أكتوبر 2001م مرجعيات دينية واجتماعية في مناطق واسعة، يضطلعون بالتعليم والإفتاء والإصلاح والوساطة والقضاء المحلي، ولا سيما حيث ضعفت مؤسسات الدولة.
وبالتوازي مع ذلك، احتفظ النظام القبلي بنفوذ واسع، خاصة بين البشتون، مع استمرار الزعامات والأعراف المحلية لدى الطاجيك والأوزبك وغيرهم. وكانت القبيلة إطارًا للحماية والتكافل، بينما أدت مجالس الشورى القبلية، المعروفة بالجِرْگة، دورًا في حل النزاعات واتخاذ القرارات الجماعية، الأمر الذي منح المجتمع قدرة على الاستمرار في ظل ضعف السلطة المركزية.
وقد حاولت الولايات المتحدة استيعاب هذه البنية من خلال استمالة زعماء القبائل وإدماجهم في النظام السياسي الجديد وإنشاء مجالس محلية مرتبطة بالحكومة، إلا أن كثيرًا من الولاءات ظلت مرتبطة بالعوامل الدينية والأسرية والمحلية أكثر من ارتباطها بالمؤسسات التي أنشأتها الحكومة المدعومة من الاحتلال. كما أسهمت الغارات الجوية وسقوط المدنيين والمداهمات الليلية وانتهاك حرمة البيوت في تعميق التوتر مع القوات الأجنبية، وفي اتساع التعاطف مع المقاومة في مناطق مختلفة.
وكانت العلاقة بين العلماء والقبائل عاملًا مهمًا في هذا التأثير؛ فـالملا، وهو لقب شائع في أفغانستان يُطلق على علماء الدين ومدرّسي العلوم الشرعية، أو المفتي، كان غالبًا جزءًا من النسيج القبلي والاجتماعي، يعرف أعراف قومه ولغتهم، ويشارك في مجالسهم، ولذلك تجاوز تأثيره المسجد والمدرسة إلى الإصلاح الاجتماعي وتوجيه المواقف العامة والوساطة في النزاعات. ومن هنا كان ضعف فهم هذه البنية أحد العوامل التي أضعفت قدرة المشروع الأمريكي على إحلال مؤسسات الدولة الحديثة محل المرجعيات الاجتماعية الراسخة، إذ ظل العالم الديني، وشيخ القبيلة، ومجلس الجِرْگة، وهو مجلس تقليدي للتشاور وتسوية النزاعات واتخاذ القرارات الجماعية، أقرب إلى حياة الناس اليومية وأكثر حضورًا في مجتمعات كثيرة.
وانعكس حضور العلماء كذلك داخل الحركة التي أصبحت لاحقًا الإمارة الإسلامية؛ فقد نشأت طالبان أساسًا في بيئة المدارس الدينية، وكان عدد من قادتها الأوائل من طلبة العلم، وفي مقدمتهم الملا محمد عمر الذي كان طالب علم ومدرسًا قبل توليه قيادة الحركة. كما ضمت مجالس الشورى والقيادات العليا عددًا من العلماء والقضاة وطلبة العلم، فكان للمرجعية الدينية حضور في مناقشة قضايا الحكم والسياسة والعلاقات الخارجية، وإن اختلف الباحثون في تقدير مدى تأثيرها وحدودها باختلاف المراحل.
ومع ذلك، لا يصح تصوير العلماء أو القبائل بوصفهم كتلة واحدة؛ فقد اختلفت مواقفهم باختلاف المناطق والظروف والمصالح والتقديرات. لكن حضورهم ظل عاملًا أساسيًا في تشكيل المجتمع الأفغاني ومواقفه خلال عقود الحرب، وفي الحفاظ على جانب مهم من هويته الدينية والاجتماعية، وهو ما يجعل فهم دورهم ضروريًا لفهم مسار التاريخ الأفغاني الحديث.
إخفاق مشروع بناء الدولة الأفغانية
بعد إسقاط حكومة الإمارة الإسلامية في أواخر رمضان 1422هـ/ديسمبر 2001م، انتقلت الولايات المتحدة من إسقاط طالبان وملاحقة تنظيم القاعدة إلى مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة الأفغانية، قائم على دستور جديد، وانتخابات، وحكومة مركزية، وجيش وأجهزة أمنية، واقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات الدولية. واستمر هذا المشروع نحو عشرين عامًا، لكنه انتهى بانهيار سريع للحكومة والقوات التي أنشئت بدعم أمريكي وغربي، عقب الانسحاب في أغسطس 2021م.
تأسيس النظام السياسي الجديد
أشرف غني.. الرئيس الأفغاني الذي غادر بلاده مع دخول طالبان كابل
بدأت المرحلة الانتقالية بمؤتمر بون في ذي القعدة 1422هـ/ديسمبر 2001م، حيث اختير حامد كرزاي رئيسًا للإدارة الانتقالية، ثم أصبح رئيسًا للجمهورية بعد انتخابات 2004م. وتولى السلطة حتى 2014م، وخلفه أشرف غني بعد انتخابات متنازع عليها انتهت إلى تشكيل «حكومة الوحدة الوطنية» مع منافسه عبد الله عبد الله، ثم أعيد انتخابه في 2020م وسط خلافات سياسية واسعة.
وهكذا تعاقب على النظام السياسي الذي نشأ بعد التدخل الأمريكي رئيسان أساسيان: حامد كرزاي (2001–2014م) وأشرف غني (2014–2021م). وعلى الرغم من ضخامة الدعم الدولي، ظلت الدولة تعتمد بدرجة كبيرة على المساندة الأمريكية والغربية، ولم تصل إلى استقلال مؤسسي يمكنها من الصمود منفردة.
أسباب الإخفاق
أولًا: ضعف الشرعية السياسية. ارتبط النظام الجديد منذ نشأته بالدعم العسكري والسياسي الأجنبي، مما دفع قطاعات من المجتمع إلى النظر إليه بوصفه مرتبطًا بالقوات الأجنبية. كما أضعفت اتهامات التزوير وضعف المشاركة في بعض المناطق والثقة المحدودة بالمؤسسات السياسية قدرة الحكومة على بناء إجماع وطني واسع، واستفادت طالبان من ذلك في تقديم نفسها بوصفها حركة مقاومة للوجود الأجنبي.
ثانيًا: الفساد والاعتماد على المساعدات. على الرغم من تدفق مليارات الدولارات على أفغانستان، انتشر الفساد داخل مؤسسات الدولة، وضعفت الرقابة على الأموال، ونشأت شبكات مرتبطة بمسؤولين محليين. وأسهم ذلك في إضعاف الثقة بالحكومة، كما جعل الاقتصاد والدولة معتمدين بدرجة كبيرة على التمويل الخارجي بدل بناء مؤسسات وقدرات إنتاجية مستدامة.
ثالثًا: هشاشة الجيش وقوات الأمن. أنفقت الولايات المتحدة وحلفاؤها مبالغ ضخمة في تدريب وتجهيز القوات الأفغانية، لكنها ظلت تعتمد على الدعم الأمريكي في مجالات أساسية، ولا سيما الإسناد الجوي واللوجستي والاستخبارات والصيانة. وأضعف الفساد ومشكلات القيادة والإدارة، إلى جانب وجود عناصر وهمية في كشوف الرواتب وضعف الدافع القتالي في بعض الوحدات، قدرتها على الصمود. وقد ظهر ذلك بوضوح في صيف 2021م، حين انهارت القوات الحكومية بسرعة مع تقدم طالبان وانسحاب القوات الأجنبية.
رابعًا: سوء فهم البنية الاجتماعية الأفغانية. اعتمد المشروع على نموذج مركزي للدولة ومؤسسات سياسية مستوحاة من التجربة الغربية، بينما ظل المجتمع الأفغاني قائمًا على شبكة معقدة من العلماء والقبائل والزعامات المحلية والأعراف الاجتماعية. ولذلك بدت بعض مؤسسات الدولة قوية على الورق، لكنها لم تمتلك دائمًا الجذور الاجتماعية التي تمكنها من فرض نفوذها خارج المراكز الحضرية.
خامسًا: استمرار طالبان واستنزاف الاحتلال. لم تتمكن الولايات المتحدة وحلفاؤها من القضاء على طالبان، التي أعادت تنظيم صفوفها واستفادت من طبيعة البلاد وأخطائها وأخطاء الحكومة. ومع استمرار الحرب، تصاعدت تكلفتها العسكرية والمالية والسياسية، وانتقلت الاستراتيجية الأمريكية تدريجيًا من السعي إلى حسم عسكري إلى البحث عن تسوية وانسحاب.
النتيجة وانهيار المشروع
أنفقت الولايات المتحدة خلال الحرب التي امتدت من عام 2001م (1422هـ) إلى عام 2021م (1443هـ) أكثر من تريليوني دولار، وقُتل أكثر من ألفي جندي أمريكي، إلى جانب خسائر بشرية هائلة بين الأفغان. ومع ذلك، انتهى المشروع بانسحاب القوات الأمريكية وسقوط الحكومة الأفغانية خلال أيام معدودة، ودخول طالبان إلى كابل في 15 أغسطس/آب 2021م، الموافق 7 محرم 1443هـ.
وهكذا لم يكن إخفاق مشروع بناء الدولة نتيجة عامل منفرد، بل حصيلة تراكمية لضعف الشرعية، والفساد، والاعتماد على الدعم الخارجي، وهشاشة المؤسسات الأمنية، وسوء فهم البنية الاجتماعية، واستمرار الحرب. وكانت المفارقة الأبرز أن الولايات المتحدة دخلت أفغانستان لإسقاط طالبان ومنع عودتها إلى الحكم، ثم غادرتها بعد عقدين وقد عادت الحركة نفسها إلى السلطة، لتبقى مسألة بناء دولة مستقرة وقادرة على الاعتماد على ذاتها من أكبر تحديات أفغانستان في مرحلتها الجديدة.
الانسحاب الأمريكي وأسبابه
لم يكن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في محرم 1443هـ/أغسطس 2021م قرارًا مفاجئًا، بل نتيجة مسار امتد سنوات، تراكمت خلاله إخفاقات عسكرية وسياسية واقتصادية، وتغيرت معه الأولويات الاستراتيجية الأمريكية. فقد دخلت الولايات المتحدة أفغانستان في رجب 1422هـ/أكتوبر 2001م بهدف معلن هو القضاء على تنظيم القاعدة وإسقاط حكومة طالبان التي وفرت له الملاذ، ثم توسعت الحرب إلى مشروع لبناء دولة أفغانية جديدة وجيش ومؤسسات سياسية قادرة على الاستمرار. ومع مرور الوقت، تراجع الإيمان بإمكان تحقيق هذه الأهداف عبر وجود عسكري مفتوح.
فشل الحسم العسكري
على الرغم من التفوق العسكري الأمريكي وحلف الناتو، تمكنت طالبان من إعادة تنظيم صفوفها وتحويل الحرب إلى صراع استنزاف طويل. واستطاعت القوات الأجنبية السيطرة على المدن والمراكز العسكرية، لكنها لم تتمكن من تحويل التفوق العسكري إلى استقرار سياسي دائم، خصوصًا في المناطق الريفية التي حافظت فيها طالبان على شبكات محلية وقدرة على إعادة الانتشار.
وأصبح القضاء الكامل على الحركة هدفًا غير واقعي، في ظل استمرار القتال رغم سنوات طويلة من العمليات العسكرية. ومن ثم انتقلت الاستراتيجية تدريجيًا من محاولة تحقيق نصر عسكري إلى البحث عن تسوية سياسية تنهي الحرب.
تكلفة الحرب وفشل بناء الدولة
ساهمت الكلفة البشرية والمالية للحرب في تغيير الحسابات الأمريكية. فقد أنفقت الولايات المتحدة أكثر من تريليوني دولار على العمليات العسكرية وإعادة الإعمار خلال عقدين، وسقط أكثر من ألفي جندي أمريكي، إلى جانب خسائر بشرية كبيرة بين الأفغان وقوات التحالف.
وفي الوقت نفسه، لم تنجح واشنطن في بناء دولة تتمتع بشرعية ومؤسسات مستقلة عن الدعم الخارجي. فقد ظل النظام السياسي يعاني من الفساد والخلافات الداخلية وضعف الإدارة، بينما بقي الاقتصاد والمؤسسات الأمنية معتمدين بدرجة كبيرة على المساعدات والتمويل الأجنبي.
هشاشة الجيش والقوات الأمنية الأفغانية
كان بناء جيش وقوات أمن قادرة على تحمل مسؤولية البلاد بعد الانسحاب محورًا أساسيًا في الاستراتيجية الأمريكية، إلا أن هذه القوات ظلت تعتمد على الولايات المتحدة في مجالات حيوية، منها الغطاء الجوي والاستخبارات والصيانة واللوجستيات والتمويل.
وعندما بدأ الانسحاب، ظهرت هشاشة هذا الاعتماد سريعًا؛ فتراجعت قدرة القوات الحكومية على القتال، وسقطت مناطق وولايات تباعًا أمام طالبان، قبل أن تنهار الحكومة وتدخل الحركة إلى العاصمة كابل.
تحوّل الأولويات الاستراتيجية الأمريكية
سبق الانسحابَ مسارٌ تفاوضي بدأ في عهد الرئيس دونالد ترامب، وانتهى بتوقيع اتفاق الدوحة في رجب 1441هـ/فبراير 2020م، الذي نص على انسحاب القوات الأمريكية مقابل تعهدات أمنية من طالبان. ومثّل الاتفاق تحولًا واضحًا من الرهان على الحسم العسكري إلى التفاوض على إنهاء الحرب، كما أضعف موقع الحكومة الأفغانية التي لم تكن طرفًا أساسيًا فيه.
ثم جاء قرار إدارة جو بايدن، في 2 رمضان 1442هـ/14 أبريل 2021م، بالمضي في الانسحاب النهائي من أفغانستان، في سياق أوسع لإعادة ترتيب الأولويات الأمريكية. فقد خلصت الإدارة إلى أن استمرار الوجود العسكري في أفغانستان لم يعد يتناسب، في تقديرها، مع المصالح التي تسعى واشنطن إلى التركيز عليها، ولا سيما مواجهة التحديات الاستراتيجية الجديدة وتعزيز القدرة الأمريكية على منافسة القوى الكبرى، وفي مقدمتها الصين، مع تنامي الاهتمام كذلك بالتحديات المرتبطة بروسيا.
كما رأت الإدارة الأمريكية أن الهدف الذي بدأت من أجله الحرب، وهو منع أفغانستان من أن تكون قاعدة لشن هجمات على الولايات المتحدة، قد تحقق إلى حد كبير، وأن استمرار الوجود العسكري لم يعد ضروريًا لتحقيق هذا الهدف.
هل كان الانسحاب هزيمة؟
اختلف توصيف الانسحاب؛ فقد قدمته الإدارة الأمريكية باعتباره إنهاءً لحرب طويلة وإعادة توجيه للسياسة الخارجية، بينما رأى كثير من الباحثين أن سرعة انهيار الحكومة والجيش، وعودة طالبان إلى كابل، كشفت بوضوح عن فشل الأهداف الأوسع التي توسعت إليها الحرب، وعلى رأسها بناء دولة مستقرة قادرة على الاعتماد على نفسها.
وكانت مشاهد الإجلاء من مطار كابل في أغسطس/آب 2021م (محرم 1443هـ) من أبرز مظاهر هذا الإخفاق، لما عكسته من انهيار سريع للنظام الذي أنفق الغرب عقدين في دعمه.
وهكذا لم يكن الانسحاب نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تراكمية لفشل الحسم العسكري، وهشاشة الدولة والجيش، والاعتماد على الدعم الخارجي، وارتفاع تكلفة الحرب، وتغير الأولويات الأمريكية، إلى جانب صمود طالبان وقدرتها على استعادة نفوذها. وانتهت الحرب بصورة تحمل مفارقة تاريخية واضحة: دخلت الولايات المتحدة أفغانستان لإسقاط طالبان ومنع عودتها إلى الحكم، ثم غادرتها بعد عشرين عامًا وقد عادت الحركة نفسها إلى السيطرة على العاصمة.
كابول 2021 وذكريات سايغون 1975
أثارت مشاهد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في محرم 1443هـ/أغسطس 2021م مقارنات واسعة مع الانسحاب الأمريكي من فيتنام في رمضان 1395هـ/أبريل 1975م، حتى وصفها بعض المحللين بأنها «سايغون جديدة». فقد أعادت مشاهد الإجلاء من مطار كابل، وازدحام المدنيين حوله، ونقل الدبلوماسيين والموظفين الأمريكيين، إلى الأذهان صور إجلاء الأمريكيين وحلفائهم من سايغون قبيل سقوطها في 30 أبريل/نيسان 1975م، الموافق 18 ربيع الآخر 1395هـ.
وكان التشابه الذي غذّى هذه المقارنة سياسيًا ورمزيًا: حرب طويلة خاضتها الولايات المتحدة خارج أراضيها، إنفاق عسكري ومالي ضخم، دعم حكومة حليفة، ثم انهيارها السريع بعد انسحاب القوات الأمريكية. ففي فيتنام سقطت سايغون أمام قوات فيتنام الشمالية، وفي أفغانستان دخلت طالبان كابل بعد انهيار الحكومة والقوات الأفغانية.
ومع ذلك، فإن التشبيه لا يعني تطابق التجربتين؛ فالحرب في فيتنام كانت جزءًا من صراع الحرب الباردة، بينما بدأت الحرب الأفغانية أساسًا لملاحقة تنظيم القاعدة ومنع استخدام أفغانستان قاعدة للهجمات على الولايات المتحدة، ثم توسعت إلى مشروع طويل لبناء الدولة. كما اختلفت طبيعة الصراعين والقوى المحلية والظروف الدولية اختلافًا كبيرًا.
لكن وجه الشبه الأهم كان في المفارقة بين التفوق العسكري والنتيجة السياسية؛ إذ لم تستطع الولايات المتحدة، في أي من التجربتين، تحويل التفوق العسكري والإنفاق الهائل إلى نظام سياسي قادر على الصمود بعد انسحابها. ولذلك أصبحت صور مطار كابل رمزًا سياسيًا لحدود القوة الأمريكية، كما أصبحت صور سايغون قبلها رمزًا لفشل القدرة العسكرية وحدها في فرض تسوية سياسية مستقرة.
ومن هنا تجاوزت مقارنة كابل بسايغون مجرد التشابه البصري؛ فقد تحولت إلى نقاش أوسع حول حدود التدخل العسكري الأمريكي، وصعوبة بناء أنظمة سياسية مستقرة من الخارج، والفارق بين تحقيق نصر عسكري مؤقت وتحقيق نتيجة سياسية قابلة للاستمرار.
اتفاق الدوحة: الطريق إلى الانسحاب الأمريكي من أفغانستان
مثّل «اتفاق الدوحة» بين الولايات المتحدة وطالبان نقطة التحول السياسية الأبرز التي مهدت لإنهاء الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان بعد نحو عشرين عامًا من الحرب. وُقّع الاتفاق في الدوحة في 5 رجب 1441هـ/29 فبراير 2020م، بعد مفاوضات طويلة بين الوفد الأمريكي بقيادة المبعوث الخاص زلماي خليل زاد ووفد طالبان بقيادة الملا عبد الغني برادر.
وجاء الاتفاق بعد تراجع الرهان الأمريكي على الحسم العسكري، في مقابل نجاح طالبان في الحفاظ على قدرتها العسكرية والسياسية، الأمر الذي نقلها من موقع الحركة التي تحاربها الولايات المتحدة إلى طرف تفاوضه رسميًا بشأن مستقبل أفغانستان.
أبرز بنود الاتفاق
تضمن الاتفاق أربعة محاور رئيسة:
أولًا: الانسحاب الأمريكي والقوات الأجنبية. تعهدت الولايات المتحدة بسحب قواتها وقوات حلفائها من أفغانستان خلال أربعة عشر شهرًا، على مراحل تبدأ بخفض القوات الأمريكية إلى نحو 8600 جندي خلال 135 يومًا، مع إغلاق عدد من القواعد، وصولًا إلى الانسحاب الكامل.
ثانيًا: الضمانات المتعلقة بمكافحة الإرهاب. تعهدت طالبان بمنع استخدام الأراضي الأفغانية من قبل أي جماعة أو فرد يهدد أمن الولايات المتحدة وحلفائها، وباتخاذ خطوات تحول دون استخدام أفغانستان قاعدة لشن هجمات خارجية. وكان تنظيم القاعدة والجماعات المرتبطة به في صلب هذه التفاهمات.
ثالثًا: المفاوضات الأفغانية الداخلية. نص الاتفاق على بدء حوار بين طالبان والأطراف الأفغانية، بما فيها الحكومة، للوصول إلى تسوية سياسية تحدد مستقبل البلاد ونظامها السياسي.
رابعًا: خفض العنف ووقف إطلاق النار. لم ينص الاتفاق على وقف إطلاق نار شامل وفوري، وإنما جعل التوصل إلى وقف دائم وشامل لإطلاق النار جزءًا من أجندة المفاوضات الأفغانية الداخلية.
قضية الأسرى وتبادل المعتقلين
ارتبط الاتفاق كذلك بملف الأسرى، إذ نص على العمل من أجل إطلاق سراح ما يصل إلى خمسة آلاف من أسرى طالبان مقابل نحو ألف من أسرى الحكومة الأفغانية، باعتبار ذلك إجراءً لبناء الثقة وتهيئة المناخ للمفاوضات.
وأثار هذا البند خلافًا مع حكومة أشرف غني، التي لم تكن طرفًا في توقيع الاتفاق، ورفضت في البداية اعتبار نفسها ملزمة بتنفيذ عملية الإفراج. وأسهم الخلاف في تأخير انطلاق المفاوضات الأفغانية الداخلية.
المسار السياسي بعد الاتفاق
كان الأثر الأهم للاتفاق أنه وضع جدولًا زمنيًا رسميًا لإنهاء الوجود العسكري الأمريكي، وربط الانسحاب بمسار سياسي وأمني جديد. كما منح طالبان اعترافًا عمليًا بها طرفًا رئيسيًا في مستقبل البلاد، في حين ترك الحكومة الأفغانية في موقع أضعف؛ إذ جرت المفاوضات الأساسية بين واشنطن وطالبان دون مشاركتها طرفًا في الاتفاق.
ولم يؤد الاتفاق إلى إنهاء الحرب مباشرة؛ فقد استمر القتال بين طالبان والقوات الحكومية، وتعثر مسار المفاوضات الداخلية، بينما واصلت الولايات المتحدة تنفيذ الانسحاب. ومع تراجع الدعم العسكري الأمريكي، ازدادت هشاشة الحكومة والقوات الأفغانية، حتى انتهى المسار بسقوط كابل في أغسطس/آب 2021م (محرم 1443هـ).
ولم يقتصر اتفاق الدوحة على نصه المنشور؛ فقد أُرفقت به ملحقات سرية مصنفة، لم تُنشر نصوصها كاملة، وتعلقت – بحسب مسؤولين أمريكيين وشهادات لاحقة لخليل زاد – بتفاصيل تنفيذية للانسحاب وترتيبات مكافحة الإرهاب وآليات التحقق والتنسيق. وقد أثار حجب هذه الملاحق عن الجمهور جدلًا واسعًا، وفتح المجال أمام روايات وتكهنات حول طبيعة التفاهمات غير المعلنة بين الطرفين، إلا أن كثيرًا مما نُسب إليها لم يمكن التحقق منه بصورة مستقلة.
وقد اختلف المحللون في تقديره، بين من يرى فيها ما يجب كتمانه لحفظ هيبة الولايات المتحدة وبين من يرى فيها تنازلات قدمها الطرفان معًا.
وهكذا لم يكن اتفاق الدوحة مجرد اتفاق لإنهاء الوجود العسكري الأمريكي، بل كان نقطة انتقال من الحرب المفتوحة إلى التفاوض على الخروج؛ وقد أطلق المسار الذي انتهى بانسحاب القوات الأجنبية وسقوط الحكومة الأفغانية وعودة طالبان إلى الحكم.
أثر الاتفاق على الحكومة الأفغانية
كان من أبرز آثار اتفاق الدوحة إضعاف الموقع السياسي للحكومة الأفغانية في كابول، إذ تفاوضت الولايات المتحدة مباشرة مع حركة طالبان، من دون أن تكون الحكومة الأفغانية طرفًا موقّعًا على الاتفاق. وقد رأى كثير من المسؤولين الأفغان أن هذا المسار أضعف موقف الحكومة التفاوضي، ومنح طالبان وزنًا سياسيًا أكبر بوصفها الطرف المقابل للولايات المتحدة في مفاوضات إنهاء الحرب.
وفي المقابل، رأت واشنطن أن التفاوض المباشر مع طالبان كان جزءًا من مسار إنهاء الحرب، في ظل رفض الحركة التفاوض مع حكومة كابول التي كانت تعدّها «نتاج الاحتلال». ومع ذلك، لم يكن الاتفاق يهدف إلى حسم مستقبل الحكم من خلال التفاوض الأمريكي-الطالباني وحده؛ إذ نصّ على الانتقال إلى مفاوضات أفغانية-أفغانية تبحث مستقبل البلاد وترتيباتها السياسية والأمنية. غير أن استبعاد الحكومة من توقيع الاتفاق جعلها تدخل هذه المرحلة وهي في موقف أضعف، في وقت كانت فيه طالبان قد عززت موقعها التفاوضي والعسكري.
من الاتفاق إلى سقوط كابول
رغم أن اتفاق الدوحة لم ينص على تسليم السلطة إلى طالبان، فإن مساره السياسي والعسكري أسهم في تغيير ميزان القوى على الأرض. فقد بدأ الانسحاب الأمريكي التدريجي، في الوقت الذي استمرت فيه المواجهات بين طالبان والقوات الحكومية، ومع تراجع الدعم العسكري واللوجستي الأمريكي أخذت مؤسسات الدولة وقواتها تتهاوى تباعًا. وفي صيف 2021م (1443هـ) انهارت الحكومة الأفغانية بصورة متسارعة، خلال أيام معدودة فقط، ودخلت طالبان كابول في 15 أغسطس/آب 2021م، الموافق 7 محرم 1443هـ، لتعود إلى السلطة بعد نحو عشرين عامًا من إطاحتها.
وهكذا أصبح اتفاق الدوحة نقطة التحول السياسية التي مهّدت لإنهاء أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة، لكنه كان في الوقت نفسه جزءًا من المرحلة الأخيرة في انهيار النظام السياسي والأمني الذي رعته واشنطن خلال عقدين. فقد انتقل المسار من محاولة هزيمة طالبان عسكريًا إلى التفاوض معها، ثم إلى انسحاب القوات الأجنبية، وانتهى بعودة الحركة إلى الحكم بعد انهيار الحكومة والقوات التي أنفقت الولايات المتحدة وحلفاؤها سنوات طويلة في بنائها.
وكانت الحكومة الأفغانية أبرز الخاسرين سياسيًا من هذا المسار؛ إذ دخلت المرحلة النهائية وهي تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الأمريكي، في حين كانت طالبان قد حصلت على موقع تفاوضي أكثر قوة بعد الاتفاق. وكشف الانهيار السريع للحكومة بعد الانسحاب عن عمق هشاشة المؤسسات التي أُنشئت خلال سنوات التدخل الأجنبي، وعن الفجوة بين بناء مؤسسات تعتمد على الدعم الخارجي وبين امتلاكها القدرة الفعلية على الصمود بعد انقطاع ذلك الدعم.
تنظيم الدولة في خراسان وبداية الصدام مع طالبان
لم يظهر تنظيم الدولة الإسلامية في أفغانستان فجأة، ولم يكن في الأصل حركة أفغانية خالصة؛ بل نشأ امتدادًا لتنظيم «دولة العراق الإسلامية»، الذي كان مشروعًا سعى تنظيم القاعدة في العراق إلى تأسيسه ودعمه، عبر توحيد عدد من الجماعات الجهادية العراقية تحت مظلة واحدة. وقد أُعلن في يناير/كانون الثاني 2006م عن تأسيس «مجلس شورى المجاهدين في العراق»، بوصفه مظلةً جمعت تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بقيادة أبي مصعب الزرقاوي وعددًا من الجماعات الجهادية المتحالفة معه. وبعد مقتل أبي مصعب في يونيو/حزيران من العام نفسه، خلفه أبو حمزة المهاجر، المعروف بأبي أيوب المصري، في قيادة تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين. وبعد أشهر، أُعلن في أكتوبر/تشرين الأول 2006م عن قيام «دولة العراق الإسلامية»، فتولى أبو عمر البغدادي إمارتها، بينما انتقل أبو حمزة المهاجر إلى موقع قيادي فيها، وأُعلن لاحقًا وزيرًا للحرب.
وكان أبو عمر البغدادي أول أمير يقود تنظيم «دولة العراق الإسلامية»، وبعد مقتله مع أبي حمزة المهاجر، تولى أبو بكر البغدادي قيادة «دولة العراق الإسلامية» عام 2010م (1431هـ)، ليبدأ في عهده توسع التنظيم خارج العراق.
وفي أبريل/نيسان 2013م (1434هـ)، أعلن أبو بكر البغدادي توسيع تنظيمه إلى سوريا وضم جبهة النصرة إليه تحت اسم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، معتبرًا أن جبهة النصرة فرع من تنظيمه. إلا أن أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع)، قائد جبهة النصرة آنذاك، رفض هذا الإعلان، وجدد ولاءه لأيمن الظواهري، أمير تنظيم القاعدة، الذي حاول احتواء الخلاف وأصدر توجيهًا بإبقاء «دولة العراق الإسلامية» في العراق و«جبهة النصرة» في سوريا.
رفض البغدادي توجيه الظواهري بإبقاء نشاطه في العراق وفصل جبهة النصرة عنه لكونه يعتبر جبهة النصرة امتدادًا أسسته “دولة العراق الإسلامية”، وأصرّ على مشروع «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، لتتفاقم الخلافات بين الطرفين.
وفشلت محاولات الوساطة وتقريب المواقف، وتحول النزاع تدريجيًا إلى صدام مسلح بين تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وجبهة النصرة، تخللته تراشقات إعلامية واتهامات متبادلة. وانعكس ذلك على أنصار التيار الجهادي الذين انقسموا بدورهم حول الولاءات والتزكيات التي كانت قبل فترة قصيرة تجمعهم.
ثم وبعد انتقال الخلاف إلى شاشات الإصدارات الجهادية، في سابقة لم يعرفها الإعلام الجهادي منذ تأسيسه، وجّه الناطق الرسمي لتنظيم الدولة، أبو محمد العدناني، عباراتٍ شديدة العداء إلى أمير القاعدة أيمن الظواهري، في سياق تصاعد الخلاف بين التنظيمين، حتى بلغت القطيعة ذروتها بإعلان القيادة العامة لتنظيم القاعدة، مساء 2 فبراير/شباط 2014م (1435هـ)، قطع صلتها بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، مؤكدةً أنه ليس فرعًا لها، ولا تربطه بها علاقة تنظيمية، وأن القاعدة لا تتحمل مسؤولية أفعاله؛ وبذلك أصبحت القطيعة بين الطرفين رسميةً وعلنية.
وعلى إثر هذا الخلاف، الذي كان من أعمق الانقسامات التي شهدتها الساحة الجهادية، أعلن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، في 1 رمضان 1435هـ/29 يونيو وحزيران 2014م، ما سمّاه «الخلافة»، مستندًا إلى اتساع سيطرته على مساحات واسعة من العراق وسوريا. وفي كلمة صوتية أعلنها ناطقه الرسمي أبو محمد العدناني، أُعلن إلغاء اسم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» واعتماد اسم «الدولة الإسلامية»، كما أُعلن أبو بكر البغدادي نفسه «خليفة للمسلمين كافة»، ودُعي المسلمون إلى مبايعته.
وتضمن الإعلان إسقاط شرعية الإمارات والجماعات والتنظيمات التي تمتد إليها سلطة التنظيم، وفق التصور الذي طرحه بيان الإعلان، في خطوة مثّلت انتقال التنظيم من كونه جماعة جهادية ذات مشروع إقليمي يجتمع في أهدافه مع بقية فروع القاعدة في الخريطة، كما وثق ذلك سابقًا إعلام الجماعة إبان حقبة دولة العراق الإسلامية، إلى إعلان نفسها سلطةً ذات ادعاء ديني وسياسي بولاية عامة كبرى على المسلمين كافة في العالم الإسلامي، لم يعترف بها تنظيم القاعدة ولا حركة طالبان كما أنكرتها الكثير من المرجعيات الإسلامية والجهادية، لكونها جاءت سابقة لأوانها وعلى إثر خصومة كبيرة بين حلفاء الأمس.
ومع إعلان خلافته، بدأ تنظيم الدولة الإسلامية في أواخر العام نفسه من الإعلان، بإنشاء ما سماها «ولايات» خارج العراق والشام، وكانت أفغانستان وباكستان من أبرز البيئات التي سعى إلى التوسع فيها، مستفيدًا من شبكات مسلحة نشأت خلال عقود من الحرب والانشقاقات التي نشأت داخل الجماعات استجابةً لإعلان خلافة البغدادي بما في ذلك الانشقاقات التي شهدتها حركة طالبان.
وفي ذو الحجة 1435هـ/أكتوبر/تشرين الأول 2014م أعلن عدد من قادة حركة طالبان باكستان مبايعتهم للبغدادي، وكان من أبرزهم حافظ سعيد خان. وفي ربيع الأول 1436هـ/يناير/كانون الثاني 2015م أُعلن رسميًا تشكيل ما سمي «ولاية خراسان»، وتعيين حافظ سعيد خان أميرًا لها. وكان مصطلح «خراسان» في أدبيات التنظيم يشير إلى نطاق تاريخي واسع يتجاوز حدود أفغانستان الحالية، ليشمل أجزاء من باكستان وإيران وآسيا الوسطى، ومن ثم حمل استخدامه دلالة أيديولوجية وسياسية، لا وصفًا لحدود إقليمية معاصرة.
وهكذا سرعان ما امتدّ الخلاف من الساحة العراقية السورية إلى البيئة الأفغانية الباكستانية، وبدأت بوادر الصدام بين تنظيم الدولة الإسلامية وطالبان. فقد رأى تنظيم الدولة أن إعلان أبي بكر البغدادي «خليفة» يقتضي انتقال البيعة إليه، في حين رفضت طالبان هذا التصور، وتمسكت بإمارتها القائمة في أفغانستان وبقيادتها المحلية، التي رأت أنها صاحبة الولاية على المناطق التي تسيطر عليها.
ولم يكن الخلاف مجرد تنازع على القيادة أو البيعة، بل ارتبط باختلاف أوسع في طبيعة المشروع السياسي والتنظيمي؛ فطالبان ركزت مشروعها أساسًا على إقامة إمارة إسلامية في أفغانستان واستعادة سلطتها عليها، بينما تبنى تنظيم الدولة مشروعًا عابرًا للحدود، أعلن من خلاله قيام «الخلافة» وسعى إلى توسيع نطاق سلطته في العالم الإسلامي، ولم يعترف بشرعية البيعات والسلطات التي لا تدخل ضمن منظومته.
ومن هنا أخذ الخلاف طابعًا أكثر حدة؛ إذ لم يعد مجرد اختلاف بين جماعتين في الوسائل أو الأولويات، وإنما أصبح صراعًا حول من يملك حق القيادة والبيعة، وما حدود السلطة التي تدّعيها كل جماعة، وطبيعة الكيان السياسي الذي تسعى إلى إقامته وطبيعة المناهج التي تحكم هذا الكيان.
وفي سنة 1436هـ/2015م خرج التنافس إلى العلن، ثم تحول سريعًا إلى اشتباكات مسلحة. وزاد الوضع تعقيدًا بعد الكشف عن وفاة الملا محمد عمر، الذي كان قد توفي في الحقيقة سنة 1434هـ/2013م بحسب ما أعلنت طالبان لاحقًا. وحاول تنظيم الدولة استثمار حالة الاضطراب التي أعقبت ذلك لاستقطاب بعض الساخطين والمنشقين، بينما سعت قيادة طالبان الجديدة إلى تثبيت صفوفها ومنع انتقال مقاتليها إلى التنظيم المنافس.
وكان جزء من مقاتلي ولاية خراسان قد جاء من البيئة الجهادية نفسها التي تداخلت فيها طالبان والقاعدة وطالبان باكستان وغيرها من الجماعات المسلحة؛ فكان بعض المنضمين إليها قد قاتلوا سابقًا في صفوف طالبان أو الجماعات القريبة منها. ولذلك مثّل ظهور ولاية خراسان، في جانب منه، انشقاقًا داخل الوسط الجهادي الإقليمي حول القيادة والبيعة والمنهج والغاية السياسية.
وتبرز هنا الفروق بين علاقة طالبان بالقاعدة وعلاقتها بتنظيم الدولة؛ فقد حافظت القاعدة تاريخيًا على ولائها للملا عمر ثم لخلفائه، بينما رفض تنظيم الدولة هذه البنية القيادية بعد إعلان البغدادي «الخلافة»، واعتبر أن البيعات السابقة ينبغي أن تنتقل إلى قيادته. ولذلك لم يكن انتقال بعض المقاتلين إلى ولاية خراسان مجرد تبدل تنظيمي، بل كان انعكاسًا لانقسام أعمق حول مفهوم القيادة والشرعية والبيعات وطبيعة المشروع.
وفي الميدان، تمكنت ولاية خراسان خلال سنواتها الأولى من بناء موطئ قدم، ولا سيما في ننغرهار شرقي أفغانستان، مستفيدة من موقع المنطقة وشبكات المقاتلين القادمين من الجانب الباكستاني. وخاضت في الوقت نفسه حربًا ضد القوات الأفغانية والأمريكية والدولية، وضد طالبان نفسها. وقُتل حافظ سعيد خان في غارة أمريكية في شوال 1437هـ/يوليو/تموز 2016م، واستمر استهداف قيادات التنظيم ومواقعه، حتى فقد معظم الأراضي التي كان يسيطر عليها، واتجه بصورة أكبر إلى الهجمات الخاطفة والعمليات داخل المدن واستهداف المسؤولين في إمارة أفغانستان، من حركة طالبان، واستهداف المنشآت العامة، كما استهدف بصورة خاصة الشيعة، ولا سيما أبناء أقلية الهزارة، فهاجم حسينياتهم ومدارسهم وأحياءهم السكنية ومناسباتهم.
ومع عودة طالبان إلى كابل في 7 محرم 1443هـ/15 أغسطس/آب 2021م دخل الصراع مرحلة جديدة؛ إذ واصل تنظيم الدولة-خراسان هجماته ضد طالبان، والشيعة والأهداف الأجنبية، وكان من أبرز هجماته تفجير مطار كابل أثناء عمليات الإجلاء في أغسطس/آب 2021م (محرم 1443هـ) والذي أسفر عن مقتل 13 عسكريًا أمريكيًا ونحو 170 أفغانيًا. ومنذ ذلك الحين أصبح التنظيم أحد أبرز خصوم سلطة طالبان، في حين كثفت طالبان عملياتها الأمنية والعسكرية ضده.
وهكذا فإن ظهور تنظيم الدولة في أفغانستان لم يكن مجرد نشوء تنظيم جديد بعد سقوط الحكومة المدعومة من الغرب، بل كان امتدادًا لانقسام أوسع داخل الوسط الجهادي الإقليمي: بدأ بالخلاف بين القاعدة وتنظيم الدولة في العراق والشام، ثم إعلان «الخلافة»، ثم محاولة نقل المشروع إلى خراسان، وصولًا إلى الصدام المباشر مع طالبان.
ومن اللافت أن موقف تنظيم الدولة من طالبان لم يكن منذ البداية موقف عداء عقدي؛ ففي عام 2011م (1432هـ)، كان أبو محمد العدناني، المتحدث باسم «دولة العراق الإسلامية» آنذاك، يثني صراحة على الملا محمد عمر وطالبان، فوصف الملا عمر بأنه «الجبل الأبي الأشم والبحر الحمي الخضم»، ووصف البشتون وطالبان بأنهم «صخرتنا القوية وقلعتنا العصية»، بل قال في قصيدة له: «يا من ظُلمتَ ارحل إلى الملا عمر». حتى بعد انفصاله عن تنظيم القاعدة في ربيع الآخر 1435هـ/فبراير 2014م، بقي متحفظًا نسبيًا في نقد الملا عمر وطالبان. لكن هذا الموقف انقلب بصورة حادة بعد إعلان «الخلافة» ثم إعلان وفاة الملا عمر؛ إذ بدأ التنظيم يهاجم طالبان ويصفها بأنها حركة وطنية محلية، ويطعن في شرعية إمارتها، قبل أن ينتقل إلى مواجهة عسكرية مباشرة معها بعد إعلان «ولاية خراسان» في يناير/كانون الثاني 2015م (ربيع الأول 1436هـ).
وهكذا انتقل خطاب التنظيم تجاه طالبان من الثناء على قيادتها واعتبارها «قلعة» للجهاد إلى الطعن في شرعيتها ثم قتالها، في تحول يكشف حجم التبدل الذي أحدثه انتقال تنظيم الدولة من مشروع «دولة العراق الإسلامية» إلى مشروع «الخلافة» العابرة للحدود.
ويكشف هذا المسار أن التشابه في الشعارات والثناء والتزكيات في مرحلة ما أو حتى الاشتراك في الخصومة مع عدو واحد لا يعني بالضرورة وحدة المشروع؛ فقد تتحول الجماعات المتقاربة في خطابها العام إلى خصوم أشد ضراوة عندما تتنازع على القيادة والبيعة والسلطة وتعريف المشروع نفسه.
أما توصيف الطرفين لبعضهما، فينبغي عرضه بوصفه جزءًا من الخطاب الدعائي والصراع العقدي بينهما؛ فطالبان تتهم تنظيم الدولة بأنهم خوارج باعتبارهم خرجوا عن بيعة عامة قائمة في بلادهم، بينما يتهم تنظيم الدولة طالبان بالكفر والردة. ويتبادل الطرفان كذلك اتهامات العمالة والانحراف. وتستمر هذه الحلقة من الاتهامات المتبادلة حتى يقضي الله عز وجل فيها، ويحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون ويكشف حقيقة الدعوات وحقيقة المظالم مهما طال الزمن، وخاب من كسب ظلما.
التسلسل القيادي لإمارة أفغانستان الإسلامية
بدأت قصة القيادة في «إمارة أفغانستان الإسلامية» مع الملا محمد عمر، الذي برز قائدًا مؤسسًا لحركة طالبان منذ نشأتها في أوائل التسعينيات. وتمكنت الحركة من السيطرة على كابل سنة 1417هـ/1996م، فأعلنت قيام «إمارة أفغانستان الإسلامية»، وتولى الملا عمر منصب «أمير المؤمنين»، وظل المرجعية العليا للحركة ورأس سلطتها السياسية والعسكرية طوال مرحلة حكمها الأولى.
وبعد سقوط نظام طالبان إثر التدخل الأمريكي سنة 1422هـ/2001م، لم تنتهِ قيادة الملا عمر للحركة، وإنما انتقلت طالبان إلى العمل المسلح من خارج الحكم، وظل عمر قائدها الأعلى، مع تراجع ظهوره العلني واختفائه عن المشهد العام. وتوفي الملا عمر سنة 1434هـ/2013م بحسب ما أعلنته طالبان لاحقًا، إلا أن وفاته لم تُعلن رسميًا إلا في يوليو/تموز 2015م، حين أقرت الحركة بوفاته واختير الملا أختر محمد منصور خلفًا له.
وقد قرر عدد من أعضاء قيادة طالبان وعلمائها إبقاء خبر وفاة الملا عمر سرًّا، مبررين ذلك بحساسية المرحلة العسكرية واقتراب انسحاب القوات الأجنبية، والخشية من أن يؤدي إعلان وفاة قائد الحركة إلى إضعاف تماسكها في تلك المرحلة.
وكان الملا أختر محمد منصور من أبرز قيادات طالبان ونائبًا للملا عمر، وقد اضطلع بدور مهم في إدارة الحركة خلال السنوات الأخيرة من قيادة عمر. وبعد إعلان وفاة عمر، اختير منصور أميرًا للحركة في يوليو/تموز 2015م، الموافق شوال 1436هـ، وتحديدًا في 29 يوليو/تموز، الموافق 13 شوال 1436هـ.، وسط اعتراضات داخلية من بعض القيادات والشخصيات، الأمر الذي جعل انتقال القيادة في بدايته محفوفًا بالتوترات الداخلية. كما واجه تحديًا جديدًا تمثل في صعود تنظيم الدولة الإسلامية – ولاية خراسان ومحاولته استقطاب المنشقين عن طالبان وغيرها من الجماعات المسلحة.
ومما يجدر الإشارة إليه في حقبة أختر منصور، إعلام أمير تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، مبايعته لأختر منصور أميرًا لطالبان، وأعلن منصور قبوله لهذه البيعة. وتكتسب هذه الواقعة أهميتها هنا من كونها توضح استمرار نمط العلاقة القيادية بين القاعدة وأمراء طالبان بعد الملا عمر، دون أن يعني ذلك اندماج التنظيمين في كيان واحد.
ولم تدم قيادة منصور طويلًا؛ إذ قُتل في غارة أمريكية بطائرة مسيّرة في باكستان في 21 مايو/أيار 2016م، الموافق 14 شعبان 1437هـ، لتنتقل القيادة بعد ذلك إلى المولوي هبة الله أخوند زاده، الذي أُعلن أميرًا للحركة في الشهر نفسه. وكان هبة الله من كبار علماء طالبان وقياداتها، وشغل منصب نائب الأمير في عهد منصور، وجاء توليه القيادة في مرحلة شديدة الحساسية، تزامنت مع تصاعد الصراع مع تنظيم الدولة – ولاية خراسان واستمرار القتال ضد القوات الأمريكية والحكومة الأفغانية.
وفي عهد هبة الله، واصلت طالبان إعادة بناء قدراتها العسكرية والسياسية، ودخلت في مسار تفاوضي طويل مع الولايات المتحدة انتهى بتوقيع اتفاق الدوحة، واستمرت القيادة نفسها خلال المرحلة التي انتهت بانهيار الحكومة الأفغانية ودخول طالبان كابل، لتعود «إمارة أفغانستان الإسلامية» إلى الحكم بعد نحو عشرين عامًا من سقوطها.
ومنذ عودة طالبان إلى السلطة، ظل هبة الله أخوند زاده المرجعية العليا للإمارة، بينما أُسندت إدارة الحكومة التنفيذية إلى رئيس الوزراء والوزراء وغيرهم من المسؤولين. وبذلك أصبح النظام الجديد يجمع بين سلطة الأمير العليا وبين جهاز حكومي يتولى إدارة شؤون الدولة اليومية، مع بقاء القرار النهائي في القضايا الكبرى بيد القيادة العليا للحركة.
وهكذا، فإن الفترة بين سقوط كابل سنة 2001م وعودتها سنة 2021م لا تمثل انقطاعًا في قيادة طالبان، وإنما انتقال الحركة من حكم الدولة إلى قيادة حركة جهاد ومقاومة؛ فقد احتفظت بقيادة مركزية تعاقب عليها الملا عمر ثم أختر منصور ثم هبة الله، قبل أن تعود الحركة إلى السلطة في كابل تحت قيادة الأخير.
أفغانستان بعد عودة طالبان إلى الحكم
تشكيل الحكومة وإدارة الدولة
دخلت الحرب الأفغانية مرحلتها الحاسمة بتوقيع اتفاق الدوحة بين الولايات المتحدة وحركة طالبان في 5 رجب 1441هـ/29 فبراير/شباط 2020م، بعد مفاوضات استمرت سنوات. ونص الاتفاق على انسحاب القوات الأمريكية وحلفائها خلال أربعة عشر شهرًا، مقابل تعهد طالبان بمنع استخدام الأراضي الأفغانية لتهديد الولايات المتحدة وحلفائها، والدخول في مفاوضات أفغانية-أفغانية للتوصل إلى تسوية سياسية ووقف شامل ودائم لإطلاق النار. ولم تكن الحكومة الأفغانية طرفًا موقّعًا على الاتفاق، وإن كان مسار المفاوضات الداخلية قد أُدرج ضمن ترتيباته.
بدأت المفاوضات الأفغانية الداخلية في الدوحة في صفر 1442هـ/سبتمبر/أيلول 2020م، لكنها لم تتمكن من الوصول إلى تسوية تنهي الحرب. واستمرت المعارك بالتزامن مع بدء الانسحاب الأمريكي، ثم أعلن الرئيس جو بايدن في شعبان 1442هـ/أبريل/نيسان 2021م المضي في الانسحاب الكامل. ومع تراجع الغطاء الجوي والدعم الاستخباراتي واللوجستي للقوات الحكومية، تسارعت وتيرة انهيارها، وسيطرت طالبان خلال أيام على معظم مراكز الولايات.
وفي 7 محرم 1443هـ/15 أغسطس/آب 2021م دخلت طالبان كابل، وغادر الرئيس أشرف غني البلاد، وانتهت عمليًا الجمهورية الأفغانية التي قامت بعد سقوط نظام طالبان سنة 2001م. ولم يكن سقوط العاصمة نتيجة معركة طويلة حولها، وإنما جاء بعد انهيار متسلسل للقوات والمؤسسات الحكومية في أنحاء البلاد، وتراجع قدرتها على مواصلة القتال بعد فقدانها الدعم الخارجي الذي اعتمدت عليه بدرجة كبيرة.
وفي صفر 1443هـ/سبتمبر/أيلول 2021م أعلنت طالبان تشكيل حكومة مؤقتة، وظل هبة الله أخوند زاده أميرًا ومرجعًا أعلى للحركة، بينما تولى الملا محمد حسن أخوند رئاسة الوزراء. ومنذ ذلك الحين انتقلت طالبان من مرحلة استعادة السلطة إلى مرحلة تثبيت مؤسسات الحكم وإدارة الدولة، وإعادة تشكيل مؤسساتها وأجهزتها الأمنية والقضائية وفق رؤيتها الإسلامية للحكم.
التحديات الأمنية ومواجهة تنظيم الدولة في خراسان
حافظ سعيد مسؤول ولاية خراسان في تنظيم الدولة الإسلامية
على الصعيد الأمني، برز تنظيم الدولة الإسلامية-ولاية خراسان بوصفه الخصم المسلح الأبرز لطالبان، وشن سلسلة من الهجمات على الأقليات الشيعية والأهداف الأجنبية. ورغم الانخفاض الكبير في مستوى العنف العام مقارنة بسنوات الحرب السابقة، سجلت الأمم المتحدة 2,106 إصابات مدنية، بينها 700 قتيل و1,406 جرحى، خلال الفترة من 15 أغسطس/آب 2021م، الموافق 7 محرم 1443هـ، إلى 15 يونيو/حزيران 2022م، الموافق 16 ذي القعدة 1443هـ، وكانت غالبية القتلى في هجمات نُسبت إلى تنظيم الدولة-خراسان.
ومع مرور السنوات، حافظت طالبان على سيطرتها على البلاد، واستمرت في مواجهة تنظيم الدولة، في الوقت الذي برز فيه التوتر مع باكستان بوصفه أحد أخطر التحديات الأمنية الخارجية. وتحوّل الخلاف خلال 1447هـ/2026م إلى اشتباكات وقصف متبادل عبر الحدود خلّف أعدادًا كبيرة من الضحايا المدنيين، في ظل استمرار الخلاف بين البلدين حول نشاط حركة طالبان باكستان وعلاقتها بالأراضي الأفغانية.
الاقتصاد والخدمات والفساد
واجه الاقتصاد الأفغاني صدمة شديدة بعد سقوط الجمهورية، نتيجة توقف جانب كبير من المساعدات الخارجية، وتجميد أصول البنك المركزي، وتراجع النشاط الاقتصادي. وكانت المساعدات قد موّلت جزءًا كبيرًا من الإنفاق العام قبل عودة طالبان، مما جعل انقطاعها من أبرز أسباب الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي أعقبت سقوط الحكومة المدعومة من الغرب.
وفي الوقت نفسه أعادت طالبان تشكيل مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية والقضائية وفق رؤيتها الإسلامية للحكم، بينما واجهت تحديات إدارة الخدمات العامة، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، والحد من الفساد والمحسوبية. وأصبحت هذه الملفات اختبارًا أساسيًا لقدرة الحركة على الانتقال من إدارة حركة مقاتلة إلى إدارة دولة كاملة بمؤسساتها واحتياجاتها ومسؤولياتها.
وضع المرأة والتعليم
من أحد مصانع الأدوية في أفغانستان📸
تكذب هذه المشاهد كل الادعاءات التي تزعم أن المرأة منعت من العمل في أفغانستان.
كان ملف النساء والفتيات من أكثر الملفات إثارة للخلاف بين طالبان والمجتمع الدولي. فقد مُنعت الفتيات من مواصلة التعليم الثانوي بعد عودة المدارس في 1443هـ/2021م، ثم أُعلن في جمادى الأولى 1444هـ/ديسمبر/كانون الأول 2022م تعليق التعليم الجامعي للنساء، وتبعت ذلك قيود على عمل النساء في المنظمات غير الحكومية، ثم مُنعت الموظفات الأفغانيات من العمل لدى الأمم المتحدة في رمضان 1444هـ/أبريل/نيسان 2023م.
وأصبحت هذه السياسات من أبرز أسباب التوتر بين سلطات طالبان والمجتمع الدولي، كما بقيت قضية تعليم الفتيات ومشاركة النساء في الحياة العامة والعمل من أكثر الملفات حساسية في تقييم المرحلة الجديدة من الحكم في نظر المجتمع الدولي. مع التنبيه إلى محاولات الغرب إثارة ملف المرأة بتسييس مجحف وتوظيف النسوية وتشجيع التمردات النسائية التي لا تتمرد على العرف الأفغاني فحسب بل وعلى الدين الإسلامي.
ومع ذلك حرص الإعلام الأفغاني على إبراز نماذج للتعليم الإسلامي خاصة بالنساء، ومصانع العمل الخاصة بالنساء، في وقت تحاول فيه المؤسسات الغربية تصوير واقع المرأة في أفغانستان قمعا واضطهادا لسياسات الإمارة التي تفرض لبس الحجاب وتمنع الاختلاط بين الجنسين، ضمن نظام حكمها الإسلامي.
فتيات أفغانستان تعليم القرآن الكريم و اللغة العربية "دارالعلوم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها" في ولاية بلخ. في هذه المدرسة، تتلقى عشرات النساء التعليم. pic.twitter.com/LdK285upul
لم يترتب على استيلاء طالبان على كابل اعتراف دولي شامل؛ إذ تعاملت معظم الدول معها بوصفها سلطة أمر واقع، خاصة مع إصرار حكومة أفغانستان على مطلب الشريعة الإسلامية كنظام حكم للبلاد ورفضها القاطع لنظام الديمقراطية الغربي، واستمرت قضايا الاعتراف والعلاقات الخارجية مرتبطة بالملفات الأمنية والسياسية وحقوق النساء والحريات والعلاقة مع المجتمع الدولي.
وفي الوقت نفسه سعت طالبان إلى توسيع علاقاتها الإقليمية والدولية وكسر عزلتها. وفي ذو الحجة 1446هـ/يوليو/تموز 2025م أصبحت روسيا أول دولة تعترف رسميًا بحكومة طالبان، في تطور دبلوماسي مهم، وإن لم يتحول إلى اعتراف دولي واسع.
وفي 1447هـ/2026م بقيت طالبان السلطة الفعلية في أفغانستان، بينما استمر تعامل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي معها بوصفها السلطات القائمة بحكم الأمر الواقع. ومدد مجلس الأمن ولاية بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان «يوناما» حتى 17 يونيو/حزيران 2027م، بما يعكس استمرار الانخراط الدولي مع الواقع السياسي الجديد رغم الخلافات حول قضايا الحكم وحقوق الإنسان وفق التصور الغربي.
وهكذا يمكن فهم عودة طالبان إلى الحكم عبر ثلاث مراحل متتابعة: أولى بدأت باتفاق الدوحة وانسحاب القوات الأجنبية، وثانية تمثلت في الانهيار السريع للحكومة المدعومة من الغرب، ودخول طالبان كابل في أغسطس/آب 2021م، وثالثة بدأت بعد استلام السلطة، وتمثلت في تثبيت مؤسسات الحكم، ومواجهة تنظيم الدولة، وإدارة اقتصاد شديد الصعوبة، والسعي إلى بناء علاقات إقليمية ودولية جديدة.
وبذلك لم يكن سقوط كابل نهاية قصة طالبان، وإنما بداية المرحلة الأكثر تعقيدًا في تاريخها: الانتقال من حركة مقاتلة تسعى إلى استعادة السلطة إلى سلطة حاكمة مطالبة بإدارة دولة كاملة، والحفاظ على تماسكها الداخلي، ومواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية، والتعامل مع نظام دولي لم يحسم بعد طبيعة علاقته بها.
أفغانستان في القراءة الأمريكية: من «مقبرة الإمبراطوريات» إلى محاولة استعادة ما خلفه الانسحاب
لم يكن سقوط كابل وعودة طالبان إلى الحكم مجرد تحول سياسي داخل أفغانستان، بل أحدثا صدمة واسعة في الولايات المتحدة وأعادا إلى الواجهة سؤال حدود القوة العسكرية الأمريكية. ففي 16 أغسطس/آب 2021م الموافق لـ 8 محرم 1443هـ، بعد يوم واحد من دخول طالبان كابل، دافع الرئيس جو بايدن عن قرار الانسحاب، لكنه أقر بأن ما جرى أظهر حدود القدرة العسكرية على إعادة تشكيل أفغانستان، قائلًا إن الأحداث أثبتت أن «لا قدر من القوة العسكرية» كان سيجعل البلاد مستقرة وموحدة وآمنة، مستحضرًا وصفها الشائع بأنها «مقبرة الإمبراطوريات». كما أقر بأن الجهود الأمريكية خلال العقدين السابقين شهدت أخطاء عديدة، وأن محاولة إعادة تشكيل أفغانستان بصورة دائمة لم تنجح.
وزادت صدمة الانسحاب مع انهيار القوات الأفغانية التي أنفقت الولايات المتحدة سنوات طويلة في تدريبها وتسليحها. ومع انهيار الحكومة والجيش، وقعت كميات كبيرة من المعدات التي كانت الولايات المتحدة قد سلّمتها للقوات الأفغانية في أيدي طالبان. ووفق تقديرات وزارة الدفاع الأمريكية التي أوردتها المفتشية الخاصة لإعادة إعمار أفغانستان، بلغت قيمة المعدات والمواد الأمريكية التي بقيت تحت سيطرة طالبان نحو 7.1 مليار دولار، وشملت مركبات وأسلحة وأجهزة رؤية ليلية وطائرات ومعدات أخرى. وفي المقابل، دمرت القوات الأمريكية أو عطلت جزءًا من المعدات والمنشآت التي كانت لا تزال تحت سيطرتها المباشرة قبل مغادرة البلاد.
وأصبح هذا الملف لاحقًا مادة بارزة في خطاب دونالد ترامب، الذي انتقد بشدة طريقة الانسحاب وطالب باستعادة المعدات العسكرية التي بقيت في أفغانستان. وكان ترامب قد تحدث مرارًا عن قيمة أكبر بكثير، تصل إلى عشرات المليارات، إلا أن هذه الأرقام لا ينبغي الخلط بينها وبين القيمة الرسمية للمعدات التي انتهت إلى يد طالبان؛ فتكلفة تجهيز القوات الأفغانية وتمويلها على مدى سنوات كانت أكبر بكثير من قيمة المعدات التي بقيت بعد الانسحاب.
ثم انتقل الخلاف إلى ملفٍّ آخر مع إعادة دونالد ترامب طرح قضية قاعدة باغرام الجوية. ففي سبتمبر/أيلول 2025م، الموافق ربيع الأول 1447هـ، أعلن أن الولايات المتحدة تتحدث مع السلطات الأفغانية بشأن استعادة السيطرة على القاعدة، مستندًا إلى أهميتها الاستراتيجية وموقعها القريب من الصين، ومؤكدًا أن الولايات المتحدة «ما كان ينبغي أن تتخلى عنها». وفي المقابل، رفضت طالبان عودة أي وجود عسكري أمريكي، مؤكدة أن العلاقة مع واشنطن يمكن أن تقوم على المصالح السياسية والاقتصادية، لا على إعادة القواعد والقوات الأجنبية.
ولم يقتصر الجدل على باغرام؛ فقد امتد إلى المعدات العسكرية التي خلفتها الحرب. فمع انهيار الجيش الأفغاني وسقوط الحكومة في أغسطس/آب 2021م، أصبحت كميات كبيرة من المعدات التي كانت الولايات المتحدة قد موّلتها أو سلّمتها للقوات الأفغانية تحت سيطرة السلطات الجديدة. ومع مطالبة ترامب باستعادتها، رد مسؤولون أفغان بأن هذه المعدات أصبحت أصولًا للدولة الأفغانية، وليست موضوعًا لصفقة أو مقايضة. ووجهوا ردودًا مليئة بالتحدي من قبيل: تعالوا استعيدوها بأنفسكم، مستعدون للحرب 20 سنة أخرى.
وهكذا أعادت السنوات التي تلت الانسحاب إلى الواجهة مفارقة الحرب الأفغانية: فالولايات المتحدة التي أنهت وجودها العسكري بعد حرب استمرت نحو عشرين عامًا، عادت تناقش ما تركته وراءها؛ من قاعدة كانت مركزًا رئيسيًا لعملياتها، إلى معدات عسكرية أصبحت في حوزة السلطة التي خلفت الحكومة المدعومة منها. ولم تكن المطالب الأمريكية باستعادة باغرام مجرد استعادة لمنشأة عسكرية؛ فقد ارتبط الطرح أيضًا بالموقع الاستراتيجي للقاعدة وقربها من الصين، وهو ما أعاد أفغانستان إلى الحسابات الجيوسياسية الأمريكية بعد سنوات من الانسحاب.
أما على المستوى الأوسع، فقد بقيت نهاية الحرب اختبارًا لحدود القدرة العسكرية الأمريكية على بناء نظام سياسي قادر على الاستمرار بعد زوال القوة التي ساندته. فبعد عقدين من الوجود العسكري والإنفاق الهائل على الحرب وتدريب القوات والمؤسسات الأفغانية، انهارت الجمهورية خلال فترة وجيزة من الانسحاب، وعادت طالبان إلى كابل في أغسطس/آب 2021م. ومن ثم لم تعد القضية مجرد سؤال عن كيفية إنهاء الحرب، بل عن حدود القوة الخارجية حين تحاول أن تُنشئ نظامًا يعتمد في بقائه على استمرار الدعم العسكري والسياسي الخارجي.
وفي هذا السياق تكتسب العبارة التي قالها الرئيس الأمريكي جو بايدن عقب سقوط كابل دلالتها؛ إذ أقر بأن القوة العسكرية وحدها لم تكن قادرة على بناء أفغانستان «مستقرة وموحدة وآمنة». وبصرف النظر عن الجدل حول مسؤولية الإدارات الأمريكية المتعاقبة عن مسار الحرب ونهايتها، فإن النتيجة النهائية كشفت الفجوة بين التفوق العسكري وبين القدرة على إنتاج نظام سياسي يستمر بعد انسحاب القوة الأجنبية التي رعته ودعمته.
الأسرى والصفقات: من سجون غوانتانامو إلى عودة مقاتلي طالبان
أما ملف الأسرى، فكان أكثر تعقيدًا؛ إذ سبق سقوط كابل بسنوات، وأصبح لاحقًا جزءًا من مسار التفاوض الأمريكي مع طالبان. ففي 31 مايو/أيار 2014م، الموافق 2 شعبان 1435هـ، أُطلق سراح الجندي الأمريكي بو برغدال (Bowe Bergdahl)، الذي كان محتجزًا لدى طالبان وحلفائها، مقابل نقل خمسة من كبار معتقلي طالبان من سجن غوانتانامو إلى دولة قطر، وهم: محمد فضل، وخير الله خيرخواه، وعبد الحق واثق، ونور الله نوري، ومحمد نبي عمري. وأكدت وزارة الدفاع الأمريكية أن عملية النقل تمت ضمن ترتيبات أمنية مع قطر، شملت فرض قيود على حركة المعتقلين ومراقبتهم. وأثارت الصفقة جدلًا واسعًا في الولايات المتحدة، ولا سيما بسبب إطلاق خمسة من كبار قادة طالبان مقابل جندي أمريكي واحد.
ولم تكن تلك نهاية ملفّ الأسرى؛ إذ جاء الإفراج عن المعتقلين ضمن الترتيبات المرتبطة باتفاق الدوحة، تمهيدًا لبدء المفاوضات الأفغانية-الأفغانية بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان. وبموجب الاتفاق، كان من المقرر أن تُفرج الحكومة الأفغانية عن نحو 5,000 من معتقلي طالبان، مقابل إفراج الحركة عن نحو 1,000 من أفراد القوات الحكومية، بوصف ذلك إجراءً لبناء الثقة قبل بدء المفاوضات.
لكن تنفيذ هذا البند لم يكن سلسًا؛ فقد اعترضت الحكومة الأفغانية على إطلاق سراح عدد من المعتقلين، ولا سيما نحو 400 سجين اتُّهم بعضهم بارتكاب جرائم خطيرة، مما أدى إلى تأخير المفاوضات أشهرًا. وفي أغسطس/آب 2020م، عُقدت «لويا جيرغا» استشارية لمناقشة الإفراج عن الدفعة الأخيرة، ثم اكتملت عملية الإفراج في أوائل سبتمبر/أيلول، لتُفتح الطريق أمام بدء المفاوضات المباشرة.
وبالفعل، بدأت المفاوضات الأفغانية-الأفغانية رسميًا في الدوحة في 12 سبتمبر/أيلول 2020م، وجمعت للمرة الأولى في هذا المسار وفد الحكومة الأفغانية ووفد طالبان على طاولة تفاوض مباشرة، بعد أشهر من التعطيل والخلاف حول الأسرى والإجراءات التمهيدية.
وبعد عودة طالبان إلى كابل، لم ينتهِ ملف الأسرى، بل أخذ صورة جديدة؛ إذ تحولت الحركة التي كان أفراد منها يقبعون في السجون الأمريكية والأفغانية إلى سلطة أمر واقع تحتجز بدورها مواطنين أمريكيين وأجانب داخل أفغانستان، وأصبحت واشنطن مضطرة إلى التفاوض معها بشأن إطلاقهم. وفي يناير/كانون الثاني 2025م، أُطلق سراح خان محمد، وهو عضو سابق في طالبان كان يقضي حكمًا بالسجن المؤبد في الولايات المتحدة على خلفية قضية مرتبطة بالمخدرات والإرهاب، مقابل إطلاق طالبان سراح مواطنين أمريكيين اثنين، هما رايان كوربيت وويليام مكنتي. وجرت المفاوضات على مدى أشهر، ولعبت قطر دورًا فيها، بينما تم تنفيذ عملية التبادل في الأيام الأخيرة من إدارة جو بايدن وقبيل عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
وفي تطور آخر، أُفرج في فبراير/شباط 2024م عن أفغانيين، هما عبد الظاهر صابر وعبد الكريم، كانا قد أمضيا نحو أربعة عشر عامًا في غوانتانامو، قبل نقلهما إلى عُمان عام 2017، حيث أمضيا سبع سنوات تحت قيود على الحركة والإقامة. وأعلنت طالبان أن رفع تلك القيود وإعادتهما إلى أفغانستان جاء نتيجة جهودها. ووصل الرجلان إلى كابل في فبراير/شباط 2024م.
كما شهد عام 2025م مفاوضات أخرى حول أمريكيين محتجزين في أفغانستان، وهو ما أظهر تحولًا لافتًا في طبيعة العلاقة بين الطرفين: فالحركة التي كانت واشنطن تطارد قياداتها وتحتجز أعضاءها في غوانتانامو أصبحت، بعد عودتها إلى الحكم، سلطةً تتفاوض معها الولايات المتحدة بشأن إطلاق مواطنيها. ولم تعد قضية الأسرى مجرد ملف أمني مرتبط بالحرب، بل تحولت إلى إحدى قنوات الاتصال المباشر بين واشنطن والسلطة الجديدة في كابل.
وهكذا اكتسبت نهاية الحرب الأفغانية في الوعي الأمريكي بُعدًا يتجاوز مجرد الانسحاب العسكري؛ فقد أصبحت صورة المعدات التي بقيت في أفغانستان، وقاعدة باغرام التي غادرتها القوات الأمريكية، والسجناء الذين خرجوا من غوانتانامو، ثم عودة طالبان إلى كابل، رموزًا لتحول المشهد الذي سعت واشنطن إلى تغييره طوال عقدين. وبينما رأى أنصار الانسحاب أن الولايات المتحدة أنهت حربًا طويلة لم تعد تحقق أهدافها، رأى خصومه أن الطريقة التي تم بها أضعفت النفوذ والهيبة الأمريكية، وأثارت أسئلة حول كلفة الحرب ومآلاتها.
وتبقى المفارقة التاريخية الأبرز أن الولايات المتحدة دخلت أفغانستان عام 2001م في حرب هدفت إلى إسقاط حكم طالبان وتفكيك البيئة التي احتضنت تنظيم القاعدة، ثم غادرتها بعد نحو عشرين عامًا وقد عادت طالبان إلى كابل، وأصبحت واشنطن تتعامل معها، ولو من خارج إطار الاعتراف الرسمي بها، في ملفات تتعلق بالمحتجزين والمصالح الأمنية والإنسانية. ومن هنا تحوّل ملف الأسرى من أحد أدوات الحرب إلى إحدى علامات التحول في ميزان القوة الذي أفرزته نهايتها.
ما بعد الانسحاب: أسئلة لم تُجب عنها الحرب
ومع انتهاء الحرب وانسحاب القوات الأمريكية، بقيت في المشهد الأفغاني أسئلة لم تُغلق ملفاتها، ولعل من أبرزها قضية أيمن الظواهري؛ فقد أعلنت واشنطن في 31 يوليو/تموز 2022 أنه قًتل بضربة أمريكية استهدفت منزلًا كان يقيم فيه في منطقة شِيربور، في قلب كابل، وهي من المناطق الراقية التي تضم مساكن مسؤولين ومجمعات دبلوماسية، الأمر الذي أثار سؤالًا يتجاوز عملية الاغتيال نفسها: كيف أمكن لأمير تنظيم القاعدة أن يقيم في العاصمة، بعد أقل من عام على عودة طالبان إلى الحكم، وفي منطقة شديدة الحساسية أمنيًا، رغم أن اتفاق الدوحة ألزم الحركة بمنع تنظيم القاعدة وغيره من استخدام الأراضي الأفغانية لتهديد الولايات المتحدة وحلفائها؟
وقد نفت طالبان علمها المسبق بوجوده، وأعلنت التحقيق في الحادثة، في حين اعتبرت الولايات المتحدة وجوده في كابل دليلًا على استمرار حضور القاعدة داخل البلاد. وهكذا بقيت طبيعة العلاقة التي سمحت له بالإقامة هناك، ومدى علم دوائر الحكم المختلفة بها، من الأسئلة التي لم تُكشف جميع تفاصيلها للرأي العام. وفي الأثناء التزمت القاعدة الصمت ولم تؤكد ولم تعلن مقتل أميرها، ما أبقى القضية متعلقة بتصريح جانب واحد في الصراع. وطرح المزيد من الأسئلة.
وفي الجهة الأخرى، بقي ملف الأفغان الذين عملوا مع الولايات المتحدة وحلفائها شاهدًا آخر على الفجوة بين الوعود السياسية والتنفيذ العملي؛ فمع انهيار الحكومة السابقة وجد آلاف المتعاونين أنفسهم داخل أفغانستان، وبعضهم مختبئًا خوفًا من الانتقام، بينما تراكمت طلبات التأشيرات والهجرة الخاصة بهم لسنوات. وقد وثقت هيئة المفتش العام الأمريكي لإعادة إعمار أفغانستان (SIGAR) أن الولايات المتحدة كانت قد وعدت بإعادة توطين حلفائها في أماكن آمنة، وأن عددًا كبيرًا منهم بقي بعد الانسحاب معرضًا للخطر، في حين ظل برنامج التأشيرة الخاصة للأفغان يعاني من تراكمات كبيرة وتأخيرات طويلة. ولم تجلي واشنطن عملاءها ولم تقدم لهم حق التوطين على أرضها، رغم خدماتهم لها خلال الحرب. وبقيت فئات منهم في أفغانستان أو في دول ثالثة بانتظار استكمال إجراءاتهم. كما واجه من وصلوا إلى الولايات المتحدة أنفسهم صعوبات في الوضع القانوني والعمل والسكن والاندماج. وهكذا بقيت وعود الحماية والإجلاء متفاوتة النتائج، وبقيت مسألة مصير الحلفاء المحليين من أكثر الملفات التي كشفت كلفة الانسحاب على من ربطوا مستقبلهم بالمشروع الأمريكي في أفغانستان.
وتكشف القضيتان معًا عن جانب مهم من نهاية الحرب ظل أحيانًا في هامش السرد التاريخي: فالاتفاقات الدولية لا تنهي آثار الحروب بمجرد توقيعها، والانسحاب العسكري لا يعني بالضرورة انتهاء الملفات التي صنعتها عشرون سنة من التدخل. فقد أُنجز اتفاق الدوحة بوصفه إطارًا للانسحاب والتسوية، لكنه ترك وراءه أسئلة حول ضمانات مكافحة الإرهاب، ومستقبل الشركاء المحليين، ومصير آلاف الأفغان الذين بُنيت علاقتهم بالولايات المتحدة على أساس أنها ستوفر لهم الحماية عند انتهاء مهمتها. ومن ثم فإن دراسة أفغانستان بعد 2021 لا تكتمل بدراسة سقوط كابل وانسحاب القوات الأجنبية فحسب، بل تحتاج كذلك إلى تتبع ما الذي بقي من التزامات الأطراف بعد الانسحاب، ومن دفع ثمن التحول السياسي، وكيف أعادت الولايات المتحدة وحلفاؤها تعريف مسؤوليتهم تجاه شركائهم الأفغان بعد انتهاء الحرب.
الخاتمة: أفغانستان بين إرث الحرب وفتنة التمكين وتحديات الحكم
وهكذا تنتهي هذه الرحلة الطويلة في تاريخ أفغانستان عند مشهدٍ بالغ الدلالة: بلدٌ عجزت إمبراطوريات كبرى عن إخضاعه إخضاعًا مستقرًّا، ثم جاء الاحتلال الأمريكي في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فسقطت إمارة طالبان الأولى، ومضت البلاد عشرين عامًا في حربٍ طويلة، انتهت باتفاق الدوحة ثم بانهيار الجمهورية الأفغانية وعودة طالبان إلى كابل في 1443هـ/2021م، لتعود «إمارة أفغانستان الإسلامية» إلى الحكم بعد أن كانت حركةً مطاردةً تقاتل من الجبال والحدود.
لكن استعادة السلطة لم تكن نهاية المعركة، بل كانت بداية امتحانٍ آخر أشد تعقيدًا؛ فإدارة دولةٍ كاملة تختلف جذريًا عن إدارة حركةٍ مقاتلة. وقد وجدت الإمارة نفسها أمام تركة ثقيلة من أربعة عقود من الحرب: اقتصادٌ هش، وبنيةٌ تحتية تحتاج إلى إعادة بناء، ومجتمعٌ أنهكته الهجرة والفقر والنزوح، ومؤسساتٌ أعيد تشكيلها بعد سقوط الجمهورية، وتداعيات التغريب وأدواته التي لا تزال تعمل في الخفاء والعلن، فضلًا عن العلاقة المتوترة مع دول الجوار والمجتمع الدولي.
وقد تحقق بعد عودة طالبان قدرٌ كبيرً من الاستقرار الأمني والسيطرة المركزية على معظم البلاد مقارنةً بسنوات الحرب المفتوحة، وتراجعت مظاهر الاقتتال الواسع التي عانت منها أفغانستان لعقود. لكن الاستقرار الأمني، مهما كانت أهميته، لا يكفي وحده للحكم على نجاح تجربة سياسية؛ إذ يبقى السؤال الأعمق: ماذا فعلت السلطة بهذا الاستقرار؟ وهل تحول من مجرد توقف للحرب إلى أمنٍ مصحوب بالعدل، وحفظ الحقوق، وإقامة المؤسسات، وتحسين أحوال الناس؟
وهنا تبرز واحدة من أخطر فتن مرحلة ما بعد التمكين: فتنة السلطة نفسها. فالحركة التي عاشت سنوات طويلة في موقع المقاومة والمطاردة والقتال تصبح، بعد الوصول إلى الحكم، مطالبةً بأن تختبر مبادئها وهي تملك القوة لا وهي محرومة منها. وحين تنتقل الجماعة من مقاومة الخصم إلى إدارة الناس، تتغير طبيعة المسؤولية؛ إذ لا يكفي أن يكون المرء صادقًا في مقاومة الاحتلال، بل يُمتحن بعد ذلك في إقامة العدل، وفي حفظ الأمانة، وفي منع الاستئثار، وفي محاسبة المقصر، وفي مقاومة الفساد والمحسوبية.
ومن هنا لا يصح أن تُقرأ عودة طالبان إلى الحكم باعتبارها خاتمةً سعيدةً مكتملة الأركان، كما لا يصح اختزالها في صورة التعثر والفشل. فالمرحلة الجديدة تحمل إنجازاتٍ وتحديات، كما تحمل شكاوى ومظالم تحتاج إلى النظر فيها بجدية.
والتحصن من الفساد ليس مجرد مواجهة لخلل إداري عابر؛ بل هو من أخطر ما يمكن أن يصيب دولةً خرجت من حرب طويلة، لأن استبدال سلطةٍ بأخرى لا يحقق شيئًا إذا انتقلت معها المحسوبية والاستئثار وضعف المحاسبة. كما أن التمكين نفسه قد يتحول إلى فتنة إذا ظن أهله أن انتصارهم في الحرب يمنحهم حصانةً من النقد أو المحاسبة، أو أن انتساب المرء إلى الحركة يكفي لإثبات صلاحيته لتولي شؤون الناس. فالدولة لا تُدار بمنطق الغلبة وحده، وإنما بالأمانة والكفاءة والعدل.
ويأتي الملف الاقتصادي والإنساني في مقدمة العقبات؛ فاعتماد أفغانستان الطويل على المساعدات الخارجية، وتراجع الاستثمارات والتجارة، ومحدودية الموارد، والقيود المالية، كلها تجعل تثبيت الدولة وإطلاق اقتصاد منتج من أصعب مهام المرحلة. ولا يكفي أن تنجح سلطة ما في السيطرة على الأرض؛ إذ إن بقاء الدولة واستقرارها يحتاجان إلى اقتصاد قادر على توفير العمل والخدمات، وإلى مؤسسات تستطيع الاستمرار بعيدًا عن الاعتماد الدائم على الخارج.
ثم يأتي التحدي الأمني، وعلى رأسه تنظيم الدولة ـ ولاية خراسان، الذي خاض مع طالبان صراعًا دمويًا ولم يتوقف عن محاولة استهداف الدولة الجديدة ومنازعتها الملك. كما أن أفغانستان لا تزال محاطة بملفات أمنية معقدة، وفي مقدمتها الحدود مع باكستان، وحركة الجماعات المسلحة العابرة للحدود، ومسائل اللاجئين والهجرة، من بين ملفات تجعل الاستقرار الداخلي مرتبطًا بصورة وثيقة بالبيئة الإقليمية.
أما العلاقة مع العالم فهي من أعقد ملفات الإمارة؛ إذ تحاول طالبان الخروج من العزلة، والحصول على علاقات دبلوماسية واقتصادية أكثر استقرارًا، واستعادة الثقة الدولية، ولكن مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقلال قرارها السياسي ونظامها الإسلامي وعدم العودة إلى صورة أفغانستان كساحة صراع بين القوى الكبرى. وقد بدأت بعض الدول في تطوير علاقاتها مع كابل، لكن الاعتراف الدولي الشامل لا يزال قضية مفتوحة، والدخول في نظام دولي لا يقر بشرعية الشريعة الإسلامية، ليس بلا ثمن وليس بالصفقة المغرية.
ومن جهة أخرى، فإن أمام الإمارة تحديًا داخليًا لا يقل أهمية عن التحديات الخارجية: الانتقال الكامل من عقلية الحركة إلى عقلية الدولة. فالحركة تستطيع أن تتعامل مع أفرادها باعتبارهم مجاهدين وأنصارًا، أما الدولة فعليها أن تدير مجتمعًا متعدد الأعراق والمذاهب والمناطق، وأن تحقق الأمن والعدل وتصلح حياة الناس وتعالج مشاكلهم وأمراضهم، وتوفر الخدمات، وتمنع الفساد، وتضع مؤسساتٍ قادرة على العمل بصورة منتظمة. كما أن نجاح الإمارة في المحافظة على وحدة صفها ومنع الانشقاقات الداخلية سيكون عاملًا حاسمًا في مستقبلها.
وقد تكون مرحلةُ ما بعد التمكين أشدَّ خطرًا على الجماعة من جهةٍ أخرى؛ فإن القوة تكشف ما لا تكشفه المحنة، والسلطة تضع المبادئ أمام اختبار الواقع. وما كان يُطلب من الناس في زمن الاستضعاف من الصبر والثبات والتضحية، يُطلب من أهل السلطة بعد التمكين فوق ذلك أن يحملوا أمانةَ الناس، وأموالهم، وحقوقهم، وأن يُحسنوا استعمال القوة التي صارت بأيديهم، فلا تتحول نعمة التمكين إلى بابٍ من أبواب الفتنة والظلم.
ومن هنا فإن التاريخ الأفغاني يعلّمنا أن الانتصار العسكري ليس هو النهاية، وإنما قد يكون بداية الامتحان الحقيقي. فقد استطاعت طالبان أن تصمد أمام قوة عظمى، وأن تعود إلى كابل بعد عشرين عامًا من إسقاط إمارتها الأولى، لكن السؤال التاريخي الذي سيحكم على تجربتها لن يكون فقط: كيف انتصرت في الحرب؟ وإنما: كيف ستبني مشروعها بعد الحرب؟ وكيف ستدير الدولة؟ وكيف ستحفظ أمن البلاد واستقلالها، وتحقق العدل، وتنهض بالاقتصاد، وتتعامل مع العالم دون أن تفقد قرارها؟ وكيف ستتعامل مع من يخالفها أو يشكو من ظلمٍ وقع عليه من أحد رجالها؟
لقد دفعت أفغانستان ثمنًا باهظًا من الدماء والدمار والتدخلات الأجنبية والصراعات الداخلية، ولذلك فإن أعظم ما يمكن استخلاصه من تاريخها أن الشعوب قد تستطيع مقاومة الاحتلال، لكن بناء الدولة يحتاج إلى ما هو أبعد من البندقية؛ وإذا كانت أفغانستان قد عُرفت طويلًا بأنها «مقبرة الإمبراطوريات»، فإن العبرة الأعمق ليست في سقوط إمبراطوريةٍ هنا أو قوةٍ هناك، وإنما في أن البلاد التي أنهكتها الحروب تحتاج بعد رحيل الجيوش إلى من يستطيع أن يحفظ ثمن التضحيات، ويمنع عودة دورة الاحتلال، ويحوّل الاستقلال من مجرد خروج المحتل إلى بناء وطنٍ مستقرٍ قادرٍ على أن يعيش أهله بكرامةٍ وسيادةٍ وعدل وأمان في دينهم ودنياهم.
وهكذا يبقى تاريخ أفغانستان مفتوحًا؛ فما حدث في أغسطس/آب 2021م، الموافق لمحرم 1443هـ، لم يكن خاتمة القصة، بل بداية فصلٍ جديد. أما الحكم على هذا الفصل، فلن تصنعه الخطب ولا الشعارات، ولن يكفي فيه الانتصار العسكري أو بقاء السلطة، وإنما ما ستصنعه الأيام من أمنٍ وعدلٍ واستقرارٍ وعمرانٍ وحفظٍ لسيادة البلاد وحقوق أهلها. فالتاريخ لا يخلّد من انتصر في معركة فحسب، وإنما يختبر من عرف ماذا يفعل بعد الانتصار. قال موسى عليه السلام لقومه: ﴿ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [ الأعراف: 129].
المراجع
عبد السلام ضعيف، حياتي مع طالبان (My Life with the Taliban)، 2010.
أحمد رشيد، طالبان: الإسلام المتشدد والنفط والأصولية في آسيا الوسطى (Taliban: Militant Islam, Oil and Fundamentalism in Central Asia)، 2000.
كارتر مالكاسيان، الحرب الأمريكية في أفغانستان: تاريخ (The American War in Afghanistan: A History)، 2021.
أنطونيو جيوستوزي، طالبان في الحرب: 2001–2021 (The Taliban at War: 2001–2021).
توماس بارفيلد، أفغانستان: تاريخ ثقافي وسياسي (Afghanistan: A Cultural and Political History).
حسن عباس، عودة طالبان: أفغانستان بعد رحيل الأمريكيين (The Return of the Taliban: Afghanistan After the Americans Left)، 2023.
نعمة الله نجومي، صعود طالبان في أفغانستان: التعبئة الجماهيرية والحرب الأهلية ومستقبل المنطقة (The Rise of the Taliban in Afghanistan: Mass Mobilization, Civil War, and the Future of the Region).
بيت دام، البحث عن عدو: قصة محمد عمر وطالبان (Searching for an Enemy: The Story of Mohammed Omar and the Taliban).
ستيف كول، حروب الأشباح: التاريخ السري لوكالة الاستخبارات المركزية وأفغانستان وبن لادن منذ الغزو السوفيتي حتى 10 سبتمبر 2001 (Ghost Wars).
لورنس رايت، البرج الوشيك: القاعدة والطريق إلى 11 سبتمبر (The Looming Tower: Al-Qaeda and the Road to 9/11).
ديكستر فيلكنز، الحرب الأبدية (The Forever War).
أناند غوبال، لا رجال صالحين بين الأحياء: أمريكا وطالبان والحرب من منظور أفغاني (No Good Men Among the Living: America, the Taliban, and the War through Afghan Eyes).
نيمات الله نجومي، صعود طالبان في أفغانستان (The Rise of the Taliban in Afghanistan).
وليام مالي، حروب أفغانستان (The Afghanistan Wars).
بارنيت روبن، تفكك أفغانستان: تشكيل الدولة والصراع الجيوسياسي (The Fragmentation of Afghanistan).
جورج دبليو بوش، نقاط القرار (Decision Points)، 2010.
دونالد رامسفيلد، المعلوم والمجهول: مذكرات (Known and Unknown: A Memoir)، 2011.
بيرفيز مشرف، في خط النار: مذكرات (In the Line of Fire: A Memoir)، 2006.
ستانلي ماكريستال، نصيبي من المهمة: مذكرات (My Share of the Task: A Memoir)، 2013.
باراك أوباما، أرض الميعاد (A Promised Land)، 2020.
مارك إسبر، قسم مقدس: مذكرات وزير دفاع في أوقات استثنائية (A Sacred Oath: Memoirs of a Defense Secretary in Extraordinary Times).
زلماي خليل زاد، المبعوث: من كابول إلى البيت الأبيض، رحلتي عبر عالم مضطرب (The Envoy: From Kabul to the White House, My Journey Through a Turbulent World).
أسامة بن لادن، رسائل إلى العالم: بيانات أسامة بن لادن (Messages to the World: The Statements of Osama bin Laden)، تحرير بروس لورانس.
أيمن الظواهري، فرسان تحت راية النبي (Knights Under the Prophet’s Banner).
كريغ ويتلوك، أوراق أفغانستان: تاريخ سري للحرب (The Afghanistan Papers: A Secret History of the War).
المفتش العام الخاص لإعادة إعمار أفغانستان (SIGAR)، تقارير الدروس المستفادة من الحرب وإعادة الإعمار في أفغانستان (Lessons Learned).
وزارة الدفاع الأمريكية، تقارير الحرب في أفغانستان وتقارير القوات الأمنية والدفاعية الأفغانية.
وزارة الخارجية الأمريكية، اتفاق إحلال السلام في أفغانستان بين الولايات المتحدة وإمارة أفغانستان الإسلامية، الدوحة، 29 فبراير 2020.
وزارة الخارجية الأمريكية، البيانات والتقارير المتعلقة بالمفاوضات الأمريكية–طالبان وعملية السلام الأفغانية.
دائرة أبحاث الكونغرس الأمريكي (CRS)، تقارير أفغانستان: الأمن والسياسة والوجود الأمريكي وإعادة الإعمار.
مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تقارير فريق الدعم التحليلي ورصد الجزاءات بشأن تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة في خراسان وأفغانستان.
بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان (UNAMA)، التقارير الدورية حول حقوق الإنسان والوضع الأمني والضحايا المدنيين في أفغانستان.
مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group)، تقارير ودراسات حول طالبان وتنظيم الدولة في خراسان والوضع السياسي والأمني في أفغانستان.
البنك الدولي، تقارير الاقتصاد والتنمية وإعادة الإعمار في أفغانستان.
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقارير التنمية والحكم والاقتصاد والمساعدات الدولية في أفغانستان.
تقارير الحكومة الأفغانية السابقة ووزارة الدفاع ووزارة الداخلية الأفغانيتين بشأن تطورات الحرب والقوات الأمنية.
وثائق ومذكرات وشهادات قادة حركة طالبان المتعلقة بالحرب والمفاوضات والحكم، مع مقارنتها بالمصادر المستقلة والوثائق الدولية.
النشرة البريدية
بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.