الإساءة إلى نبينا ﷺ ونصرته بين الماضي والحاضر: لماذا تتكرّر؟ وما الذي تبدّل؟ وكيف يكون الاستدراك؟

بسم الله الرحمن الرحيم،
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وأمينه على وحيه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. ﴿رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، أَنْفَسَهم عربًا وعجمًا، وأزكاهم محفدًا ومنمى، وأرجحهم عقلًا وحلمًا، وأوفرهم علمًا وفهمًا، وأقواهم يقينًا وعزمًا، وأشدهم بهم رأفة ورحمًا، وزكَّاه جل وعلا رُوحًا وجسمًا، وحاشاه عيبًا ووصمًا، وآتاه حكمة وحكمًا، وفتح به أعينًا عميًا، وقلوب غلفًا، وآذانًا صمًا، فآمَن به، وعزَّره ونصره من جعل الله له في مغنم السعادة قسمًا، وكذب به وصدف عن آياته مَن كتب الله عليه الشقاء حتمًا؛ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد،

سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته، نجتمع اليوم في مقام نتقرب فيه إلى الله تعالى، بمحبة نبينا صلى الله عليه وسلم والتواصي بهيبة مقامه وواجب نصرته صلى الله عليه وسلم. قال عز من قائل ﴿ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ (الأعراف: 157).

ولا يليق بالمسلمين والمسلمات، يشاهدون ويسمعون نبيهم عليه أفضل الصلاة والسلام، يُسب ويُشتم، ثم يمر عليهم الحدث وكأنه لا يسترعي الاهتمام ولا الانتفاضة ولا تسجيل مواقف نصرته والاعتزاز به! بل المساس بنبينا فدته نفسي، يستوجب دق طبول الحرب، والوقوف بتأهب تام، وبمراجعة كاملة، وبسعي جاد لا يقبل التهاون ولا الازدراء، نحن أمام مهمة إثبات الصدق والمحبة، والوفاء لسيد الخلق أجمعين، كما فعل السابقون بلا لجلجة ولا تردد.

ولا يُعتقد أن هذه المواقف لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه يحتاج النصرة، بل النبي صلى الله عليه وسلم منصور من ربه، قال الله جل جلاله ﴿ إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ﴾ ( التوبة: 40) وقال جلّ في علاه ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ (الأحزاب: 57)، وقال سبحانه ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ (التوبة: 61).

إنما هي مواقف نرجو بها رحمة الله وقبوله ومغفرته، نتقرب بها لله تعالى، استجابة لأمره، ووفاء لحق أمانة الدين ونصرة خاتم النبيين، فلا يقال مسلمون أذلة، بلا إحساس ولا عزة، يُمسّون في نبيهم ويأكلون كالأنعام ويعيشون حياتهم يقولون ما لا يفعلون، ويدّعون ما لا يعتقدون، بل ليعلم القاصي والداني، أن حياتنا كلها لله تعالى، ونصرة نبينا صلى الله عليه وسلم روح تسري في جسد، جاء في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين” .. متفق عليه. فاللهم اجعلنا ممن أحبك وأحب نبيك صلى الله عليه وسلم، أكثر من أنفسنا وأبنائنا والناس أجمعين.

مشهد من التاريخ ..

في يوم 1 شوال سنة 236هـ (10 نيسان 851م)، وبينما كان المسلمون يخرجون من مصلى عيد الفطر في أحد شوارع قرطبة، وقف في طريقهم نصراني يدعى “بيرفكتوس”، وبدأ يسبّ الرسول صلى الله عليه وسلم، ويستفز مشاعر المسلمين بالإساءة لنبيهم صلى الله عليه وسلم، ولأن أمر المساس بنبينا صلى الله عليه وسلم كان خطًا أحمرًا، ومصير من يقع فيه، مجمعٌ عليه وشديد الوضوح في نفوس المسلمين وعيون الكافرين، انتهى أمره إلى الإعدام.

كانت هذه حادثة واحدة من سلسلة حوادث تلتها، يخرج فيها النصارى الحاقدين في حقبة منتصف القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، لإيذاء المسلمين في نبيهم صلى الله عليه وسلم، حيث شهدت قرطبة بروز ما أطلق عليه اسم “حركة شهداء الصليب”. وهي حركة دينية نصرانية قدمت أكثر من 50 من أتباعها قربانًا؛ في سبيل إغاظة المسلمين، وسبّ النبي صلى الله عليه وسلم في حوادث وهجمات أخذت شكل العمليات الانتحارية لنصرة الصليب.

كانت هذه الحركة صليبية تغذيها عقيدة حقد وكراهية ويقودها قساوسة بارزون في تاريخ الأندلس. ترسل أبناءها لمصير الموت المحتم، لإيذاء المسلمين في نبيهم صلى الله عليه وسلم، هذا كان أسمى أهدافهم، الإيذاء النفسي للمسلمين! وإن كان ثمنه القتل المؤكد.. مع أنهم كانوا يعيشون في سلام وأمان تحت حكم الإسلام، كأهل ذمة، وفي أوج حضارة إسلامية ماجدة، احتضنتهم ولم تضطهدهم! إلا أنهم كانوا يحسدون المسلمين على ما آتاهم الله من فضله، وعلى ما منّ عليهم به من سيادة وبركات ريادة، ولعجزهم عن إسقاط دعوة التوحيد التي كسرت دعوتهم الصليبية وكشف خوارها وضلالها. فلم يجدوا من طريق لتفريغ حسدهم وحقدهم هذا، إلا المساس بمكانة النبي صلى الله عليه وسلم لإدراكهم عظمة مكانة النبي صلى الله عليه وسلم في نفوس المسلمين، فاتفقوا على أن يؤذوهم فيهم، خبثا وصفاقة. ولا شك أن التفرس في تفاصيل هذا الواقع يلخص لنا العديد من المفاهيم والمفارقات المهمة التي تسمح بتقديم تفسيرات لواقعنا اليوم.

لماذا يتعمّدون الإساءة للنبي ﷺ؟

لم تكن الإساءة إلى نبينا ﷺ حادثة واحدة في التاريخ، ولا ظاهرة وليدة عصر الإعلام الحديث، بل هي سلوك متكرر ظهر كلما واجهت رسالة الإسلام عقولًا عاجزة عن كسرها أو متضررة من قوة حججها. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يُصرّون على الإساءة؟

إن لهذا الإصرار على الإساءة دلائل وتفسيرات بلا شك، وفي مقدمتها، أن النبي ﷺ ما يزال حيًّا في الوجدان، وتأثيره حاضرًا في أمته، ورسالته حجة على أعدائه وخصومه، فبعد أكثر من 14 قرنًا. لا تزال سيرة النبي صلى الله عليه وسلم المصدر الذي تُستمد منه منظومة الأخلاق والتشريع. ولا يزال الشخصية الوحيدة التي يُذكر اسمها يوميًا في أذان وصلوات وملايين القلوب. وهذا الحضور المستمر يُقلق من راهنوا على أفول الدين، فكانت الإساءة محاولة لنزع الهيبة من المرجعية بعد أن عجزت الحجة الخادعة. لقد أرّقهم صدق نبينا صلى الله عليه وسلم وتأييد الله عز وجل له!

وخلف هذا الإصرار المستمر للإساءة لنبينا صلى الله عليه وسلم، دافع نفسي عميق، وعقدة الضعف الذي يتوارى، فكثير من المسيئين يهاجمون النبي ﷺ بسبب التهديد الداخلي. فحين يشعر الإنسان أن منظومته التي ينافح عنها مهددة ومضطربة وهشّة، وأن نبيا مرسلا منذ 14 قرن فضح ضلالهم ولا يزال بعد كل هذه القرون، أكثر ما يعجزهم، رد حجته ودعوته العظيمة، فيرد بالتهكم على من يفضح اضطرابه وضعفه. لذلك بدل التعامل بعقل متجرد مع الحجج، يحذو طريق الجاهلية بالسب والشتم والتحقير، لتنعكس عقدة في النفس متجذرة يغذيها الكبر ونزعات الشر.

ومن يعيش فراغًا أخلاقيًا أو فوضى قيمية، يرى في النموذج المهيب والثابت والقدوة، الذي يقدمه النبي صلى الله عليه وسلم، إدانة صامتة لحياته، فيلجأ للإساءة والسبّ والشتم لتخفيف شعوره بالذنب أو النقص. ويزيد من استعصاء هذه الحالة على العلاج، كميّة الكبر المتراكم في النفوس الكافرة.

ولا شك أن المسيء يعاني من عقدة خوف أخرى، فمع كل حملات التشويه لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم لم يزدد المسلمون إلا حبا لنبيهم وفداء له صلى الله عليه وسلم! ومن هنا، بعد العجز عن تشويه ميراثه، يحاولون تفريغ فشلهم في سب صاحب الميراث، وهذه حيلة العاجز المنهزم.

وعادة ما يستهدف الكافر النبي صلى الله عليه وسلم بهدف إرباك هيبته في أعين أتباعه، وتشكيك الجيل الجديد في قدسية مكانته وفصلهم عن قدوتهم وقائدهم ونبيهم، فضلا عن قطع طريق المقبلين على الإسلام ممن يبحث عن الحقيقة، لكن ما يعجزهم عن ذلك سيرته صلى الله عليه وسلم المبهرة، وتاريخه الموثق والباقي، ونبوءاته الصادقة، وأثره الممتد إلى القارات والعصور. وذلك التأييد الرباني الذي يصعب مجاراته أو تحديه! وهكذا يصطدم المسيء بما هو صلب وقاسٍ جدًا عليه، فيسب ويشتم ضعيفًا مدحورًا. وهذا مشهد الإفلاس في أوضح صوره.

والمتأمل في سياسات العصر الحديث المحاربة للإسلام والمسلمين يجد أن الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم تتبناها دول وحكومات وأنظمة ومؤسسات وتيارات، كلها كافرة، لكونه صراع حضاري، فتحتاج لكسر هيبة المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم وفك الارتباط به، وتصوير المسلمين كمتخلفين وعنيفين، فيجعلون من حرية التعبير بصفاقة -لا يتقبلها حكامهم على أنفسهم ويعاقبون عليها- يجعلونها وسيلة لإفراغ أحقادهم وتسطير دليل هزيمتهم.

ولذلك نجد الكثير من الحملات المسيئة لا تنتظر جوابًا علميًا أو فكريا محترمًا، بل: تراهن على الغضب الذي يخرج في ردود الأفعال العزيزة. فتصور ردة فعل الدفاع والمدافعة لخبثهم دليلًا سخيفا لترسيخ الصورة النمطية للمسلم الغاضب العنيف. وهكذا بكل وقاحة، يسيئون للمسلمين في أعزّ ما يحبون، فإن غضب هؤلاء المسلمون لدينهم ونبيهم صلى الله عليه وسلم، قالوا انظروا إلى هؤلاء العنيفين المتوحشين الإرهابيين، أعداء التقدم وحريات التعبير والحضارة! نعوذ بالله من خبثهم ومكرهم وانحطاطهم.

لماذا يصرون على الإساءة لنبينا صلى الله عليه وسلم! لأنهم يدركون سر حضوره في هيبة دعوته، فلم يكن نبينا منعزلًا عن الواقع بل أسّس حضارة غيرت مسار التاريخ وجمع بين الروح والتشريع والسياسة والأخلاق. وهو بذلك يفضح هشاشة المشاريع المادية التي تفصل الإنسان عن السماء وتتركه بلا معنى. فمنذ 14 قرنا لم يهدد حضارة الغرب إلا رسالة النبي محمد صلى الله عليه سلم الذي وصف حال الكافرين وأكد نصرة الله لدينه وأن سنن الله تعالى لا تحابي أحدَا! فأقام حجة دامغة إلى يوم الدين، وكان التحدي الأبرز في تاريخ البشرية، وظلت انتصارات الإسلام مستمرة في صعودهم، بل وحتى في قاع ضعف المسلمين، مما أقض مضاجع أعدائهم!

ولأن المسيء تافهٌ، ومفلسٌ فكريًا وأخلاقيًا، ولا يملك شجاعة المواجهة المعرفية. فيستبدل الحجة بالسخرية. والنقاش بالإهانة. والبحث المتجرد بإثارة الضجيج. وفي الواقع، ما أُسيء إلى النبي ﷺ إلا لأن رسالته ما زالت تُقلق، وما هوجم إلا لأنه لم يُهزم، وما شُوّه إلا لأن نوره يأبى أن يُطفأ. قال الله جل جلاله ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [ الأنبياء: 41]

تاريخٌ قديم بوجوهٍ متجددة

لم تكن الإساءة إلى رسول الله ﷺ حادثة جديدة في مسيرة الإسلام، بل وُلدت مع ولادة الدعوة نفسها. فما إن أشرق نور الوحي في مكة حتى هبّ المشركون يطعنون في شخصه الشريف، تشويهًا وسبًّا عاجزين تماما عن كسب مناظرة أو حُجّة، فوصفوه ﷺ بالكذب والسحر والجنون، ثم وجهوا له السبّ والاستهزاء العلني في المجالس والأسواق. واتهموه بتفريق الأسر وزعزعة المجتمع. وقاد لواء هذا الفجور: أبو لهب، وأبو جهل، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث. لأنهم أدركوا أن الرسالة العظيمة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، الصادق الأمين، إذا استقرت في القلوب سقطت عروش المصالح وتهاوت أصنام الهيمنة. تماما كما يحصل اليوم مع قوى الكفر المحاربة.

وحين هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، تغيّرت الوجوه ولم يتغير الدافع؛ فدخلت الإساءة طورًا آخر، أكثر مكرًا وأشد خبثًا. اتخذها بعض أهل الكتاب لباس “النقد الديني” والطعن العلمي، وزعموا التدليس والتحريف، وأثاروا العصبيات، واستعانوا بالشعر والسخرية، لأنهم عجزوا عن مجابهة النور بالحجة الصافية. وكانت أيام مدافعة شديدة، اتفق فيها أعداء الإسلام جميعا على إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم بعد عجزهم عن رد دعوته، ومما يوثّق بعض فصولها، ما فعله محمد بن مسلمة رضي الله عنه، في نصرة مهيبة للنبي صلى الله عليه وسلم.

ووقعت سرية محمد بن مسلمة في سنة ثلاث من الهجرة وذلك أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا وكان يهجو الصحابة ويؤذي النبي صلى الله عليه وسلم ويحرض عليهم الكفار، وكان يتشبب في شعره بنساء المسلمين. فقال حينئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من لي بكعب بن الأشرف، فقد آذى الله ورسوله ؟”. وفي رواية: “فقد آذانا بشعره وقوى المشركين علينا فقال محمد بن مسلمة: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله. قال: “أنت له فافعل إن قدرت على ذلك”. فاجتمع (في قتله) محمد بن مسلمة، وعباد بن بشر، وأبو نائلة سلكان بن سلامة، والحارث بن أوس بن معاذ، بعثه عمه سعد بن معاذ، وأبو عبس بن جبر، فقالوا: يا رسول الله نحن نقتله، فأذن لنا فلنقل شيئا، فإنه لا بد لنا من أن نقول. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “قولوا ما بدا لكم، فأنتم في حل من ذلك”.

فاستعمل محمد بن مسلمة الحيلة في قتله، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم مكبرًا فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم: «أفلحت الوجوه» . فقالوا: «ووجهك يا رسول الله.

هكذا كانت عزيمة المسلمين في النيل ممن أساء للنبي صلى الله عليه وسلم وآذاه في زمن النبوة.

ثم انتقلت الإساءة إلى الضفة الأخرى من التاريخ، حيث ورثها الغرب النصراني، لا بوصفها موقفًا فرديًا، بل مشروعًا متراكمًا. فمنذ كتابات آباء الكنيسة الأوائل، مرورًا بالحروب الصليبية، ثم أدب القرون الوسطى، تشكّلت صورة مشوّهة للنبي ﷺ، صُنعت من الخيال والكراهية وليس من المعرفة. فصُوِّر نبي الرحمة ساحرًا، وداعية التوحيد وثنيًا، ورسول الأخلاق رجلًا شهوانيا ومحاربًا لأجل العنف، وامتلأت الكتب اللاهوتية الأوروبية بتشويه فاجر متعمد، لتقديم دافع ديني لحروبهم الصليبية الإجرامية. في تناقض صارخ مع حقيقة سيرته وشهادة التاريخ.

ومع دخول العصر الحديث، لبست الإساءة ثوب “البحث الأكاديمي” و”حرية التعبير”، لكنها لم تتخلّ عن جوهرها. فتتابعت كتابات المستشرقين المنحازة، وقدمت النبي صلى الله عليه وسلم كشخصية سياسي انتهازي وعبقرية بلا وحي، في عجز كامل عن شجاعة المناقشة. ثم ظهرت بصفاقة تقطر حقدًا وخبثًا وعجزًا، الرسوم الكاريكاتورية وأفلام وروايات تسخر من النبي ﷺ.

وخطاب اليمين المتطرف السياسي الحاقد في أوروبا. وكلها تصب في مصب واحد: نزع القداسة عن النبي ﷺ، وكسر رمزيته في قلوب أتباعه، تمهيدًا لكسر حضارتهم وقيمهم التي أعجزتهم رغم سنين الاستضعاف المستمر، وحجم المكر والكيد. ومع توفر الإعلام الرقمي وسرعة الانتشار الواسع والسريع للإساءة. رافقت كل ذلك الحماية القانونية تحت شعار “حرية التعبير”. تلك الحرية التي لو مورست ضد اليهود لصارت جريمة وتهمة “معاداة السامية”، التي تستوجب العقاب الأقسى! فتأملوا أيها المسلمون كمية الصفاقة وحجم الاستغفال!

والمفارقة الفاضحة أن كثيرًا من هذه الإساءات صدرت عن مؤسسات وأصوات تلطّخت سجلاتها الأخلاقية بفضائح لم يعرف التاريخ لها مثيلًا، فاتهمت الطاهر بما استقر في واقعها، ورمت النقيّ بما عجزت عن تطهير نفسها منه. ولا تزال الأحداث تتوالى لتوثّق لنا درجة انحطاط حضارتهم المعادية، وما فضائح وثائق جيفري إبستين الأخيرة، إلا دليل جديد، على طبيعة أعداء هذا الدين، نجسٌ ودنسٌ وأمساخٌ، تحاضر في الحريات وتتحكم في قوانين العالم، وهي تنحر الإنسانية من الوريد إلى الوريد! قال الله جل جلاله ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ [ التوبة: 28]، يا معشر المؤمنين إنما المشركون رِجْس وخَبَث. وقال عزّ من قائل ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [ الأنفال: 55].

وحريّ بالمسلمين عند قراءة الآيات التي تصف الكافرين الخشوع! والتعوذ من ضلال الكفر وإكثار الحمد لنعمة الإيمان العظيمة.

والحقيقة التي ترسخت مع سجل الاساءات للنبي صلى الله عليه وسلم عبر محور التاريخ، هي أنها في الواقع قدمت شهادة على قوة رسالة الإسلام؛ فكلما عجز الخصوم عن إطفاء نورها، لجؤوا إلى الشتم بدل المواجهة. وستبقى هذه الإساءات، مهما تبدلت أشكالها، ارتدادات خوفٍ من رسالة لم يستطع التاريخ تجاوزها، ولا استطاعت الأكاذيب أن تحجب ضياءها. تماما كما وصف الله جل جلاله ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾

التدافع مستمر

لقد كان المسيء للنبي صلى الله عليه وسلم على امتداد التاريخ يعلم أنه يحكم على نفسه بالموت. لندرك إلى أي درجة وصلت عقيدة الكراهية والحسد التي تقود هذه النفوس، ثم لندرك أيضا، إلى أي درجة كان المسلمون معظمين لمقام نبيهم صلى الله عليه وسلم، ولله الحمد حتى بعد زوال سلطان الدول الإسلامية، لا تزال إقامة الحد على شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم متوارثة بين أبطال المسلمين الأعزة، وهو ما سجلته الردود على من تسول له نفسه شتم النبي صلى الله عليه وسلم والإساءة له، بتطهير الأرض من دنسه. فطوبى لمن ينال هذا الشرف..!
ومع حجم السخرية والإساءة المدعومة حكوميا ودوليا، لم ينزل المسلمون لمستوى الكافرين، فلديهم رسالة عظيمة، هي الحجة التي لا تُهزم، ولذلك لا تزال هناك قوافل المعتنقين الجدد، يقبلون على الإسلام، محبة في نبي الله صلى الله عليه وسلم وإعجابًا بسيرته، وهذا الإقبال الذي عجزت آلات الغرب الحاقد مجتمعة على كبحه – حتى في ذروة الحرب على الإسلام وشيطنة دعوته- أضحى يهدد بقاء المجتمعات الكافرة ويكشف ضلال دعاوي الشرك والكفر، لوجود معالم حق ظاهرة ومنارات هدى ثابته، تقيم الحجة وتهزم الأفكار المنحرفة، المحاربة للتوحيد، مما يزيد من سخط ساسة الكفر وحنقهم وسبهم وشتمهم! فهي بمثابة دائرة صراع لا تقف لكبر النفوس وضلالها، لكنها تسطر في كل مرة، نصرًا عزيزًا لدعوة الإسلام وهزيمة لحضارة الغرب الكافر في عقر داره.

وهذه آية من آيات الله تعالى جديرة بالتأمل! فإن تعددت وسائل الحرب على الإسلام فإنها كلها تتلخص في مشهد الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم الذي يوثّق إفلاس الأعداء وعجزهم عن كسر دعوته الأشفى للبشرية، ومع استمرار قوافل المعتنقين للإسلام رغم كمّ الشيطنة والتسفيه لهذا الدين العظيم والإساءة لحامل رسالته، محمد صلى الله عليه وسلم، فإننا أمام انتصار مهيب للنبي صلى الله عليه وسلم يسجله العالم مطأطأ رأسه احتراما لخاتم النبيين، المؤيّد من ربه عز وجل..!

عظم مقام النبي صلى الله عليه وسلم

وإن كان من درس نستخلصه من هذا التاريخ المزدحم بفصول التدافع بين حضارة الإيمان وحضارة الكفر، هو أن مقام النبي صلى الله عليه وسلم كان عظيمًا جدًا في تاريخ المسلمين، ولم تكن صيانته تخضع لسياسات ولا مداهنات ولا مصالح؛ بل كان الحكم المتفق عليه قتل شاتم النبي صلى الله عليه وسلم. وكانت الأحكام تطبق على كل المعتدين، كما حصل في قرطبة، مع حركة الصليب، إلى أن قتل رأس الشر الأكبر الذي كان يقود دعوتها الحاقدة، يولوجيوس، فتلاشت سمومها تدريجيًا وضعفت إلى أن اختفى أثرها. لكن فكرها لا يزال ممتدًا اليوم ويظهر بشكل واضح في كل مناسبة في البلاد الغربية تشجع الاعتداء على نبي الله صلى الله عليه وسلم، وتبرره بوقاحة في إطار حرية التعبير زعموا!

فتحت لافتةٍ براقة اسمها «حرية التعبير»، شرّعت بعض الدول الأوروبية أبواب الإساءة إلى النبي ﷺ، فجعلت المقدّس مباحًا للسخرية، والاعتقاد الديني مادة للاستهزاء. وكانت الدنمارك أولى المحطات البارزة حين نُشرت الرسوم المسيئة عام 1425هـ (2005م)، وتلتها فرنسا بتكرار نشرها والدفاع عنها في خطاب رسمي صريح، ثم السويد بحوادث مشابهة، فضلًا عن دول أخرى كالهولندا وبولندا حيث أُعيد تداول الإساءة. وفي كل هذه السياقات، لم تكن الحرية وسيلةً لحماية الكرامة الإنسانية، بل غطاءً قانونيًا يبرر الطعن في أقدس رموز المسلمين، ويكشف ازدواجية المعايير حيث تُصان مشاعر فئات، وتُستباح عقيدة أمة بأكملها، ورسخوا بذلك مبدأ الاحترام المزعوم كقيمة انتقائية لا مبدأ إنسانيًا عامًا كما يدعون عند الترويج للشذوذ والرذيلة.

ولولا أن الدول الغربية تستنسخ التجارب من تاريخ حركة شهداء الصليب، وتدفعها ذات أحقاد هذه الحركة، لما كانت المحاكاة بالطريقة نفسها؛ من الإصرار على إظهار الإساءة بعنف وتعمد إلحاق الأذى بالمسلمين في نبيهم صلى الله عليه وسلم، وإن زاد عليها النقل المباشر للإساءات بتصوير القنوات الإعلامية العالمية وبمباركة من قادة الدول الغربية! ليصبح الاعتداء بشكل رسمي وقانوني، فأصبحت بمفهوم واقع قرطبة الماضي، “عملية انتحارية كبيرة” تحدث بحق المسلمين! ومع ذلك لا يزال التجاوب من الشعوب المسلمة لم يصل لمستوى يليق بأمة يساء لنبيها بمثل هذا الفجور!

من هنا نرى لماذا لابد على المسلمين أن يسترجعوا سلطانهم وقوتهم لحفظ مقام نبيهم صلى الله عليه وسلم مهما كلّف الثمن؛ فتعجز أمامه نزعات العداء الصليبي وتفشل خططه في تجاوز حدها مع مقدسات المسلمين وما يتعلق بدينهم. وإلى أن يتحقق ذلك، لا بد من رد مهيب على كل من يتطاول على نبينا صلى الله عليه وسلم. وإلا فلن يحسب الحاقدون المعتدون أي حساب لهذه الأمة، ولن يرتدع المجرمون كما ارتدع يولوجيوس وأتباعه على يد أسلافنا الأعزة. وكما ارتدع كعب بن الأشرف على يد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. لابد وبإصرار وقوة، إعادة الاعتبار لأحكام الإسلام وواجب نصرة النبي صلى الله عليه وسلم بكل ما يتوفر من أسباب ووسائل بما فيها المقاطعة الاقتصادية والحملات الفكرية والدعوية، لدحض الشبهات والدعوة للإسلام، وذلك أضعف الإيمان.

معضلة الانحياز العاطفي

وكم نحن بحاجة للخروج من دائرة الانحياز العاطفي للإسلام إلى دائرة العمل الحقيقي للإسلام بالإسلام. فأكثر ردود المسلمين مجرد استياء يبرد سريعا ويتعايش مع المصاب الجلل، من توحش الغرب الكافر، وأغلب ردود المسلمين التجاهل والتغاضي، فلا داعي للانزعاج، بما أن هدفهم إزعاجنا، وكأن المساس بالنبي صلى الله عليه وسلم مجرد إزعاج للمشاعر! وليس مساس بعقيدة متجذرة وغاية وجودية!

فما فائدة ترديد مزاعم المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم والمرء لو أن أحدًا سبّ والده أو أحب الناس إليه لأقام الدنيا وما أقعدها، ولكنه بالمقابل إن سب نبيه صلى الله عليه وسلم، أظهر التعقل البارد واللامبالاة!

فعمق هذه المسألة في الواقع هو عمق محبتنا لنبينا صلى الله عليه وسلم، وهو للأسف منتشر في كل مكان، التنظير على حساب التوثيق العملي للمحبة، نكثر من قول نحبك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الاستجابة لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» تجبن النفوس أمامها وتتوارى في زحام الحياة الدنيا.
وأقول، المشكلة عميقة جدًا، لأنها تمس بعقيدتنا، بمقتضيات لا إله إلا الله محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لذلك البداية يجب أن تكون من تصحيح مقتضيات “لا إله إلا الله محمد رسول الله” ومن ترسيخ العقيدة في العمق، لتصبح ردودنا على قدر المكانة التي يجب أن تكون للنبي صلى الله عليه وسلم في قلوبنا وحياتنا.

إن دليل محبة النبي صلى الله عليه وسلم ليست مجرد محاضرة ولا سلسلة دروس! ولا مؤلفات تسطر ولا شعارات تردد، ليس لافتة ومنشورات تزكي النفوس! إنما هي وقفة الحق لحظة الخطب، والاستجابة اللائقة في المواقف الحاسمة! إنها حقيقة طاعة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم مقامه وتوقيره ونصرته والعمل بأمره، ولو على حساب النفس والنفيس! إنها الحمية على نبينا صلى الله عليه وسلم وتقديرها، ليدرك الناس ما يعني المساس بهيبته صلى الله عليه وسلم. تلك هي النصرة الحقيقية للنبي صلى الله عليه وسلم، فمن السهل جدًا إعداد النصوص وترديد المحاضرات، في جو هادئ ووقت يمر بلا تحديات، لكن العمل بهدي النبوة، في وقت الحرب عليه والخطر لالتزامه، هي النصرة الأرجى للنبي صلى الله عليه وسلم، هي فداء دينه بالنفس وأغلى ما نملك، والجهاد في سبيل إعلاء راية الإسلام، والدفع لأعداء الدين المعتدين على مكانة نبينا صلى الله عليه وسلم! بكل ما نستطيعه من قوة. ذلك هو دليل الصدق الأصدق، وليس ترف الإدعاء وترديد النصوص بلا حرقة في القلب!

وأنا هنا لا أقلل من أهمية الدروس والتذكير بالنصوص، أبدًا، بل هذا واجب نتواصى به، ونعمل به، لكن لا نجعله منّة ونحصيه لإثبات نصرتنا للنبي صلى الله عليه وسلم، بل النصرة الحقيقة تكشفها امتحانات الصدق، والمواجهة، وحقيقة الإعداد والاستعداد، حين يمتحن ما في قلوبنا في اللحظة المفاجئة.

وكم تعودنا الانحياز العاطفي على حساب العمل حقا بدعوة الإسلام!

ولذلك نجد اليوم الناس تتحرج من مباركة حدّ يقام على شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم، تخشى أن تصنف إرهابية أو عنيفة متوحشة، بل قد تراه تهورا أهوجًا، وتطالبنا بالتعقل والحلم والهدوء، بحجة أنها صفات النبيّ صلى الله عليه وسلم! ولم يعلموا أن السابقين كانوا يتسابقون على تطهير الأرض من دنس من يؤذي المسلمين في نبيهم صلى الله عليه وسلم، وكانت بطولة تتسابق عليها القبائل لا تنزوي!

قال الله عز وجل: ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ۗ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [ سورة الأحزاب: 6]

فالمحبة الحقيقية هي في الأفعال قبل الشعارات، وقبل التنظير المنفصل عن العمل، هي في المواقف التي تشهد غضبة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتشهد عملا بسيرته وسنته، صلى الله عليه وسلم في كل مقام ومقال، في مقام الشدة كما اللين، وفي مقام السلم كما الحرب، وفي مقام المراغمة كما العزة والتمكين. لا تختلف! نأخذ ميراث النبي صلى الله عليه وسلم كاملا بدون تطفيف أو انتقائية. ومن أخذ من النبي صلى الله عليه وسلم لينه مع المسلمين وتحرّج من إغلاظه على الكافرين، لم يفقه بعد سيرة نبينا فدته نفسي.

عن عائشة رضي الله عنها، قالت: “ما خُيِّرَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيْنَ أمْرَيْنِ إلَّا اخْتارَ أيْسَرَهُما ما لَمْ يَأْثَمْ، فإذا كانَ الإثْمُ كانَ أبْعَدَهُما منه، واللَّهِ ما انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ في شيءٍ يُؤْتَى إلَيْهِ قَطُّ، حتَّى تُنْتَهَكَ حُرُماتُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ” (رواه البخاري).

وهو نبينا صلى الله عليه وسلم القائد العسكري الفذ الذي خاض الحروب والغزوات ولم ترهبه أرتال جيش ولا تهديدات كافر محارب! وهو الجانب الذي يراد لنا إهماله والتعلق بدله باللطف واللين، بحجة أن هذا ما كان عليه منهج النبي صلى الله عليه وسلم حصرا. وهذا كذب وتدليس، فالنبي صلى الله عليه وسلم، كان يعطي كل مقام حقه، ولا تأخذه في الله لومة لائم. ونصرة الحق أحب إليه من أي شيء. ورواية خبر اليهودي الذي يرمي عليه القاذورات ويصبر، لا تصح أبدًا ولم تحدث! ومع ذلك تسير بها حناجر المنابر لتصوير النبي صلى الله عليه وسلم ضعيفا لا يرد على من ظلمه، لأن هذا يناسبهم جدًا، يناسب خنوعهم وذلّتهم وحب السلامة والوهن! وأما حقيقة قيادته للغزوات وقتاله لليهود، وغضبته لله جل جلاله، فيجبنون أمامها، ولا يذكرونها تحرّجا وجهالة.

لذلك نرى اليوم المماراة في مقامات الحق، والتعظيم لحقوق العباد أكثر انتشارًا من تعظيم حق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فتتمهد الطريق للكافر المحارب، ويخرج علينا في كل يوم ساقط حاقد، يحشد خبثه في الإساءة لنبينا صلى الله عليه وسلم. قاتلهم الله أنى يؤفكون!

ثم اليوم، نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، لا تتعدى أنشودة يترنم بها الناس، وترديد أحاديث الرفق والحلم وإخفاء حقيقة جهاد النبي صلى الله عليه وسلم جهادًا كبيرًا! قال الله عز وجل: ﴿ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [ الفرقان: 52]، وقال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [ التوبة: 73].

نعوذ بالله من دعوات الذلّة والخنوع لحظوظ الدنيا، ومن التفريط في العزة والشجاعة لنصرة الدين!

مفهوم نصرة النبي صلى الله عليه وسلم

لا بد أن ندرك أن نصرة النبي ﷺ منظومة متكاملة، وعهد يتجدد وسبيل يُقتفى. فالحديث عن نصرة النبي صلى الله عليه وسلم هو في حقيقته استحضارٌ لعهدٍ أبدي، وميثاقٍ غليظٍ بين الأمة ونبيها صلى الله عليه وسلم، يتجدد مع كل يوم وليلة، ويُستلهم من كل آيةٍ وحديث، ومن كل تأسٍ وسنة. إنها قضية حسن اتباع واستجابة، تلامس شغاف القلوب، وتوقظ في النفوس معاني الحب والولاء، وتدفع إلى العمل الصادق واليقين بوعد الله الحق.

ونصرة النبي صلى الله عليه وسلم في ميزان الشرع ليست مجرد عاطفةٍ جياشةٍ أو شعارات جوفاء ترفع، بل هي تأييدٌ شاملٌ بالقلب واللسان والمال والعمل، وهي واجبٌ شرعيٌ محكمٌ على كل مسلمٍ ومسلمة. وقد بيَّن القرآن الكريم هذه الحقيقة بوضوحٍ لا لبس فيه، فقال تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157]. فـ”التعزير” هنا يشمل التوقير والتبجيل، والمنع من كل ما يؤذيه أو ينقص من قدره، و”النصرة” هي الوقوف معه والدفاع عنه بكل ما أوتي المرء من قوةٍ وطاقة. إنها إيمانٌ راسخٌ يتبعه عملٌ دؤوبٌ، وحبٌ صادقٌ يتبعه اتباعٌ كاملٌ.

وكذلك نصره الصحابة رضي الله عنهم، فقد ضرب الصحابة الكرام أروع الأمثلة في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت حياتهم كلها ترجمة عملية لهذا المفهوم العظيم.
ومن يتأمل سيرة أبو بكر الصديق رضي الله عنه خلال الاستضعاف في مكة وخلال الهجرة إلى المدينة، يرى نموذج الفداء الأوفى لنبي الله صلى الله عليه وسلم. يقف في وجه المشركين لوحده ويتحمل الضرب، ويخشى على النبي صلى الله عليه وسلم فيحرسه بكل جوارحه بقلب تصدّع حبًّا وتصديقًا، فكان بحقّ الصدّيق!

وكذلك تنقل لنا سيرة طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه في غزوة أحد، حينما تفرق الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم، جعل طلحة نفسه ترساً له، يتلقى السهام والنبال بيده وذراعه حتى شُلَّت يده، فكانت نصرةً بالجسد والروح بتمام الحب والتوقير.

ثم أبو دجانة رضي الله عنه في ذات الغزوة، وقف أمام النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل ظهره وقايةً له، والنبل يقع فيه وهو صامتٌ لا يتحرك، في مشهدٍ يجسد أسمى معاني الفداء ويوثّق أصدق درجات المحبة!

وكذلك كانت نساء الصحابة رضي الله عنهن، كما وثّقت أم عمارة نسيبة بنت كعب رضي الله عنها، التي وجدت نفسها في قلب معركة وسهام الموت وضربات السيوف تنهال عليها من كل حدب وصوب، فلم تفكر في نفسها ولا أحد غير رسول الله صلى الله علي وسلم، فارتمت على خط الموت تذبّ عنه صلى الله عليه وسلم تفديه بنفسها رضي الله عنها وأرضاها. وحقيقة المحبة تظهر في مقامات الموت أنقى ما يكون وأصدق ما يُوثّق!

لقد جسّد الصحابة معنى النصرة للنبي صلى الله عليه وسلم بأرقى صورها، حتى شهد لهم بذلك القريب والبعيد، والمؤمن والكافر. يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين سُئل عن حبهم لرسول الله ﷺ: “كان والله أحبَّ إلينا من أموالنا وأولادنا، وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ”.

وشهادةُ العدوّ أبلغُ من شهادة الصديق؛ فهذا عروة بن مسعود الثقفي ـ قبل إسلامه ـ يصف مشهد الصحابة مع نبيهم ﷺ بعد صلح الحديبية، فيقول لقريش:
” أي قوم! والله لقد وفَدْتُ على الملوك، ووَفَدْتُ على قيصر، وكسرى، والنجاشي، والله إنْ رأيتُ مَلِكاً قَطْ يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمدٍ محمدا، والله إن تنخمَّ نخامةً إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدُّون النظر إليه تعظيما له”. رواه البخاري.
وكان تعظيمهم له ﷺ يظهر في أدق تفاصيل حياتهم، حتى في البيوت. فهذا أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، لما نزل النبي ﷺ ضيفًا عليه، بات قلقًا أن يكون فوق سقفٍ رسول الله تحته، فقال: “نمشي فوق رأس رسول الله؟!”. حتى ألحّ على النبي ﷺ أن يكون هو في العلو إجلالًا له، مع أن النبي اختار الطابق السُّفلي رفقًا بالناس.

وكانت هيبته ﷺ في قلوبهم عظيمة، حتى قال عمرو بن العاص رضي الله عنه:
“وما كان أحدٌ أحب إليَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجلَّ في عينيَّ منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له، ولو سُئِلْتُ أن أصِفَه ما أطقْتُ، لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولو متُّ على تلك الحال لرجوتُ أن أكون من أهل الجنة”. رواه مسلم.

وفي مجالسه ﷺ، كانت السكينة عنوانًا ومشهدًا موحدًا، يقول البراء بن عازب رضي الله عنه:
“كنا إذا جلسنا عند رسول الله ﷺ كأن على رؤوسنا الطير”، ويقول بريدة رضي الله عنه: “كنا إذا قعدنا عند رسول الله ﷺ لم نرفع أبصارنا إليه”.

حتى بابه ﷺ لم يُطرق كأبواب الناس؛ تقول عائشة رضي الله عنها: “إن أبواب النبي ﷺ كانت تُقرع بالأظافير”. رواه البخاري في الأدب المفرد، تعظيمًا وهيبةً وأدبًا.

بل بلغ تعظيمهم له أن يتسابقوا إلى آثاره، كما يروي أنس رضي الله عنه: “لقد رأيت رسول الله ﷺ والحلاق يحلقه، وأطاف به أصحابه، فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل”. رواه مسلم.

ومع هذا التعظيم كله، ظل الصحابة أحرص الناس على ضبطه بالشرع، بلا غلو ولا إفراط، ممتثلين قوله ﷺ: “لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله”. رواه البخاري.

فلم يبتدعوا في إثبات محبتهم له، كما يفعل المبتدعة في زماننا، ولم ينحرفوا عن سبيل التوحيد والاستقامة كما يفعل المشركون، فكانوا خير من حمل الرسالة وقدم القدوة من بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم.

وهكذا كانت نصرة الصحابة لرسول الله ﷺ: حبًّا بلا تلجلج، وتعظيمًا بلا غلو، واتباعًا بلا ابتداع، ووقوفًا صلبًا في وجه كل إساءة أو أذى. نصرةٌ صاغها القرآن، وربّاها الوحي، وحفظها التاريخ، لتبقى ميزانًا يشهد على صدق المحبة ودرجتها السامقة، وحقيقة الإيمان حقا. ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

وفي عصرنا اليوم، حيث تتلاطم أمواج الفتن والشبهات، يبرز سؤالٌ جوهري: ما هي أعظم صور نصرة النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل هي في صرخة تنطفئ مع زحام الأيام، أم في التمثيل الصادق لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم والاستجابة الأوفى لأمره ودعوته؟

ومع ما نراه من تبدل حال المسلمين عن حال السابقين الأولين، وما نشهده من غربة الدين وصدق نبوءات النبي صلى الله عليه وسلم وأحاديثه في وصف حالنا في آخر الزمان، تبقى النصرة الحقيقية اليوم تكمن في أن نكون “نسخةً مجتهدة صادقة” من سيرة النبي ﷺ، فنلتزم سنته ونتأسى بفعاله. مستوعبين لعظمة ميراثه وهيبة رسالته وأولوية الأمانة التي نحمل وتستوجب منا جمع كل أسباب نصرتها. فلابد أن يكون هدي النبي صلى الله عليه وسلم حاضرا في يومنا وليلنا، في بيتنا وفي حيينا، في مدرستنا وعملنا، في سرّنا وجهرنا، في وحدتنا وجمعنا، في بلاد المسلمين والدعوة لغير المسلمين، في إعدادنا وجمعنا للكافرين، في التحريض على الجهاد وإعلاء كلمة الله تعالى، في السلم والحرب، في السراء والضراء، على حد سواء!
وأعداء الإسلام يتربصون بنا الدوائر، ويستغلون أي هفوةٍ أو خطأٍ يصدر من بعض المسلمين للطعن في نبينا الكريم وديننا الحنيف. فإذا رأوا منا بدعة في التعبّد، أو جهلاً بالدين، أو سوءاً في الأخلاق، نسبوا ذلك إلى الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم، مع أن الإسلام بريءٌ من ذلك كله. لذلك تصبح مواجهة هذا الواقع المرير تتطلب منا وعياً عميقاً، وإدراكاً بأن كل تصرفٍ يصدر منا هو رسالةٌ عن ديننا ونبينا. فلنصدق مع الله، فينصرنا نصرًا عزيزًا. يقول الإبراهيمي رحمه الله خلاصة دقيقة: “وما أعظم جناية المسلم الذي يقيم من أعماله الفاسدة حجة على دينه الصحيح، وما أشنع جريمة المسلم الذي يعرض ـ بسوء عمله ـ دينه الطاهر النقي للزراية والاحتقار”. وهذا باب دقيق من أبواب النصرة لا ينتبه له الناس، باب الحرص على عدم الإساءة لرسالة الإسلام وتنزيهها عن الانحرافات والشرك وقبيح الأعمال. والمتهاون في ذلك متهاون في نصرة دينه ونبيه صلى الله عليه وسلم ومخذول، خذل نفسه بسوء صنيعه!

نصرة المسلمة لنبيها صلى الله عليه وسلم

ومما يجدر التنبيه إليه عند الحديث عن نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، أن حقيقة نصرتك لنبيك حقيقة أخية، ليس بكتابة اسمه على ملابسك، والخروج بالطواقي التي ترفق القلوب بجانب زخرفة “محمد” صلى الله عليه وسلم، وتتأنق في الظهور وفتنة الرجال، والتغنج بالصوت الناعم والخضوع بالقول والغناء والتراقص أمام الجماهير في طرب!! وليس بمجرد تعليق تصاميم، لإعلان محبتك له في جدران بيتك وحساباتك، وإن كان في ذلك دعوة لله لا نبخسها حقها، لكن نصرتك الحقيقية هي في التأسي بالقدوة الحسنة، بالاقتداء بأمهات المؤمنين والصحابيات الجليلات في علمهن وعفتهن وصبرهن وحكمتهن.

في التزام الحجاب الشرعي وإعلان قيم الإسلام في مظهرك وجوهرك وكل ما يصدر عنك، فالحجاب من شعائر الله تعالى التي تعد إقامتها فريضةً ودعوةً وجهادًا في زماننا وعلامات الاستقامة والتقوى تصدّق ما تدّعين أو تكذّبه.

والمسلمة بدون علم ينير دربها، تسقط في الفتن والبدع، بسهولة، لذلك لابد لك من نصاب العلم الشرعي، من التسلح بالعلم النافع، للتصدي للشبهات والذبّ عن دينك وحسن الاتباع، بعلم لا ببدعة، فتحسنين الرد على شبهات النسويات باستعلاء بالإيمان ووضوح رؤية وصفاء عقيدة. ولا يحرفك الاغترار بمظاهر الخداع الغربي، أو يشوش قوتك في الحق! فقد أبصرتِ مكامكن فساد دعوتهم وعمق ضلالها في النفس والمجتمعات، وكفى بمآلاتها ومخرجاتها دليلا.

كيف نرد على الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم

لا خلاف في وجوب إقامة حد القتل على المسيء للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما يُسخّر الله له من يشاء من عباده الصالحين. فهنيئًا لمن نال هذا الفضل، خاصة في زمن الوهن والاستضعاف، ولكن هذا العمل البطولي، يأتي لردع المسيء ومن تسول له نفسه التطاول على ديننا ومقدساتنا فيدرك هيبة المقام والحدود الحمراء أين تقع، ليتأدب طوعًا أو كرهًا. ولكن لابد مع ذلك، أن يكون هناك عمل حثيث لتبليغ رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وتعريف العالم بحقيقة دعوته العظيمة والدوافع الحقيقية خلف الإساءة إليه. فهذه الفرصة مهم جدًا الاستفادة منها، كما يقول الناظم:

إذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسودِ
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيبُ ريح العودِ

وهذا يعني التزود العلمي النافع والصادق، لنشر سنته وسيرته ووصاياه وأحاديثه والرد على الشبهات المثارة حوله صلى الله عليه وسلم، وهو إعداد وعمل يتطلب علمًا وصبرًا ومراغمة.
ويعني التعامل بحكمة في نشر دعوة الإسلام والتعاون في ميادينها بحكمة وبصيرة وخبرات متعاضدة. قال تعالى {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} (النحل: 125).
ويرافق ذلك تربية الجيل على توقير وتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وفهم معنى أمانة رسالته التي نحملها وواجب تبليغها والقيام بحقها. واستشعار المعاني ومعايشتها، وتحميلهم مسؤولية المهمات التي تصنع في نفوسهم الجد وعلو الهمة مبكّرًا.

فما فائدة أن نردد الأناشيد عن حب النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نخالف سنته، ونهمل ميراثه ونجهل وصاياه، ونبتدع في دينه، ونخالف أمره، فالنصرة والتقدير يبدآن من الاتباع الصادقٌ والمحبةٌ الخالصةٌ. قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31]. فكيف ندعي حبه ونصرته ونحن نخالف أمره ونهيه، ونعرض عن سنته وهديه؟

وهل يكفي الغضب إن لم يتغير السلوك؟ فالغضب من الإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو غضبٌ محمودٌ، لكنه لا يكفي وحده. بل يجب أن يتبعه تغييرٌ في السلوك، وتقويمٌ للذات، وعملٌ جادٌ لنشر سنته وأخلاقه، وإعلاء راية الإسلام خفاقة بلا ارتياب. وإقامة بنيان الإسلام في الأرض بلا تهاون. فما قيمة الغضب إذا لم يدفعنا إلى أن نكون خير حملة لرسالة ديننا ونبينا صلى الله عليه وسلم؟

والغاية من كل هذا هي تثبيت الأثر، أثر النبوة في قلوبنا، وأثر السنة في حياتنا، وأثر الأخلاق في مجتمعاتنا. وأثر العزة في مطالبنا، وعلو الهمة، على منهج النبي صلى الله عليه وسلم. لنجعل من كل فعلٍ نقوم به، وكل كلمةٍ ننطق بها، وكل خلقٍ نتحلى به، نصرةً حقيقيةً لنبينا الكريم على امتداد الأيام والأسابيع والشهور والخريطة كلها، وليس مجرد لحظة راهنة!

الاجتماع على منهج نبينا صلى الله عليه وسلم

إن من أبرز المفاهيم التي تخللها سوء الفهم والتطبيق، مفهوم الوحدة في زماننا، فأضحت الكثرة أهم من السلامة، والتنازل عن حقوق الدين في سبيل الشعبوية أهم من تربية الناس على الحق، والصدق في تبليغ الرسالة وتأكيد أن منهج النبي صلى الله عليه وسلم اتباعه مصيري، وواجب، وليس ترفًا فكريًا والتزاما اختياريًا هامشيًا نتزين به وقت ما شئنا ونتخلى عنه كيفما شئنا.

فمن آكد أسباب النصر في زماننا الاستقامة كما علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم بلا إفراط ولا تفريط بلا إرجاء ولا غلو، بإخلاص الدين كله لله عز وجل، بصدق لا يشوبه ارتياب، ولا جبن ولا تردد، على المحجة البيضاء كما أرادها الله عز وجل نقية من البدع وحظوظ الأهواء.

وتكون بالتأدب بأدب الصحابة رضي الله عنهم في تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم، وهم الذين كانوا إذا ذُكر محمد ﷺ ارتعدت قلوبهم، هيبةً لله الذي أرسله جل جلاله، ومحبةً لمن اختاره ربهم هاديًا ودليلًا صلى الله عليه وسلم. قال ربنا جلّ وعلا: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ۝ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾.

فقبل أن ينصر الصحابة رضي الله عنه نبي الله صلى الله عليه وسلم بالغضب له، نصروه بترسيخ الصدق في قلوبهم وقوة الإيمان في أعمالهم وجوارحهم، لا يُقدَّمون على هديه رأي، ولا يُعارضون قوله بهوى. فآمنوا به حقا، قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾.

قال عمر رضي الله عنه يوما: “والله إنك لأحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي”.
فقال له النبي ﷺ: “لا يا عمر، حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك”.
فقال عمر مستدركا: “فأنت الآن والله أحب إليّ من نفسي”.

كانت نصرة الصحابة رضي الله عنهم نصرة طاعة واتباع، ونصرة محبة واستقامة، ولا محبةً بلا طاعة. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.

فكان إذا بلغهم عنه أمرٌ، ابتدروه، وإذا نهاهم عن شيء، تركوه وإن مالت إليه نفوسهم. قال ﷺ: “كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى”، قيل: ومن يأبى؟
قال: “من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى”.

كانوا يعلمون أن تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم من تعظيم الله عز وجل، قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ قال: تعظموه وتجلّوه.
فما رفعوا أصواتهم عنده، ولا أحدّوا أبصارهم إليه، ولا قرعوا بابه إلا بالأظافر، هيبةً له وإجلالًا.
نصروه بالذبّ عنه والدفاع عنه، فما سكتوا على باطلٍ يُقال فيه، ولا تركوا الكذب يُروى عنه ولا سمحوا بالمساس بهيبته وهيبة سنته، لأي اعتبار كان!

فكان علماؤنا من الصحابة والتابعين يقفون سدًّا منيعًا أمام التحريف، يذبّون عن سنته، ويكشفون كيد المنافقين وأهل الأهواء، ويبذلون أنفسهم وأرواحهم في سبيل أن تبلغنا الرسالة كما جاء بها نبينا صلى الله عليه وسلم ويقطعون يد كل معتدٍ ولسان كل فاجر أو مسيء لنبينا صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. منهج حياة كاملة، وليس موقف واحد ولا مشاعر لحظة فائتة!

الغشّ والتسلّق خذلان!

لقد علم الصحابة رضي الله عنهم أن الظلم باسم الدين إساءة للدين، والكذب باسمه خيانة، وسوء الخلق باسمه طعن في دعوته. فكان الالتزام بهديه قولا وفعلا، دليل صدق لا مماراة فيه ولا ادعاء ولا وسيلة تسلق. أما اليوم فقد ابتذلت المعاني، وأضحى الحديث عن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيلة المتسلقين، فكم من داعية ببضاعة مزجاة، يبدأ مسيرته بالحديث عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فتلتف حوله الجموع لهيبة الحديث وجلال المعاني، ثم ما يلبث أن يكشف قبح سريرته وينحرف عن سبيل المؤمنين وهدي النبي العظيم! ويفتن بذلك قلوبا وتنفض عنه قلوب آمنت بحق! فيظهر للعالم سواد وجهه وفساد مقاصده.
ولذلك يحرص من يحارب دين الله تعالى على البداية من السيرة، من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم، من دروس تهبُّ لها القلوب بإجلال وتقدير، ثم يبث سمومه لحرفها عن هدي سيد الخلق أجمعين! فكان مكرًا كبارًا.

الله الله في نصرة نبي الله

وسبحان من جعل نصرته قولا وعملا دليل صدق، ومن موجبات الأجر والفضل، قال ﷺ: “من صلى عليّ صلاة، صلى الله عليه بها عشرًا”.
فيا من يحب محمدا، أكثر الصلاة والسلام عليه، وعلم أبناءك سنته، وبلّغ أخباره الصحيحة، وأنشر رسالته أينما أمكنك. وأكثر من التذكير بهديه، فالمحبة دليلها كثرة التواصي بمن نحب والاتباع لمن نحب، فكيف حين يكون من نحب خاتم النبيين جميعا، عليه أفضل الصلاة والسلام! فلا يجوز تقديم محبة أحد من البشر عليه!

ويا من غضبتم اليوم لرسول الله ﷺ، اعلموا أن أعظم نصرة له أن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُتّبع فلا يُترك، وأن تُحيا سنته في الواقع والحياة اليومية وكل يوم وليلة، لا في الحسابات فحسب وإعلانات التواصل والإعلام وكفى، وإياكم وسبل الغش والخداع والتفلت. إياكم والتهاون في تعظيم مقامه وتقزيم هيبته وحصرها في شخص أو جماعة أو رمز، فمقام نبينا أجل من أن يختزل في فرد أو جمع، إنها رسالة ربانية حملها خاتم الأنبياء، لا يمكن لأحد أن يحلّ مكانه، ومن قلة الأدب اعتبار أن أحدًا ينوب عنه فمن خالفه خالف النبي صلى الله عليه وسلم ومن وافقه وافق النبي فدته نفسي. ليكن هذا الأصل شديد الوضوح في النفوس، جميعنا تحت شريعة الله تعالى، وكلّ يؤخذ منه ويرد إلا سيد الخلق أجمعين. فلا أحد يناجز مكانته ولا أحد يدّعيها. ولا حميّة تغلب الحميّة عليه، صلى الله عليه وسلم، وهذا من تمام النصرة لدين الله تعالى وصيانة هيبة نبينا صلى الله عليه وسلم وهيبة رسالته.

سبيل صدق لا تفلت!

أما أولئك الذي يرفعون شعارات محبة النبي صلى الله عليه وسلم وهم يتفلتون عن هديه ﷺ، ويطلبون لأنفسهم مخارجَ من أمره، ويتحرّجون من سنته، ويتحايلون على توجيهاته، أولئك حذّرهم ربُّ البشر تحذيرًا يخلع القلوب، فقال جلّ وعلا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

فالخطر ليس في المخالفة الظاهرة فحسب، بل في الانسلاخ الباطن، حين يُقدَّم الهوى، أو العرف، أو ضغط الواقع على هدي النبي ﷺ. إنها فتنة القلوب؛ فتنة تزيغ بها البصائر، ويهون بها الحق، حتى يصبح أمر النبي صلى الله عليه وسلم محلَّ نقاش وتأويل لا تسليم وصدق، وسنته خيارًا لا أهمية له، لا التزامًا منهجيا لا يقبل التهميش. أو قلة الأدب معه محل تهوين وعقلانية، بينما قلة الأدب مع غيره من البشر محل سخط وغضب!

لقد كان السلف يرتعدون من ردّ حديث واحد، أو التلكؤ عن أمره، لأنهم علموا أن السلامة كل السلامة في الانقياد، وأن النجاة كل النجاة في الوقوف حيث وقف، والسير حيث سار، لا نتقدّم بين يديه لرأي، ولا نتأخر عنه لهوًى. ويرافق كل ذلك، الأدب والحياء والاحترام للنبي صلى الله عليه وسلم.

وفي الختام،

أينما كنت أيها المسلم وأيتها المسلمة، في أسرتك، فردًا أو زوجًا، ابنًا أو ابنةً أو أبًا أو أمًا، راعيًا أو مرعيًا، أقم نفسك على تعظيم مقام النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار محبته، لا تكتفي بقول “أنا أحبه”، بل أجعل أثر محبته ظاهرًا في تفاصيل حياتك، بالقول والعمل، بالصلاة والسلام عليه، وبالتأسي بسننه وآدابه وأخلاقه، والجهاد والدعوة على منهجه، كما حفر لنا في سيرته صلى الله عليه وسلم، القدوة والأثر الأجمل.
وليجاهد كل مسلم ومسلمة في خندقه، في ثغره، في حله وترحاله، ولا ينسينه زخرف الدنيا وزينة الطريق، غايته الوجودية، وليترك ما يُعذر به عند ربه جل وعلا. فلا عيش إلا عيش الآخرة.

يقول الله جل جلاله ﴿ إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [ الزمر: 7]

(ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
نعم، إنّ العمل لا ينفصل عن حال القلب؛ فاحرصوا أشدّ الحرص على صدق قلوبكم، فإنّ الأعمال ـ مهما كثرت وتزيّنت بالمنافسة والإتقان ـ لا وزن لها إذا دنّستها حظوظ النفوس، وضعف فيها الإخلاص، ولم تصدق مع ربها. لا يهم ما يقوله الناس، ولا ما تلتقطه الأبصار، إنما الشأن كلّه فيما يعلمه الله جلّ جلاله من خفايا القلوب؛ فهناك توزن الأعمال، ومن هناك يبدأ الصلاح أو الفساد. القلب هو رأس الأمر كلّه: إن صلح محبةً واتباعًا واستقامة، أُخلصت العبودية لله وحده لا شريك له، وصدق الوفاء، واستقامت الجوارح وأشرقت الأعمال بنور ربها. وإن تلوّث وتدنّس، خبت المحبة، وضعف الاتباع، وانحرفت الاستقامة، واظلمّت الأفعال والمآلات، فتخلّف الناس وحُرموا، فهلكوا وهم لا يشعرون.

ثم إنا – يا رسولَ الله صلى الله عليك وسلم – نقف بين يدي ذكرك موقف الاعتراف والاعتذار: نعتذر عن تفريطٍ مثخنٍ وقع، تبكي له القلوب حياء، وعن أمانةٍ استهين بها بتوارثٍ، فثقلت فضُيّعت، فتصدعت القلوب لها حزنًا، وعن وهنٍ غلب القلوب قبل الأبدان، كما نبأتنا، فغاب عن كثيرٍ منّا صدق الاتباع، وحضرت الدعوى بلا برهان. ولم يرجع الناس لدينهم بعد كما وصفت العلاج!

نعتذر يا رسول الله صلى الله عليك وسلم، عن دينٍ حُمِل اسمًا أكثر مما حُمِل عملاً، وعن رسالةٍ صَدَقْتَ فيها كلّ الصدق، فقصّرنا نحن في تصديقها سلوكًا ومنهج حياة، جهادًا ودعوةً تبلغ الآفاق.

نشهد أنك بلّغت وأدّيت ونصحت، وصدقْتنا في كلّ ما قلت، فما كان الخلل إلا منّا. نشهد أن كلّ ما حذرتنا منه قد وقع، وكل ما ذكرته لنا قد حدث!

فنسأل الله أن يغفر لنا تقصيرنا، وأن يجبر كسرنا وضعفنا، وأن يحيي في قلوبنا سنّتك حيّةً عاملة، وأن يجمعنا بك غير مبدّلين ولا مفتونين، ثابتين على العهد، صادقين في المحبة، حتى نلقاك على الحوض وأنت عنّا راضٍ.

يا رسول الله صلى الله عليك وسلم، إننا أحببناك جدًا وإن لم نرك، وتقرحت أكبادنا من المساس بمكانتك، والتفريط في ميراثك والانحراف عن منهجك، ونحن لا حول ولا قوة لنا إلا بالله ربنا ومولانا. لقد عشنا الغربة تماما كما وصفتها لنا ونبأتنا بخبرها، قابضين على الجمر، مستوحشين مستضعفين محاربين، في زمن تداعي الأمم على أمة الإسلام، فنسأل الله أن نكون أهلا لأجر الثابتين في زمن غربة الدين هذا، كما بشرتنا، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن قلت فيهم في الحديث الشريف، عن أبي هريرة رضي الله عنه: «مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ» (صحيح مسلم). اللهم أجعلنا منهم، ولا تحرمنا فضلك بذنوبنا وضعفنا وتقصيرنا.

جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال:
“السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أني قد رأيت إخواننا”.
فقالوا: يا رسول الله! ألسنا بإخوانك؟
قال:”بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم على الحوض”،
فقالوا: يا رسول الله، كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟
قال: “أرأيت لو كان لرجل خيل غر محجلة في خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟”.
قالوا: بلى يا رسول الله،
قال: “فإنهم يأتون يوم القيامة غرًّا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم، ألا هلم، ألا هلم. فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا”.

فاللهم اجعلنا ممن يلقى رسولك الحبيب صلى الله عليه وسلم، على الحوض وهو راضٍ عنا، سعيدٌ بنا. ونعوذ بالله من كل ما يبعدنا عن نبينا صلى الله عليه وسلم وعن مقامات القبول والرضوان من الله جل جلاله.

عن ابن مُحَيريز قال: قلت لأبي جمعة -رجل من الصحابة-: حدِّثنا حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: نعم، أحدثكم حديثًا جيِّدًا، تَغدَّينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال: يا رسول الله، أحد خير منا، أسلمنا معك، وجاهدنا معك؟
قال: “نعم، قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني”. صحيح، رواه أحمد.

اللهم اجعلنا منهم.

لا إله إلا الله محمد رسول الله.

يا رسول الله! صلى الله عليك وسلم، والله الذي لا إله إلا هو، لا يفيك مقامك حروف بحرقة كُتبت، ولا دروس بحياء أُلقيت، إلا فداء بالروح والدم! لإعلاء راية دينك، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فخذ من دمي حتى ترضى، واجعلني وكل من يحبك، فداء لدينك وذخرًا لإقامة بنيان الإسلام في الأرض، وبشرى النصر والتمكين، في سبيل الحق والشهادة.

قال تعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ (الأحزاب: 56). عباد الله، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ (النحل: 90).
فاذكروا الله العظيم الجليل يَذكركم، واشكروه على نِعمه يَزدكم، ولذكرُ الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
اللهم ارزقنا حبك وحبّ نبيك، واتباع سنته، ونصرته بأخلاقنا وأعمالنا ودعوتنا ورباطنا وجهادنا، قبل أقوالنا، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ومن الذين صدقوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، بالقول والعمل، بالنفس وأغلى ما نملك. اللهم آمين، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x