استشارات بشأن “فصول من غياهب التيه”

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

جزاك الله خير الجزاء وتقبل الله منك أعمالك، نصائحك السابقة أثرت فيّ وتحررت نفسي وقلبي من داء التعلق.

أردت تقديم مشكلة صديقتي لكي تنصحيها لعل وعسى تنفعها نصائحك الطيبة وتفتح لها أبواب الهداية والرشاد …

هي عزباء وتقول بأنها مبتلاة -بممارسة العادة السرية وتتخيل أشياء محرمة أثناء ممارستها – وهي تعلم عظم جرمها وتدرك بأنها ترتكب شيئا عظيما وكبيرا ولكنها كل ما أعلنت توبتها وقررت عدم ممارستها مرةً أخرى تضعف أمامها وتعود من جديد، تقول لا أستطيع الصمود أمام شهوتي وأمام الشيطان، أتمنى الأقلاع عنها؛ أقلع عنها لفترةٍ قصيرة ثم أعود، وما أن أنتهي من ممارستها حتى أشعر بالندم يأكلني لدقائق قليلة وينتهي الندم وتأنيب الضمير وأفكر بتلك اللذة التي شعرت بها حينها، وأخشى أن هذا يدل على أن قلبي أصبح قاسيًا..بتُ أكره نفسي لإني أقترف هذا الشيء العظيم، ووصلت لمرحلة اليأس والقنوط من نفسي بأنها ستترك ممارستها لإني حاولت كثيرًا وفشلتُ.

تقول:
كيف أثبت أمام شهوتي بل كيف أتخلص منها؟! كيف أطرد تلك الأفكار التي تثيرني، كيف أقلع عن هذا الذنب ولا أعود له مرةً أخرى، كيف أصبح قويةً أمام هذا الأمر ولا أستحسنه لنفسي مرةً أخرى؟! كيف أرجع قلبي كالسابق إذا أذنب تألم وبكى؟!

أعتذر عن الإطالة، أفيديها بارك الله فيكِ وفي عمرك على طاعته.

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

وإياك، رضي الله عنك وأرضاك، ومتعك بفضائل المعية والإخلاص.

حسنا، بالنسبة لصديقتك فأرسلي لها هذه الرسالة: بداية، هوني على نفسك، ما دمت تدركين أنك بحاجة لحل، فأنت بخير، ولنبدأ من تشخيص هذه الحال، فالوضع الطبيعي، الفتاة في سن الزواج يفضل أن تتزوج وتعف نفسها، والزواج هو العلاج الأفضل، تتخلص من أي تشتت، وتركز في مهماتها، بتوازن.

لكن بما أننا نعيش في منظومة تؤخر الحلال وتعسّره، وتضع قوانين قبل الزواج ما أنزل الله بها من سلطان – كواجب إنهاء الفتاة دراستها أو العمل – فكل هذا كان له تداعيات في حياة الفتاة المسلمة.
وكان له ثمنه من المعاناة التي تعرفها النساء العازبات. في وسط يزدحم بالفتن، والسفور، ومظاهر الانحلال ودعوات الانفتاح على المحرم والتفلت.

إذا ما تعيشه هذه الفتاة هنا هو ملحمة ثبات في وسط معاند، فهي مجاهدة عليها أن تعي كيف تتفاعل هذه النفس وكيف يمكن أن نساعدها في التصبر والتجاوز حتى يأذن الله تعالى بالفرج.
لننظر هذا الجسد كيف تضبط حاجته دون أن تطغى، كيف تتحكم فيه دون أن ينحدر بها إلى مستنقع الشهوات وإشباعها.

وهنا ألخص الأمر في نقاط، وهو جواب كثيرا ما تردد في الاستشارات لكثرة ما تعاني منه الفتيات والنساء العازبات:

  • اهجري كل مصدر يشعرك بالاحتياج للزواج، الروايات العاطفية، المشاهدات العاطفية، الأغاني المشاهد الصور، كل ما ترينه يضعف نفسك ويذكرها بحاجتها، ابتعدي عنه قدر المستطاع، فالإثارة عادة تبدأ من مشاهدة من سماع من تحسس حاجة في مشهد!
  • ابتعدي عن الأطعمة التي تشعرين أنها تزيد من حاجتك، بعض الأطعمة كالمكسرات، الينسون، الأعشاب في بعض الأجساد يكون أثرها أوضح، وتزيد من الاحتياج، تجنبيها، لتتحكمي بشكل أفضل.
  • يجب تبديد التركيز في هذه الأمور بالانشغال ببرنامج طيب ونافع، يشمل التمارين الرياضية، حاولي أن تمارسي الرياضة المناسبة لك كفتاة، إن لم يسبق لك ذلك، فابدئي بالتدرج لا تجهدي نفسك مرة واحدة فتتألمي وتعزفي عن الرياضة، بل اجعلي لك برنامج تمارين تصاعدي، تبدئين بـ10 حركات في كل تمرين وتزيدين بحسب قدرتك يوميا أو 3 مرات في الأسبوع يكفي.
  • اهتمي بتطوير مهاراتك التي تبثين فيها مشاعرك، كالكتابة هي باب تفريغ جميل، يمكنك الكتابة وتعلمها وتطوير ملكتك فيها فتصبح صديقة لك.
  • اهتمي بالجلسات العائلية وتوطيد العلاقات الأسرية، فالحنان المستمد من الأسرة يعوض ولو قليلا النقص، وفي أسر يكسوها الجفاء يكون الأمر أصعب، لكن على الأقل وجود علاقات طيبة في حياتك، مخلصة، تستأنسين بها من الوحشة.
  • جدي لنفسك وسط تتصبرين به، فتيات يعملن في سبيل الله تعالى الأعمال الصالحة والتطوعية بدون أن يكون في ذلك تأثيرا على برنامج التعبدي والدراسي.
  • حاولي أن تتجنبي الملابس الناعمة المثيرة، لا تقحمي نفسك في مؤثرات لا يمكنك دفع تأثيرها بعد ذلك.
  • استعيني بالله فيما تعانيه وأنصح بشدة بسورة النور وسورة يوسف، احفظيهما، وردديهما واسمعيهما، واسألي الله أن يثبتك ويصرف عنك السوء ويرزقك الحلال ويمتعك به.
  • هناك أمر يجب التحصن منه وهو الإصابة بمس العاشق أو كيد الشيطان عموما، فاحتياطا احرصي على أوراد الصباح والمساء بعناية ثابتة، واهتمي بورد القرآن واسألي الله أن يجعل فيه حصانة لك، وارقي نفسك قد يكون في ذلك العلاج بإذن الله تعالى.
  • وأشدد احذري بشدة المشاهدات المحرمة وخاصة بوابات الإباحي فهذه دمار للنفس ومهلكة والخروج منها يكون بخسارة في النفس، بما في ذلك الأنمي المثير أو الأفلام والمشاهدات المثيرة، فكلما كانت العفة في العين، بارك الله بها قوة وأنوثة فيك تُرتجى في الحلال، وكلما أطلقت البصر، خسرت النور، وخسرت شيئا من أنوثتك فلا تجد المتهاونة سعادة حتى في الزواج. فاحفظي نفسك للحلال وعيشيه كاملا حينها ستدركين قيمة هذه النصيحة.
  • لا تترددي في الاستشارة ولا تجلدي نفسك، فالله سبحانه وتعالى أرحم بك من نفسك، فالمجاهدة بدون استسلام والمثابرة باستعانة بالله تعالى، وأرى أن تسعي في أمر الزواج، ولا عليك بواقع معاند، فالله تعالى إذا أراد أمرا هيأ له أسبابه، وقد يكون استعدادك لفكرة الزوج من هذه الأسباب. والله سبحانه لا يعجزه شيء. لكنه يمتحن صدقنا وصدق مجاهدتنا.

اللهم أقر عينها بزوج يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم يقر عينها وتقر عينه وتعفه ويعفها، اللهم آمين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

جزاك الله خيراً وبارك الله فيك يا حبيبتي.
كيف يمكن أن أربي نفسي على الأمومة قبل أن أتزوج.
أريد أن أصلح هذا الجيل أريد أن أربي أبنائي تربية صالحة كيف ذلك؟ من أين أبدا؟
جزاك الله خيراً.

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله وبارك بك،

الأمومة فطرة فيك، هي تخرج من تلقاء نفسها، لأنها رحمة من الله بالأم وصغارها، فمجرد أن يرزقك الله الذرية تتأهب فيك الفطرة لحمايتهم والعناية بهم، ولو نظرت في الحيوانات، تجدين الأمومة بارزة فيهم، فمن يجرؤ على الاقتراب من صيصان الدجاجة؟ أو أي أم حيوان، نجد الأمومة فطرة، حماية ورعاية وبحث عن الطعام ومخاطرة في جلبه وتوفيره لصغارها، سبحان الله.

لكن ما أنت بحاجة له هو تفهم احتياجات الأم والأبناء لتربية صالحة واعدة بإذن الله وإن كان الصلاح فضل من الله تعالى، ليس مجرد عملية رياضية، فكثيرا ما يكون الآباء صالحين لكن يخرج منهم الطالح وقد رأينا ذلك في قصة سيدنا نوح عليه السلام، كيف كفر ابنه، نعوذ بالله من ذرية لا تؤمن بربها.

والبداية بالفهم الصحيح لدور الأم في التربية، وقبل أن نتحدث عن هذا الدور يجب اختيار الزوج المناسب، والأب المناسب، فكثيرا ما يحمل الأب صفات يورثها لأبنائه وقد يكون منها صفات سيئة، كما يقال العرق دساس، فاحذري الزوج الفاسد والخبيث، أول البناء ابحثي عن الطيب والتقي، فهذا أول أسباب الذرية الصالحة، أب يخشى الله ويحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

بعد ذلك، احرصي على الاقتداء بامرأة عمران، نذرت ما في بطنها لله خالصا، لغاية عظيمة، لغاية العبودية لله وحده لا شريك له ونصرة دينه وخدمته، فكانت البداية مباركة، نية مباركة.

وأول البر اختيار الاسم الجميل والمناسب، فقد سمتها مريم، وكان أول ما بدأت به الإحسان لابنتها بحسن التسمية، وهذا أمر من الجميل التفكير فيه مع الزوج عادة لاختيار أجمل الأسماء.

عليك أن تتعلمي الفرق في تربية الذكر عن الأنثى، فلكل أدبه ومسلكه، وليس الذكر كالأنثى.

فالأنثى تتربى على الحلية والزينة، والرفق منذ الصغر وتتربى على الستر والحياء، وتتعلم من العلوم النافعة لها وفي مقدمتها القرآن والحديث والأدب وفنون البيت ورعاية نفسها وأسرتها مستقبلا.
أما الولد، فيربى على رباطة الجأش والقوة، والصلابة، على المروءة والقوامة مبكرا، على النبل وحماية شرفه وعرضه ودينه باعتزاز.

وكلاهما يتطلب العودة للقدوة والمرجعية الأولى سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين، فتزودي بالسيرة والسير جيدا، هذه المرحلة وانهلي ما أمكنك من تفاصيل التطبع بالخصال والسجايا الطيبة، وفي كل خطوة، اسألي الله تعالى من فضله العظيم لا تملي!

التربية علم وفن وفضل، لا تقوم فقط على قواعد تربوية بل أيضا على سؤال الله المعونة والسداد. ولذلك حاولي تحصيل التربية الإيمانية الأولى من القرآن والسنة وآثار السلف في هذا الباب، يرافقه سؤال الله التوفيق والسداد فلا حول ولا قوة لنا إلا بالله العلي العظيم.

سنحاول إن شاء الله تقديم دورة عن التأهيل للزواج وأخرى عن التربية، وأخرى عن الدعوة، في روضة المؤمنات وسنعلن عن ذلك في حينه، فكوني بالقرب، سنحاول بث كل ما تحتاجه الفتاة للزواج والتربية والأسرة وحياتها في سبيل الله تعالى نسأل الله أن يعيننا على ذلك ويفتح علينا وعليك، ويرزقك الذرية الموحدة التي ترجو رحمة الله وتبرك وتفي لدينها وأمتها. والله الموفق.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

جزاكن الله خيرا و بارك الله فيكن.

حبذا المحاضرة الصوتية نص كتابي في قناة الدكتورة ليلى حمدان للاستفادة على نطاق واسع و نشره لان قناتها قناة عامة يمكن مشاركة المنشور منها مع مجموعات أخرى.

وفقكن الله جميعا و جعله في ميزان حسناتكن.

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
حياك الله وبارك بك
نحاول توفير التفريغات الكتابية بشكل مستمر، وأنشرها في قناتي العامة كي يستفيد المتابعون، وإن شاء الله هناك مواضيع مهمة قادمة أرجو أن يفتح الله علينا ونوفيها حقها من التفصيل والبذل.
وإن شاء الله تتوفر المواد الصوتية بشكل مستمر في الأرشيف في الغرفة هنا.
اللهم يسر وأعن وتقبل وانفع بهذا السعي.
أحسن الله إليك ورضي عنك وأرضاك.

بارك الله فيكنّ أستاذتيّ د. ليلى وأ. أم جليل.

إنّ فقدان الهويّة بلاء عظيم ابتليت فيه هذه الأمّة؛ وهذا لبعدها عن الدين، فكما قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: ”نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة بغير الإسلام= أذلّنا الله“

 ومن يُقلد النصارى ويحتفل معهم بأعيادهم ﻻ يثبت إﻻ كونه مسخًا فاقدا الهويّة، وينطبق عليه ما قاله ابن خلدون: ”المغلوب مولعٌ أبدًا بالاقتداء بالغالِب“

لٰكننا ومع هذا لو بيّنّا للناس ما آلوا إليه من الصّغار والانحلال، جعلوا أصابعهم في آذانهم واتّهمونا بالتعقيد والدعوة إلى التفرق، فكيف نُبيّن لهم بحِكمة وبصيرة، ونوازن بين اللين والشدة؟

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
حياك الله وبارك بك،
سؤال جميل جدا يا نبأ، بصّرك الله بمواطن السبق والفضل.
حسنا، اليوم أكبر تحدي لكل مسلم ومسلمة في وسط معاند مخالف يعج بمشاهد المخالفة والمنكر والإعراض عن النصح، هو طرق القلوب وتبديل القناعات الخاطئة، وهداية الناس للحق.
وهذه مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح في الله تعالى، مهمة مؤيدة من الله تعالى بقدر الإخلاص والعلم بها.
فهناك دعوة عامة مترفقة، توضح الأصول وتنهى عن المنكر والمخالفة وتقدم الأدلة، بشفقة، يتقبلها الصادقون، بدون توجيه الحديث لشخص بعينه، وهذه الدعوة تكون عامة على المنابر، قد تقع عين من وقع في المنكر على منشور يحرك ضميره وقلبه، ولأن لغة المنشور، صادقة وبالبينة والدليل، فكثيرا ما يتراجع الناس عن المعتاد السيء، بفضل كلمة صدق. بل هناك من النصارى من أسلمت لأجل منشور طرق قلبها وفتح الباب أمام الأسئلة الوجودية المصيرية.
وهذه السبيل اليوم متوفرة بحمد الله فلا عذر لأحد في نصح الناس وإبراز معالم الحق. وإظهارها ليكون الدين كله لله. خاصة بعدما تبيّن كم التخلف العقدي المستشري في مجتمعات المسلمين وإنا لله وإنا إليه راجعون!

ثم الدعوة المباشرة، وخاصة في وسط يكثر فيه المخالفة والمنكرات في الأسرة نفسها أو العائلة الأكبر أو الحي أو المدرسة، هنا الأمر يقدر بضرورته والقدرة على الإنكار، قد يكون بتوجيه النصح المباشر. ويفضل أن يكون بأسلوب مترفق.
لكن في حالات يستوجب الإغلاظ خاصة مع من يعلم الحكم الشرعي ويتمادى ويحاول فرض رأيه الفاسد في بيت آمن، هنا نضطر إلى المصادمة والإغلاظ العلني، والتحذير المباشر. من تعدي حدود الله تعالى.
وفي الحديث درجات الاستطاعة لتغيير المنكر: “مَن رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان” رواه مسلم
باليد، باللسان، وبالقلب وذلك أضعف الإيمان.
فمن عجزنا على تغييره باليد واللسان، فبالقلب لا عذر لأحد يجب إنكاره كي تبقى سلامة القلب أصيلة ولا يتدنس ولا يدخله الدخن بالتحايل والتفلت والمعارضة لدين الله تعالى.
إذا كداعية لله تعالى في وسطك، أعدي دوما نفسك لمثل هذه المواقف، بحجة قوية وقول فصل، وتعلمي الاحتساب الأرجى لله تعالى مهما نالك من أذى أو كلام قبيح، فأنت أقمت حجة ولا تأخذك في الله لومة لائم.
هناك حالات موازنة، يجب أن لا ننساها، في حال علمنا أن الوضع يجلب علينا المفاسد الأكبر، كمن تعيش في دولة أوروبية ليس من المعقول أن تخرج تنكر عليهم وهي في ديارهم التي يعلنون فيها شركهم، لكن يمكنها أن تنصح من هم من دائرتها وعلاقاتها أو تدعو إلى الله بطرق الداعية لله تعالى.
وأيضا إن كانت تحت حكم يطارد فيه الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ويسجن ويتعرض للأذى، فلتبتعد عن مواطن تمكن للظالمين منها. والله يحفظها.
وللخير أبوابه وطرقه ويكفي المسلمة أن تصون نفسها هي وتقدم القدوة والمثل، وترفض الانجرار الأعمى، لتوصل بموقفها دعوة ورسالة.
وإن شاء الله نسأل الله التيسير سنفصل كل أسرار الدعوة الممكنة وقواعدها الفعالة، والمؤثرة، والميسرة، في حينه، اللهم تمم لنا أمانينا.
رضي الله عنك وأرضاك.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لدي ثلاثة أسئلة:

الأول: أنا من محبين التاريخ جداً ووددتُ القراءة فيه هذا العام-بإذن الله-فما هي المصادر التي تحيليني إليها دكتورتنا الفاضلة ومن أين أبدأ كوني مبتدئة؟.. وبماذا أبدأ؟….

ثانياً: كيف للمرء أن يساوي بين أن يعيش الواقع بكل مافيه برضا وقناعة تامة وبين أن ينفصل عن بعض مايجد فيه لما يجد في نفسه من الألم لِما يرى ويُعايش؟

السؤال الثالث: قلبٌ متذبذ في طريقة إلى الله تارةٌ خاشعٌ محبٌ وجلٌ وتارةً ساهٍ لاهٍ لا يعرف ما يقول حتى في صلاته، فما السبيل لأن يكون قلبًا خاشعًا مخبتًا محبًا لله دون أن يمر بكل هذهِ المنعطفات والعوارض التي تعرض له؟

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله وبارك بك وبهمتك،

التاريخ يحتاج قراءة بشمولية وقراءة متخصصة،
وإن كنت ناصحة فأرى أن تتناولي التاريخ الأول السيرة وقصص الأنبياء كأول التاريخ الواجب قراءته، ثم تاريخ المسلمين العام، وهذا يمكن أن تجديه مفصلا في كتاب البداية والنهاية لابن كثير.
ثم تخصصين قراءتك للمرحلة التي تودين تعلم تاريخها أو للمنطقة التي تودين تعلم تاريخها، مثلا يمكنك بحث تاريخ القرون الأولى والدولتين الأموية والعباسة أو قراءة تاريخ شمال إفريقيا منذ دخل الفاتحون هذه الأرض. وهكذا حسب ما يكون شغفك في معرفة التاريخ، منطقة تعيشين فيها أو حقبة تشدّك وتحبين معرفة ما جرى فيها.
وعموما تاريخ الدول الإسلامية مهم جدا قبيل الاحتلال الغربي ثم مرحلة الاحتلال نفسه وما وصلنا له كله مرتبط ببعضه البعض، كنت ذكرت في مقال لي هنا عن كيف تدرسين التاريخ، وإن شاء الله سنسعى لتوفير مكتبة فيها جميع المراجع الممكنة لهذا الغرض. اللهم يسر.

أما عن سؤالك الثاني:

يمكنني أن أصف هذه الحالة بحالة الازدواجية أو الانفصام، فحقيقة واقعنا اليوم أنت فيه بين أن تعيشي بقلب السابقين الأولين في جاهلية معاصرة مع ما يرافقها من تكلفة وغربة، أو تنجري تماما لواقع هذه الجاهلية وتتنازلي عن دينك وقيمك، فتتماهين معها وينهدم شيء في داخلك!.

والجواب على هذا السؤال يقودنا إلى فضل الغربة في آخر الزمان، حيث يستوحش المسلم للثبات على دينه كحال القابض على الجمر، تأملي دقة وصف النبي صلى الله عليه وسلم، القبض على الجمر مؤلم جدا، فهذا حال المسلم الغريب اليوم في واقع لا يناسبه ولا يلبي احتياجاته الشرعية والدينية والنفسية والثقافية.

بل يحاربها. ولكن يبقى الأجر لمن ثبت فيه كأجر 50 من الصحابة في زمانهم رضي الله عنهم كما في الحديث، فهذه الغربة لها ثمنها ولها فضلها أيضا ويجدر بالمسلمة استحضار هذه المعاني كلما ضاقت بها، وتلاشت قوة المجاهدة، وأرى في سورة الكهف الحلول الأرجى في مثل حالنا اليوم (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) هذا التصبر مع الغرباء يخفف من الألم والتكلفة، يصنع لك جوك ووسطك الذي تشرقين فيه والله تعالى لا ينسى أحدا، كل مسلم ومسلمة يؤيدهم بمعيته بقدر إخلاصهم وإعظامهم التوكل على الله جل جلاله.

تعلم أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم عن آخر الزمان ووصاياه للمسلمين يثبت القلب وكذلك الرباط على القرآن يعزز اليقين وبالقرآن والسنة، بصحبة محبة، تصمدين في ملاحم الارتقاء وتنتصرين، نسأل الله أن لا يكلنا لأنفسنا طرفة عين ويؤدينا بنصره وبالمؤمنين ويعز بنا الإسلام ويعز الإسلام بنا.

أما عن سؤالك الثالث:

أنت تصفين حالة المجاهدة، لا تصفو كل الوقت، ولذلك سميت المجاهدة فأنت تارة تخشعين وتارة تغفلين، فتجاهدين نفسك لترجعي لمستوى الخشوع، خاصة في زماننا مع كثرة الشواغل والهموم والملهيات وازدحام الوقت والأفكار، تصبح عصية، لذلك أرى أهمية الاستعداد للصلاة، والتهيئة لها، لاستعادة صفاء الروح، والخروج من منغصات الحياة، فحاولي كلما سمعت الأذان أن تبدئي بالوضوء والتفكر في حقيقة الصلاة وأنه اللقاء الأهم في حياتك، مدته قصيرة لكنك إن خشعت فيه كان سعادتك المديدة، هذه التهيئة تساعد في استقبال الصلاة بنفس هادئة، ومتفكرة في المقام الذي تقومين فيه أمام رب العالمين،
فما أن ترفعي يديك بتكبيرة الإحرام إلا ورميت خلفك كل ما في هذه الدنيا من مشاغل خلفك، لا مأسوف عليها، وأقبلت إقبالا خاشعا لمولاك وخالقك، لا تقدمين شيئا على مقام عبوديته جل جلاله.

ولتحقيق ذلك بشكل أقوى، حدثي نفسك أنها قد تكون آخر صلاة لك، فتصلين صلاة مودّع، هذا الشعور عظيم في النفس، فالإنسان عند استحضار الموت يتأدب، وينقطع عن آمال الدنيا.

وأنصح باعتزال الازدحام عند الصلاة، اجعلي لك ركنك ومحرابك، وحاولي الصلاة على سجادة بدون رسومات وزخارف كثيرة تشغل العين، هذا مما أنصح به، كلما كانت السجادة هادئة كانت أدعى للخشوع، وكلما كان ركن صلاتك أو محرابك هادئا بعيدا عن الحركة والكلام، كان أدعى للخشوع.

ومع المجاهدة والمصابرة، واستمرار المحاولة والاستغفار عقب الصلاة، وقراءة آية الكرسي، تتطبع النفس بهذه الآداب عند الصلاة، مع التنبيه إلى أن التوفيق لذلك ليس مسألة قرار تتخذينه بل هي محصلة! محصلة لكل عباداتك وإخلاصك فيها، محصلة لكل ما جنيته في يومك وليلتك، فبحسب مسابقتك وإقبالك ودعواتك، يكون التوفيق في الخشوع، وكما تقدمين تنالين، هي منظومة كاملة من العبودية لله تعالى، لا يمكن أن تخشعي في الصلاة وأنت مقصرة في غض البصر، لا تتوقعي أن تخشعي في الصلاة وأنت مهملة للأذكار، أو تظلمين الناس في معاملاتك، هي حقا عبادات تشد بعضها البعض، ولذلك الصلاة حين الصيام من أكثر مقامات الخشوع، فالصيام يهذب النفس ويؤدبها ويعلمها الانكسار لله تعالى فتتقدم خاشعة راجية رحمة الله تعالى.

وأنصح لمن تود أن تصل مرحلة من الخشوع، أن تصلي بالقرآن في النوافل، أن تعود نفسها الصلاة بتدبر القرآن بورد مستمر، ولو ركعتين في اليوم، في الوقت الذي يناسبك، ابدئي ختمة صلاة، لا بأس بحمل المصحف في يدك، لكن الأهم، أن تتدبري وأنت تصلين، فالقرآن في الصلاة شأنه عظيم جدا في القلب وفي الثبات وفي الفتوحات الربانية والله أعلم.
وكلما شعرت حاجة لدوام نعمة أو للثبات وزيادة اليقين، زيدي من الأعمال الصالحة من المسابقة بالصالحات، رابطي على عبادة الحمد والشكر، قدر ما يمكنك، في السراء والضراء في وجود ما تحبين وفي فقد ما تحتاجين. فإن لذلك موجبات وفضائل، بقدر الإخلاص والصدق. نسأل الله أن يرزقنا دوام الخشوع والاستغفار والقبول والرضوان. اللهم آمين.

كانت هذه الاستشارات عقب درس بين سطوة الملاعب وأعياد الكافرين: فصول من غياهب التيه الذي تم إلقاؤه في روضة المؤمنات.

النشرة البريدية

بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.

Subscription Form

شارك
الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x