بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بارك الله فيكم ونفع بكم. السؤال الأول: كيف يتعامل المسلم مع شعوره أنه “هاجر” لكن لا يرى أثرًا داخليًا؟ هل هذا وهم أم ضعف يحتاج تقوية؟
السؤال الثاني: كيف يحمي المسلم نفسه من أن يظن أنه هاجر بينما هو في الحقيقة يتبع راحة دنيوية؟
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله وبارك بك.
هذا السؤال في غاية الأهمية، لأن الكثير من الناس يختزلون الهجرة في ترك المعصية أو الانتقال من بيئة إلى أخرى، ثم ينتظرون أن يشعروا مباشرة براحة قلبية أو انشراح دائم، فإذا لم يجدوا ذلك ظنوا أن هجرتهم لم تصح أو أن إيمانهم ناقص.
والحقيقة أن الهجرة ليست شعور لحظة، وإنما بذل مسار طويل.
فالإنسان قد يهاجر ببدنه، لكن قلبه يحتاج إلى زمن حتى يهاجر. وقد يترك الذنب، لكن آثار الذنب في النفس لا تزول في يوم وليلة، كما أن الجرح بعد إزالة سببه وتضميده يحتاج إلى وقت حتى يلتئم.
قال النبي ﷺ: “والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه”. وهذا عمل مستمر ليس مرة واحدة وانتهى، بل مسار حياة كاملة.
ثم لماذا لا يرى الإنسان الأثر أحيانًا؟ لأسباب كثيرة، يكون منها: لأن القلب اعتاد طويلا على بيئة بعيدة عن الله تعالى، فلا يزول أثرها سريعًا، وهو ثمن يدفعه ويجعلنا ندرك حجم خسارتنا بالبعد عن الله تعالى، لكنه يهون بقدر قوة العزم والإقبال والاستقامة. حتى يصبح كأنه لا شيء.
ولأن الله يربي عبده بالصبر للوصول إلى مراتب السبق الأرجى، لا بمجرد المشاعر التي تتأثر بالظروف والنفسيات، فيترسخ الحق في قلبك رسوخا متينا وليس مجرد انفعال أو حماسة عابرة، وفي ذلك امتحان للصدق انتبهي له. واعلمي ان سلعة الله غالية تُبذل لها الأنفاس والدقائق وكل غالٍ ونفيسٍ!
ولأن الشيطان يحاول أن يزرع في قلبك اليأس، فيوهمك أن لا جدوى من هجرتك أو يضعف همتك أو يضعف قيمة الهجرة في عينك. فانتبهي لأساليبه. وهذا من أكثر مداخل إبليس. تجاوزه يعني الفتح والتمكين.
ولتقييم تقدمك لا تقولي كيف أشعر، بل اسألي نفسك: هل أطعت الله تعالى اليوم، كيف هي استجابتي لله سبحانه. كيف هي مجاهدتي واستقامتي. هل أصبحت أكثر تعظيمًا لله؟ هل أخشى الله، هل أنا أتقرب من الله تعالى. فهذه هي علامات الهجرة الحقيقية.
فليس كل ثبات انعكاس مشاعر ققد يكون الإنسان ثابتًا وهو لا يشعر بذلك. وكما أن الجسد ينمو كل يوم نموًا يسيرًا لا يراه صاحبه، لكن بعد سنة يرى الفرق. وكذلك قوة الحق في القلب وفضائلها.
قال تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ فجعل الهداية ثمرة المجاهدة، لا ثمرة الإحساس.
وإن كان من نصيحة في هذا المقام، قفي عند الباب ولا تبرحي تستجدي الدخول حتى يأذن الله تعالى، فإن فتح الباب فتوحات ربانية تجعلك تستعذبين كل لحظة مجاهدة في سبيل ذلك. ثم في الأثناء لا تراقبي مشاعرك، بل حاسبي نفسك على الأعمال والأداء اليومي، وأكثري من ملازمة القرآن وتدبره، والدعاء ومواطن الاستجابة.
وأبقي نفسك في ميادين الصلاح والعمل في سبيل الله تعالى فلها مفعول عجيب وسريع في انبعاث المشاعر المحلّقة. وأعظم الثبات أن نعمل لله جل جلاله ونجاهد في سبيله تعالى.
وليس الشأن أن تُوفَّقي للطاعة يومًا، وإنما الشأن أن تثبتي عليها حتى تلقي الله ونُعذري.
وقد يكون امتحانك أن يرى الله منك يقينك وصبرك وانكسارك ورجاءك أن يتقبل الله منك ويفتح عليك! وهذا مقام عبودية جليل، فإياك أن يقسو قلبك في مثل هذا المقام بل انطرحي على عتبات الرجاء واسألي الله رقة القلب وسلامة القلب وقوة القلب!
فهذه فضائل لا تنال بحس استحقاقية، بل بحس انكسار وحاجة وابتهال أمة لله ترجو رحمة ربها. فربي نفسك على بحث أسباب رقة القلب وعلى الخضوع لمولاك وعلى التفكر في آيات الله عز وجل، وكلما عظم تعظيم الله تعالى في قلبك، عظمت آثار الاستقامة في نفسك وحياتك وأصبحت هجرتك تعني لك الكثير جدا كعمل هو من أرجى أعمالك!
وفقك الله للنعيم بفضائل الهجرة وتمكين الدين في القلب والجوارح والأعمال والأماني العزيزة.
أما بشأن سؤالك: كيف يحمي المسلم نفسه من أن يظن أنه هاجر بينما هو في الحقيقة يتبع راحة دنيوية؟
فهذا سؤال يدل على حياة القلب كما أحسبه، لأن أخطر ما يواجه السالك إلى الله أن يختلط عليه الإخلاص مع هوى النفس. فالإنسان قد يترك مكانًا، أو عملًا، أو صحبة، أو مشروعًا، ويظن أنه يهاجر إلى الله، بينما يكون في الحقيقة يهاجر إلى ما تميل إليه نفسه.
ولهذا قال النبي ﷺ: “فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه.”
لاحظي أن صورة العمل واحدة، لكن الذي يفرق بينهما هو النية.
فكيف تختبرين نفسك في هذه الحال؟
اسألي نفسك لو زالت هذه الراحة، هل سأبقى؟ لو أصبحت الطريق مليئة بالمشقة… هل سأستمر؟ لو تبدل الحال وصار ثمن هذا الاختيار الابتلاء؟ هل سأتذمر وأسخط؟
فإن كانت الإجابة من قبيل البيعة لله تعالى ولا أبالي بتكاليف اختيار اخترته لله تعالى خالصا، فهذه علامة صدق.
أما إذا كان الدين عندي ما دام يوافق راحتي، فإذا جاءت التكاليف رجعت، فهذه علامة أن الهوى شريك في العمل. ولا تليق بمهاجرة.
ثم اسألي نفسك هل أبحث عن رضا الله تعالى أم رضا نفسي؟ فقد تختارين قرارًا لأنه الأسهل. وقد تختارينه لأنه يرضي الله. والفرق بينهما دقيق.
لذلك كان السلف يفتشون في نياتهم أكثر مما يفتشون في أعمالهم.
وفي الواقع قد يتفق عمل سهل مع ما يرضي الله تعالى لذلك العبرة ليس بما تبحثين عنه بل بما يحب الله تعالى ويرضى. أي أن ما تختارينه يكون على أساس ابتغاء رضوان الله تعالى سواء وافق ميولاتك وما تحبين أو لم يوافقها، ستتبعينه. فلا يهز ذلك شيئا في قناعتك وعزمك وإقبالك.
ولعل من أبرز علامات اتباع الهوى التي يجب أن تحذري منها، هي كيف تقابلين النصيحة في الله؟ فإن أخذتها بحسن ظن واستجابة، فهذا دلالة خير وبشارة خير. وتلك خصال صاحبة الهجرة الصادقة، متواضعة للحق تعلم أن الفلاح بالاستقامة والترفع عن مداخل الكبر والاستحقاقية الخادعة. بل وتفرح بهذه النصيحة التي تجنبها الزلل والانحراف والحرمان. بينما الظالمة لنفسها تتأفف وتتكبر على النصيحة وتأخذها مأخذا شخصيا وتحقرها وربما حولتها لفجور وأذية والله المستعان.
فالهجرة تربيك على التواضع، وتزيدك خشية وتواضعا وافتقارا لله تعالى. هذا حين تكون هجرة لله جل جلاله، لكن الهجرة إلى النفس فتزيد صاحبها إعجابًا بنفسه، وشعورًا بأنه أفضل من غيره. فيحترف التبرير والتفلت يحسب نفسه على شيء!
وصاحب الهوى يبحث عمن يؤيده. وصاحب الحق يبحث عن الحق ولو كان على لسان من يخالفه. وهذه علامة مهمة لحياة القلب.
وتبقى علامة عظيمة يغفل عنها كثيرون، إذا وجدت نفسك كلما ازددت علمًا ازددت خوفًا من النفاق، وخوفًا من سوء الخاتمة، وافتقارًا إلى الله، ووجلا، فهذه من علامات حياة القلب الأرجى. أما إذا ازددت علمًا فأصبحت ترين نفسك قد وصلت، وأنك من أهل الهجرة والإصلاح، فهذه علامة تحتاج إلى مراجعة.
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخاف النفاق على نفسه، مع أنه من المبشرين بالجنة. فكيف بنا نحن؟
وفي الخلاصة فإن الهجرة الحقيقية ليست انتقالًا من مكان إلى مكان، ولا من ذنب إلى طاعة فحسب، بل هي انتقال القلب إلى الله تعالى.
وأثرها الأعظم ليس دائمًا في المشاعر، وإنما في الثبات، وصدق المجاهدة، وتعظيم الله، والإخلاص له بلا كلل ولا ملل، بلا وهن ولا ضعف ولا استكانة.
فمن وجدت نفسها تجاهد نفسها على الاستقامة والتزام أمر ربها ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتقوم إذا تعثرت وتحاسب نفسها باستمرار وتخاف من التقصير وتتوب لله عند الذنب، فلتحمد الله تعالى فكل ذلك من دلائل حياة القلب، ولتواصل السير ولا تلقي بالا إلى وساوس الشيطان الذي سيبحث عن أي وسيلة لتشتيت تركيزها في مسيرتها. فالطريق إلى الله يتعلق بالاستقامة وبالثبات وبمدى موافقة السرائر للعلانية، وليس بالانفعالات الظاهرة ولا المشاعر الجياشة العبارة..
الطريق إلى الله يتعلق بصدق القصد قبل راحة النفس. فقد لا ترتاح نفسك للباس الحجاب إن كنت حديثة عهد به، لكنه قطاعا التصرف الصحيح والاستجابة الواجبة. وبالصبر والتوكل والمجاهدة واليقين تستبين الأمور، ويدبر الله لك من حيث لا تحتسبين، فاثبتي ولا تبرحي مهاجرة مجاهدة مرابطة موقنة. والله مولاك. فطريق الهجرة طريق مراغمة وسعة، وطريق الفتح والتمكين. نسأل الله تعالى من فضله العظيم.
ما هي ثغور النساء التي يجب أن تُسد للخروج من حالة الاستضعاف إلى التمكين؟
الجواب
حتى نجيب عن هذ السؤال يجب بداية أن نفهم وظيفة المرأة في مشروع نهضة الأمة. فالتمكين لا يبدأ من امتلاك القوة المادية وحدها، وإنما يبدأ من بناء الإنسان، فالإنسان هو مادة التمكين، والمرأة هي أول مصنع للإنسان، وأول مدرسة، وأول حاضنة للهوية والإيمان. فإذا صلحت المرأة في وظيفتها ورسالتها، صلح جيل كامل، وإذا ضعفت، امتد أثر ضعفها إلى الأسرة ثم المجتمع ثم الأمة برمتها.
ولذلك فإن سدّ ثغور النساء ليس قضية نسائية فحسب، بل قضية حضارية تمس مستقبل الأمة كلها.
وهذا يقتضي أن تدرك المسلمة أدوارها بوضوح وبفهم صحيح لرسالتها وأمانة هذه الرسالة. بعيدا عن فكرة الغربية الجشعة أو الفردانية المضللة، أو دعاوى الجاهلية المنتشرة في زماننا. أحاول ها هنا أن ألخص ثغور المسلمات الأساسية في مسيرة التمكين كما يلي:
أولا: ثغر العلم الشرعي
فأعظم ما تحتاج إليه المرأة هو العلم الذي يهديها إلى الله خالقها جل جلاله، العلم الذي يسمح لها أن تعبد ربها على بصيرة.
فالجهل يفتح أبواب الانحراف، ويجعل الإنسان أسيرًا للشبهات والشهوات، بينما العلم يمنحه ميزانًا يزن به الأفكار والأحداث والمواقف بفقه وبصيرة فتسير بنور من الله تعالى.
والمقصود ليس كثرة الدروس والبرامج والمتون والشهادات وتكديس المعلومات، وإنما: صحة العقيدة. وفقه العبادات. وفهم مقاصد الشريعة. ومعرفة السنن الإلهية. والوعي بواقع الأمة. وهذا نصاب العلم اللازم لكل مسلمة.
فالمرأة التي تربي أبناءها وهي لا تملك قواعد شرعية واضحة، يصعب عليها أن تصنع جيلاً رساليا ثابتًا أمام الفتن.
ثانيا: ثغر الزوجة الصالحة
فالزوجة الصالحة ليست مجرد امرأة في بيت! وإنما هي سكنٌ لزوجها، وعونٌ له على طاعة الله عز وجل، وحافظةٌ لبيتها، وصانعةٌ لبيئة إيمانية يستقر فيها القلب وتتهيأ فيها أسباب العمل والبذل. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
والزوجة الصالحة تدرك أن نجاح زوجها في ثباته أو دعوته، أو عمله، أو طلبه للعلم، أو خدمته لأمته، يبدأ غالبًا من بيت يجد فيه السكينة والدعم، لا النزاع والاستنزاف. فهي تحفظ غيبته، وتصون ماله، وتعينه على الطاعة، وتخفف عنه هموم الحياة، وتواسيه عند الشدائد، وتذكره بالله إذا غفل، وتصبر معه إذا ضاقت الأحوال. وقد وصف النبي ﷺ خير النساء بقوله: “ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله تعالى خيرا من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته أو حفظته في نفسها وماله”. رواه ابن ماجه
وقوله صلى الله عليه وسلم: “ألا أخبرك بخير ما يكتنز المرء؟ المرأة الصالحة؛ إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته”. رواه أبو داود والحاكم وقال: حديث صحيح الإسناد.
وهذا يستوجب منها أن تفقه كيف تكون زوجة صالحة وكيف تفهم زوجها وتستوعبه بحسناته وسيئاته، وأن تتعلم كيف تدير الخلافات بروح الإصلاح لا بروح الانتصار للنفس.
ولتحقيق ذلك هي بحاجة للتزود لهذه المهمة، فمهمة المرأة الصالحة وظيفة في مؤسسة الأسرة المسلمة السوية، وهي أشرف مهمة لامرأة عاملة لله تعالى وحده لا شريك له. تتطلب سيرة ذاتية رأس الأمر فيها حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن هنا فإن سدَّ ثغر الزوجة الصالحة يكون بالعلم بحقوق الزوجين، وحسن العشرة، وإتقان فنون الحوار، والصبر، والعفو، والمودة والرحمة، وإعلاء مصلحة الأسرة على حظوظ النفس، وتعلم كيف تصنع السعادة في مشروع حياتها كله، واستحضار أن بناء بيت مسلم متماسك هو من أجلِّ صور العبادة، وأحد أعظم أسباب نهضة المجتمع؛ لأن الأسرة الصالحة هي اللبنة الأولى في بناء الأمة الصالحة.
وحتى لو لم يرزقهما الله تعالى ذرية فإن العلاقة الزوجية التي تعف فيها المؤمنة المؤمن وتعينه ويعينها على المسير بثبات ويقين ومسابقة، في زمن غربة وحرب على الإسلام، من أنبل المهمات في زماننا. ويا لجلال صحبة تدخلهما الجنة.
ثالثا: ثغر التربية
والتربية ليست إطعامًا وشراء الحاجيات للأبناء فتلك رعاية سهلة! وإنما التربية صناعة المسلم والمسلمة. والأم الناجحة لا تسأل -كما يحصل كثيرا اليوم-: هل ابني “متفوق؟” وبعد ذلك لا يهمها شيء! بل تسأل أولا وقبل كل شيء: هل يحب الله تعالى؟ هل يعظم القرآن؟ هل يتحمل المسؤولية؟ هل يملك شخصية عزيزة بإيمانها ودينها؟ هل يعرف مسؤولياته؟
فالتمكين يبدأ من البيوت قبل أن يبدأ من المدارس.
ولهذا كانت الأمهات في تاريخ الإسلام يربين العلماء والمجاهدين والقادة منذ أن يقبل الصغير على الدنيا، قد عرف طريقه ورسالته ومسؤولياته مبكرا.
رابعا: ثغر الوعي
كثير من النساء يحسن الالتزام، لكن ينقصهن الوعي. والوعي يعني: فهم الواقع. ومعرفة ما يدور في العالم. وإدراك وسائل التأثير الفكري والإعلامي. والتمييز بين الحق والدعاية. وعدم الانسياق وراء كل موجة. فالمرأة اليوم تتعرض يوميًا لمئات الرسائل الإعلامية التي تعيد تشكيل مفاهيمها عن الأسرة، والأمومة، والزواج، والدين، والنجاح. فإذا لم تكن واعية مدركة لأساليب التضليل، أصبحت تُربّي أبناءها وفق ما يريده الإعلام، لا وفق ما يريده الإسلام. فلابد أن تحرس وعيها لتختار لنفسها الأفضل لا الأدنى.
خامسا: ثغر الهوية
من أخطر الثغور أن تستحي المرأة من هويتها الإسلامية. فتبدأ تقيس النجاح بمعايير الآخرين، والجمال بمعاييرهم، والحرية بمفاهيمهم، والسعادة بنمط حياتهم. وتقيم نفسها ودورها في الحياة بمقاييس دخيلة على أمة الإسلام، بينما المرأة المؤمنة تعتز بدينها، بحجابها، بشعائر الإسلام العظيمة، بقدواتها من أمهات المؤمنين والصحابيات رضي الله عنهن، وتفهم أن تكريم الإسلام لها ليس في تقليد غيرها، وإنما في تحقيق عبوديتها لله ورسالتها في الحياة.
سادسا: ثغر الإعداد وصناعة الهمة
الأمة لا تحتاج شخصيات هشة. بل تحتاج نساء يتميزن بقوة الإيمان والعزيمة. بالاستقامة والتقوى، بالصبر والبذل، بتحمل المسؤولية. بالمبادرة. بالثبات عند الأزمات. بمكارم الأخلاق، بما يقدمنه لمن حولهن من خير وأدب، بمصانع سعادة وشفاء! بعلو الهمة والهدف! وهذه أمور تتطلب أن تقدم المرأة لنفسها لكي تنعم بفضائلها، فالمرأة المؤمنة حقا تنقل هذه القوة إلى أسرتها كلها ومحيطها أيضا. وهذا ثغر إعداد تحتاجه كل مسلمة لتواصل المسيرة بقوة وثبات ويقين لا يضطرب.
سابعا: ثغر الدعوة لله تعالى وجهاد الكلمة
فالمرأة اليوم ليست مجرد متلقية، بل قد تكون مؤثرة. ولهذا ينبغي أن تحسن اختيار ما تتابعه وتقرأه. وأن تضبط وقتها بجدول أولويات، لا تقدم فيه ما ليس واجبا على الواجب، عليها أن تعرف كيف تساهم في مقاومة ثقافة التفاهة بالترفع عنها والعناية بمصادر العلم والقيم وكل ما يدعو إلى الفضيلة ويعلي كلمة الله تعالى. وأن تأخذ موقعها في حماية أبنائها من المحتوى الفاسد. فالمعركة الإعلامية أصبحت من أخطر ميادين التأثير.
ومن تيسر لها ثغر لنصرة دينها إعلاميا فلتراعي ضوابط العمل فيه وتصون نفسها أمة لله ترجو رحمته متأسية بخير سلف.
ثامنا: ثغر خدمة الأمة
وهنا تتجلى لنا ثغور الإنفاق في سبيل الله تعالى والصدقات الجارية والأوقاف، وثغور الإطعام وكفالة الأيتام تحسس حاجات المسلمين بحسب قدرتها وما يتيسر لها، ويدخل في ذلك التعليم والتربية وتوفير التطبيب والمهارات والعلوم والمساحات لخدمة النساء في ميادين احتياجاتهن. وما يدخل في فروض الكفايات للنساء.
والتمكين لا يعني أن تقوم المرأة بكل شيء، وإنما أن تقوم بما خُلقت له على أكمل وجه.فتأملي جيدا هذا المعنى. فهو مفتاح كل ما بعده.
وبالتزام المرأة دورها، يتمكن الرجل من التفرغ لدوره بدون منازعة بل بمساندة وتكامل وتعاضد، وهنا ينشغل كلاهما بكيف ننتقل من الاستضعاف إلى التمكين؟ وليس بكيف نتنازع على من يقود البيت والأسرة! والولايات التي حددتها الشريعة بدون تشويش!
ويمكن تلخيص طريق التمكين الذي تشارك فيه المرأة من خلال موقعها في خمس مراحل:
1- التربية الإيمانية التي تصنع القوة في القلوب والمناهج والأهداف. 2- الحصانة والتزود لمسيرة تحفها الأخطار والفتن والتحديات والعقبات، وتتطلب التعاون على البر والتقوى. 3- تربية وإعداد يبنيان ذخائر المستقبل وجيلا قادرا على حمل أمانة الإسلام بروح معطاءة مسابقة. جيل قوي أمين! 4- التأهب لمكائد الأعداء وحملاتهم وحروبهم والوعي بالواقع بالتمييز بين الحق والباطل. 5- عمل مستمر في ميادين الأسرة والتربية والتعليم والإصلاح والدعوة والجهاد وخدمة المجتمع وتعزيز عوامل التمكين والقوة في الأمة. بتناغم وانسجام.
إن أعظم ثغر ينبغي أن يُسد هو أن تدرك المرأة أن لها رسالة، لا مجرد أدوار متفرقة. فإذا اجتمع الإيمان، والعلم، والوعي، وحسن التربية، وعلو الهمة، أصبحت المرأة ركيزة في نهضة الأمة، وصانعةً للأجيال، وحارسةً لهوية المجتمع.
فالأمة لا تُبنى بالرجال وحدهم، ولا بالنساء وحدهن، وإنما تبنى حين يقوم كلٌّ منهما بما أقامه الله فيه، ويتكاملان في حمل الأمانة كما قدم في ذلك السابقون الأولون القدوة والمثل. ومن هنا كان إصلاح المرأة وإعدادها إعدادًا واعيًا من أعظم أسباب الانتقال من حالة الاستضعاف إلى أسباب التمكين بإذن الله تعالى، وهي عملية لا تجري بمعزل عن إعداد الرجال لمهماتهم وولاياتهم كما يجب وينبغي والله الموفق وبه نستعين سبحانه.
أشعر بتشتت وحيرة شديدة، ولا أعرف من أين أبدأ. أنا في منتصف العشرينيات…
أسير حاليًا في دروب القرآن حفظًا، طامحة إلى شرف الختام كاملًا بإذن الله، لم أستقر بعد على طريق ثابت في طلب العلم الشرعي.
أتنقل من برنامج إلى آخر دون أن أتم أيًا منها، حتى بدأت أشعر بحزن شديد على عمري الذي يمر دون أن أتعلم علمًا ينفعني في ديني ودنياي. 😔
فبمَ تنصحيني؟
هل أبدأ من جديد في برنامج منظم مثل “البناء المنهجي” أو “أكاديمية زاد” أو غيرهما؟ أم الأفضل أن أبحث وأتعلم بنفسي بشكل مستقل؟
وأيضًا، أنا عزباء؛ فبماذا تنصحينني أن أتعلم في هذه المرحلة حتى أعدَّ نفسي لأكون زوجة صالحة وأمًّا صالحة تُخرج ذريةً تُعلي كلمة الله وتجاهد في سبيله؟
وأخيرًا، ما الواجب عليَّ فعله تجاه إخواننا المستضعفين في غزة وغيرها؟
جزاكِ الله خيرًا ونفع بكِ دكتورة ليلى الحبيبة. 🤍🌸
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله وبارك بك. بداية هوني على نفسك، ولا تحزني على ما مضى، فما دمتِ تشعرين بالحاجة إلى العلم وتبحثين عن الطريق، فهذه نعمة عظيمة، وكثير من الناس لا يشعر أصلًا بنقصه. وما أنتِ فيه ليس دليل فشل، بل هو مشكلة يشترك فيها عدد كبير من طلاب العلم في هذا العصر.
الذي أراه أن سبب حيرتك ليس قلة البرامج، بل كثرتها.
فاليوم أصبح طالب العلم ينتقل بين عشرات المناهج والأكاديميات والدورات، وكل برنامج يعد بأنه الطريق الأمثل وتنتشر دعايته ويؤثر الترويج له في إقبال النفوس، حتى صار بعض الناس يبدأ كل عام بمنهج جديد، ثم يتركه قبل أن يبلغ منتصفه، فيعيش سنوات طويلة وهو يشعر أنه “يبدأ” ولا يشعر أنه “تقدم”.
ولهذا فإن من أكبر سلبيات كثير من البرامج المنتشرة اليوم أنها: • مبنية على جداول زمنية طويلة قد لا تناسب ظروف جميع الناس. • تجمع بين أعداد كبيرة من العلوم دفعة واحدة وقد يقدم فيها ما ليس واجبا على الواجب، فيثقل الحمل على الطالب. • استنسخت طريقة المدارس والجامعات النظامية في منهجية التعليم فأضحى التركيز على الامتحانات والنجاح فيها، كدليل لمستوى التحصيل العلمي، أكثر من التركيز على جدوى العلم والقيمة الحقيقية للعلم في حياة الطالب. • تربط الاستمرار بالبرنامج نفسه، فإذا انقطع الإنسان لأي ظرف شعر أنه سقط كله، وربما لم يعد إليه أبدًا. • تجعل الطالب متعلقًا بالانتقال من دورة إلى أخرى أكثر من تعلقه بالعلم نفسه. • تجعل الطالب متعلقًا بالألقاب والانتماءات الدراسية أكثر من العناية بحالة قلبه والارتقاء برصيده الإيماني. • وقد يدخلها بحماس شديد، ثم يفتر الحماس، فإذا توقف ظن أنه ترك طلب العلم كله.
بينما طلب العلم في حقيقته ليس برنامجًا مؤقتًا، بل مشروع عمر.
لهذا أنصحك بأن يكون اعتمادك الأساسي على الطلب الحر المنظم، لا بمعنى العشوائية، وإنما بمعنى أن تضعي لنفسك برنامجًا يناسب وقتك وقدرتك وشغفك، وتستطيعين المحافظة عليه طويلا وتستشعرين ثماره في نفسك وتتقدمين بناء على ذلك.
ولو لم تدرسي إلا ساعة واحدة كل يوم، لكنك داومت عليها باستشعار غاية العبودية لله تعالى، لخرجت بحصيلة أعظم من كثير ممن بدأوا عشرات البرامج ولم يتموا واحدًا منها.
بل أعرف من اقتصرن على القرآن والسنة والسيرة والسير وكتب ابن القيم رحمه الله وفتح الله عليهن فتحا كبيرًا في الطلب. والله يؤتي فضله من يشاء.
وأنت الآن في نعمة عظيمة؛ وهي حفظ القرآن. فلا تجعلي كثرة البرامج تزاحم هذه النعمة، بل اجعلي القرآن محور حياتك، فهو أصل العلوم كلها.
وعن نفسي أنصح بشدة البداية من حفظ القرآن العظيم، قبل الدخول في برامج التعليم الشرعي، إلا ما كان من تعلم العلم الأساس، وهو ما لا يسع المسلمة جهله، فهذا يجب أن تبدئي به رحلتك قبل أي علم آخر، ثم حفظ كتاب الله تعالى وبعدها يمكن لمن تريد التبحر، التخصص في العلوم المختلفة، فتح الله عليها.
وهي في الواقع طريقة السلف في تعليم العلم الشرعي، لمن يريد التخصص فيه، لأن هذا العلم فضل ومرتبة وليس مجرد لقب يحمل باجتياز امتحانات المعاهد والمدارس الشرعية، بل يجب أن يكون محصنا ببداية قوية، تنطلق من القرآن العظيم قاعدة وأساسا. وهنا نرى الفرق بين ما تخرجه المدارس اليوم وما كان عليه السابقون، حين كان القرآن أول مدرسة لهم. والفارق الكبير يظهر في القيمة والكيف والجدوى الحقيقية للعلم.
قد تسأل سائلة ولكن هذا كثير، فأقول، يسعك إذا حفظ ما تيسر من القرآن وتعلم ما لا يسع المسلمة جهله والتثقف في أبواب العلم بشكل مبدئي، لكن إن كانت نيتك التعمق والتزود بالعلم في مرتبة متقدمة فلا أنصح البتة الدخول بدون حفظ كتاب الله تعالى لأنك تخذلين نفسك، فأساس العلم الخشية، ولا يمكن أن تشتد الخشية من الله تعالى ومحبته ورجاؤه بدون البداية من القرآن العظيم، كلام الله جل جلاله، فإن ترسخت هذه القاعدة، قاعدة الخشية من الله وتقديره حق قدره من خلال القرآن ومعرفة وطيدة بآياته، هنا يمكن الانطلاق على نور من الله مستعينه به تعالى ومتزودة بذخائر القرآن.
غير ذلك فهو كمن يبحر بدون مرساة وبقارب غير محصّن ولا قوي. يتحطم عند أول عاصفة هوجاء! وهذا ما يناسب زماننا، زمان كثرت فيه الفتن وتوالت كقطع الليل المظلم. والطالبة بأمس حاجة لقوة العلاقة مع ربها ولا أقوى علاقة بالله تعالى ممن تحفظ كتاب ربها وتعمل به. جعلنا الله وإياكن من أهل القرآن وخاصة الله.
ثم اجعلي لنفسك برنامجًا ثابتًا في الطلب، مثلًا: • القرآن حفظًا ومراجعة وتفسيرًا. • العقيدة. • الفقه الذي تحتاجينه في عبادتك. • الحديث والأذكار. • السيرة النبوية. • الأخلاق وتزكية النفس.
ولا تنتقلي إلى كتاب جديد كلما شعرت بالملل، بل أكملي ما بدأتِه ولو ببطء.، وركزي على العمل بما تعلمته، فالعمل هو مقياس الصدق ومقياس العلم حقا.
وارسمي لك جدول مسابقة لله يترجم صدق فهمك وإقبالك.
وإن شاء الله سأوفر برنامجًا منظمًا يناسب وقت النساء وظروفهن بدون حاجة للانتساب لمدارس ومعاهد، حيث تتوفر الشروحات بفضل الله والكتب والمراجع، يكفي فقط بعض الانضباط ومتابعة برنامج مرن وسلس، يوصل للغاية.
ولن يكون برنامجا يضغطك، أو يجعل نفسك أسيرة له، فإذا توقفتِ عنه لأي سبب توقفتِ عن طلب العلم كله، بل هو وسيلة، وليس غاية. يوصلك لا يثقلك! لهذا ستكون نتائج امتحاناته هي أداؤك واستقامتك وما ينعكس على قلبك وسيرتك. هذا الدليل الأصدق على جدوى طلب العلم.
وهذا لأني أتلقى رسائل عديدة في كل مرة تشترك في الهم نفسه، عدم القدرة على مواصلة البرامج التعليمية والشعور بالتشتت وضغط المناهج وفقدان الشغف وفقدان الأثر في النفس. فلعل الله يجعل فيها الحل والسعادة.
وأما كونك عزباء، فأرى أن هذه المرحلة من أنفس مراحل العمر في البناء. فتعلمي:
أحكام المرأة والطهارة والعبادات.
فقه الأسرة والزواج.
تربية الأبناء.
علم النفس التربوي بضوابطه الشرعية.
فهم العلاقة بين الرجل والمرأة وكيف تفهم الزوجة زوجها وكيف تكتمل به ويكتمل بها.
السيرة النبوية وسير أمهات المؤمنين والصحابيات.
إدارة البيت والمال والوقت.
مهارات المرأة المسلمة.
وآداب الدعوة إلى الله.
فالزوجة الصالحة والأم المربية لا تُصنع ليلة الزواج، وإنما تُبنى سنوات قبل ذلك. واجعلي لك نصيبًا من القراءة في التاريخ الإسلامي وواقع المسلمين؛ لأن المرأة التي تعرف تاريخ أمتها وحال واقعها، يعلو همها، ويكبر مشروعها، ولا تنشغل بصغائر الأمور.
وأما واجبك تجاه إخوانك المستضعفين في غزة وغيرها، فأعظمه أربعة أمور:
الدعاء الصادق لهم، والإكثار منه في أوقات الإجابة.
نصرة قضيتهم بالعلم والوعي ونشر الحق، وعدم المشاركة في تزييف الحقائق. وهو من الجهاد الإعلامي والنصرة الإعلامية.
بذل ما تستطيعين من مال عبر الجهات الموثوقة إذا تيسر ذلك.
والأهم من ذلك كله: أن تُخرجي نفسك إنسانة صالحة نافعة، ثم تُربي في المستقبل جيلًا يعرف دينه، ويحب أمته، ويحمل هم الإسلام؛ فإن الأمة لا تنهض بكثرة المتألمين، وإنما تنهض بكثرة المصلحين. والمعركة كبيرة وضخمة، لا تزال فصولها ممتدة. وكل نصر في ميدان فيها نصر للمسلمين في كل مكان.
وأختم لك بوصية أرجو أن تجعليها نصب عينيك: لا تبحثي عن أسرع طريق في طلب العلم، بل ابحثي عن الطريق الذي تستطيعين أن تسيري فيه عشرين سنة دون انقطاع. فإن العلم لا يؤخذ بالاندفاع المؤقت، وإنما يؤخذ بطول النفس، وصدق النية، والمداومة، كما قال النبي ﷺ: “أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل”. فمن داوم على القليل، فتح الله له من الخير ما لا يفتحه لكثير ممن بدأوا بالكثير ثم انقطعوا. واجعلي طلب العلم عبادة ومتعة حياة ووسيلة ارتقاء وليس سباقا على لقب أو مكانة أمام الناس. فهذا مما يًذهب نوره. واجعلي أهم أهدافك في كل ما تذهبين إليه، حالة قلبك ووصالك بربك جل جلاله، فإن سجدة خشوع واحدة لهي بكل السنوات التي تقضينها تبحثين عن لقب طالبة علم وأنت غير قادرة على تقدير الله عز وجل حق قدره، فتشغلك زينة العلم عن خشية العلم.
ولو نظرت في سير السابقين الأولين لوجدت أن هم أمهات المؤمنين كان العمل والاستقامة والسعي لأقرب المراتب من الله عز وجل قبولا ومحبة، وما العلم الذي كن يتعلمنه ويُعلمنه إلا لهذه الغاية. فما دمت عابدة لله عاملة لله تنشد الاستقامة، قدوتك نساء السلف، فأنت بخير عظيم وأنت على الطريق، حتى نلقاهم على خير وثبات ويقين لا يضطرب. اللهم آمين. وفقك الله ومتعك بفضائل الإيمان والاستقامة والمجاهدة والمحبة.
دكتورة، ما هي الهجرة التي على القلب أن يهاجرها ليصل إلى وجه ترضي الله ورسوله؟ وكيف أكون أمةً مجاهدةً وأنا في قعر بيتي؟ منذ فترة قصيرة أصبح قلبي يتمنى الشهادة في سبيله رغم تقصيري في بعض الطاعات، ولكن الآن لم تعد لدي أمنية سوى أن أُرزق الشهادة.
وهل متابعتي ليوميات أهل فلسطين، ودعمهم بمشاركة الفيديوهات وتفعيل الإعجابات، يكون دعمًا لهم؟
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. حياك الله وبارك بك،
أسأل الله أن يشرح صدرك، ويزيدك هدىً وثباتًا، وأن يرزقك صدق الإخلاص وحسن القصد.
أول ما أود أن أقوله لك: إن تمني الشهادة منزلة عظيمة، وقد رغّب فيها النبي ﷺ، فقال: “من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه”. فكون قلبك يتطلع إلى هذه المنزلة فهو من علامات علو الهمة إذا اقترن بالعمل الصالح، لا بمجرد الأمنيات.
لكن ينبغي أن تعلمي أن الطريق إلى الشهادة لا يبدأ من ميدان القتال، وإنما يبدأ من هجرة القلب إلى الله. فالهجرة التي يحتاجها القلب قبل أن يهاجر الجسد هي أن يهاجر: • من الرياء إلى الإخلاص. • ومن الغفلة إلى ذكر الله. • ومن اتباع الهوى إلى اتباع الوحي. • ومن التعلق بالدنيا إلى التعلق بالآخرة. • ومن الكسل إلى المجاهدة. • ومن المعصية إلى التوبة. • ومن الاعتماد على النفس إلى الافتقار إلى الله.
فكم من شخص تمنى الشهادة، لكنه لم يهاجر قلبه بعد من حب الدنيا إلى حب الله، وكم من امرأة لم تغادر بيتها قط، لكنها بلغت عند الله منزلةً عظيمة بصدقها وصبرها وعبادتها.
ولهذا لا تحتقري عملًا صالحًا مهما بدا صغيرًا، فإن الله لا ينظر إلى ضخامة الأعمال بقدر ما ينظر إلى صدق القلوب.
وأما قولك: كيف أكون مجاهدة وأنا في قعر بيتي؟
فاعلمي أن مفهوم الجهاد في الإسلام أوسع من حمل السلاح، وإن كان جهاد العدو عند الحاجة من أعظم أنواعه. أما أنت، فقد يكون جهادك اليوم: • جهاد نفسك على الطاعة والاستقامة. • وجهاد الهوى. • وجهاد الشيطان. • وجهاد طلب العلم. • وجهاد الدعوة إلى الله بالحكمة. • وجهاد تربية جيل صالح يحمل دين الله. • وجهاد الصبر والثبات عند الفتن ومواجهة حملات الأعداء.
ورب امرأة أصلحت بيتًا، وربت أبناءً صالحين، فكان أثرها في نصرة الإسلام أعظم من أثر رجال كثيرين. ولا تدري المسلمة متى يحين الاستعمال!
فلا تحتقري بيتك، فإن بيوت المسلمين هي أول ميادين بناء الأمة.
وأوصيك كذلك ألا يجعلك الحديث المستمر عن الشهادة تنسين ما بين يديك من الواجبات اليومية. فالله لا يسألك اليوم عن ميدان لم يفتحه لك، ولكنه سيسألك:
• هل أديت الصلاة كما أمر؟ • هل تدبرت القرآن؟ • هل تعلمت دينك؟ • هل أصلحت قلبك؟ • هل دعوت إلى الله بما تستطيعين؟ • هل أحسنت إلى والديك وأهلك؟ • هل أديت فروضك وواجباتك؟
فمن صدق في هذه المواطن الأولى، هيأه الله للمواطن التي تليها إن كتبها له. بل العناية والوفاء لهذه المواطن هو زاد كل ثبات بعدها. ولا يضرك شيء والله مولاك.
وأما متابعتك لأخبار أهل فلسطين ومشاركة المقاطع، فهذا قد يكون نافعًا إذا كان يحقق مصلحة حقيقية؛ كإبقاء القضية حية، أو كشف الظلم، أو تصحيح المعلومات، أو الحث على نصرتهم، بشرط أن يكون المحتوى صحيحًا، وأن تكون المشاركة نافعة، لا مجرد إعادة نشر لكل ما يصل دون تثبت، فتستغل المشاعر على حساب النصرة الحقيقية.
لكن ينبغي ألا يتحول ذلك إلى شعور بأن هذا هو كل ما علينا.
فقد ينشغل الإنسان ساعات طويلة في متابعة الأخبار والتعليق والمشاركة، بينما يقصر في الدعاء، أو في إصلاح نفسه، أو في تعلم دينه، أو في بذل ما يستطيع من مال، أو في تربية من حوله على نصرة الحق.
والنصرة الحقيقية ليست نوعًا واحدًا، بل هي مراتب، منها: • الدعاء الصادق. • الصدقة بما يستطيعه. • نشر الوعي الصحيح. • نصرة الحق بالكلمة الصادقة على منهاج النبوة. • تربية جيل يعرف دينه ويعرف قضايا أمته. • وإعداد النفس بالعلم والإيمان والعمل. • والوقوف حيث يكون الحق في ميدان التدافع. • والتحصن من الفتن والظلم وتعزيز عوامل القوة والثبات في الأمة حتى يأذن الله تعالى بتبديل الحال لقوة وسيادة.
واعلمي أن الأمة لا تحتاج إلى قلوب متألمة فقط، وإنما تحتاج إلى قلوب مؤمنة، وعقول واعية، ونفوس ثابتة، وأعمال متواصلة.
وإن بقيت من كلمة، فلا تجعلي أكبر همك أن تموتي شهيدة، بل اجعلي أكبر همك أن تعيشي لله صادقة. فمن عاش لله مخلصًا، ومات على طاعته، ورجا الشهادة بصدق، فإن فضل الله واسع، وقد يبلغ العبد منازل عالية بنيته الصادقة وعمله الدائم. فابدئي من اليوم بتقوية وصال قلبك، والمحافظة على فرائضك، والإكثار من النوافل، وطلب العلم، والدعوة إلى الله، وحمل همِّ الأمة بالعناية بصلاحك وأثر هذا الصلاح في حياتك، واسألي الله كل يوم أن يرزقك الشهادة كما تمنى نبيا صلى الله عليه وسلم، وأن يختار لك ما يقربك إليه ويرضيه سبحانه.
دكتورة، عندي سؤال آخر.
أحفظ بعضًا من أجزاء القرآن، فما هو العلم الذي تنصحينني أن أتعلمه إلى جانب القرآن، بحيث يكون علمًا نافعًا، وليس عميقًا حتى لا أتشوش، لأنه في بداية الحفظ أحتاج إلى تثبيت؟
وهل إذا حفظت الأربعين النووية يجب عليَّ أن أحفظ شرحها، أم يكتفى بالاستماع إلى الشرح؟
وأتمنى لو تكون هناك دورات بهذا الصرح المبارك، ننهل منها العلم النافع.
الجواب
حياك الله،
أسأل الله أن يبارك فيك، وأن يرزقك إتمام حفظ كتابه، وأن يجعلك من أهله وخاصته.
أول ما أوصيك به هو أن تجعلي القرآن محور مشروعك العلمي كله، لا مجرد مادة من المواد. فكثير من الناس يجعل القرآن على هامش حياته العلمية، بينما كان السلف يجعلونه أصل العلم، ثم يبنون بقية العلوم حوله.
ولذلك، ما دمتِ في مرحلة الحفظ، فلا أنصحك بالإكثار من العلوم المتنوعة، ولا بالدخول في الكتب المطولة أو المسائل الخلافية، لأن كثرة التشعب في البداية قد تضعف التركيز، وتؤثر في تثبيت القرآن.
بل اجعلي طلبك للعلم في هذه المرحلة هادئًا، ومتدرجًا، ومكمِّلًا للقرآن، لا مزاحمًا له.
وعن سؤالك: ما العلوم التي يحتاجها كل مسلم مع القرآن؟
أقول:
ابدئي بالعقيدة الصحيحة؛ لأنها أساس الدين، وبها يعرف الإنسان ربه، ويصح إيمانه، ويستقيم عمله.
ثم تعلمي فقه العبادات الذي تحتاجينه كل يوم؛ من الطهارة، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، دون التوسع في دقائق المسائل التي لا تحتاجينها الآن.
واجعلي لك وردًا ثابتًا في قراءة السيرة النبوية؛ فإنها تعين على فهم القرآن، وتزيد الإيمان، وتربي النفس على الاقتداء برسول الله ﷺ.
ولا تهملي الأخلاق وآداب الإسلام، فإن العلم الذي لا يثمر خلقًا حسنًا لم يبلغ غايته.
وأوصيك كذلك أن تقرئي تفسيرًا ميسرًا للآيات التي تحفظينها، ولو بقدر يسير، حتى لا يكون حفظك للألفاظ مجردًا عن فهم المعاني.
أما سؤالك عن الأربعين النووية، فلا أرى أن المطلوب هو حفظ شروحها.
يكفيك أن تحفظي متن الأحاديث أولًا، فهذا هو الأصل.
ثم تستمعي إلى شرح موثوق، أو تقرئي شرحًا ميسرًا حتى تفهمي معاني الحديث وأحكامه.
ومع كثرة المراجعة والاستماع ستترسخ المعاني في ذهنك، وليس من اللازم أن تحفظي كلام الشارح، وإنما المقصود فهم الحديث والعمل به.
وأحب أن ألفت انتباهك إلى أمر يقع فيه كثير من طلاب العلم في بداياتهم، وهو أنهم ينشغلون بالسؤال: “ما المنهج الأفضل؟ وما الكتاب الأفضل؟ وما الدورة الأفضل؟” حتى تمضي الشهور وربما السنوات دون إنجاز حقيقي.
والصواب أن العلم لا يُبنى بكثرة التنقل، وإنما بالمداومة.
فخير برنامج علمي هو البرنامج الذي تستطيعين الاستمرار عليه سنوات، ولو كان قليلًا.
ولهذا أقترح عليك برنامجًا يوميًا يسيرًا:
مراجعة ما تحفظينه من القرآن، مع حفظ جديد بحسب طاقتك.
قراءة تفسير ميسر لما تحفظينه.
حفظ حديث واحد من الأربعين النووية مع فهم معناه.
نصف ساعة في العقيدة أو الفقه.
قراءة شيء من السيرة أو سير الصحابة.
هذا القدر قد يبدو قليلًا، لكنه إذا استمر عامًا أو عامين، صنع أساسًا علميًا متينًا بإذن الله.
ولا تستعجلي الوصول، فالعلم ليس سباقًا ينتهي في أشهر، وإنما هو عبادة تستمر ما دام في الإنسان نفس.
فإن أنهيت الأربعين النووية
فانتقلي إلى عمدة الأحكام لعبد الغني المقدسي، من أفضل ما يُبدأ به؛ لأنه يجمع أحاديث الأحكام العملية. وجميع أحاديثه من الصحيحين. ويبني الفقه من خلال السنة مباشرة. وهو معتمد عند أهل العلم منذ قرون.
ثم رياض الصالحين وهو من أنفع الكتب لعامة المسلمين، لأنه يربي الإيمان والسلوك معا.
ولا يلزم حفظه كاملًا، بل يمكن قراءة أبوابه مع حفظ ما يتيسر من الأحاديث.
ثم بلوغ المرام لمن أرادت التخصص أكثر في الفقه.
وللفتاة خاصةً إذا كانت في بداية الطلب، فلا أنصحها أن تجعل همها حفظ مئات الأحاديث، وإنما أن تجمع بين الحفظ والفهم والعمل.
فيمكن أن يكون برنامجها مثلًا: حفظ القرآن. تفسير ما تحفظ. حفظ حديث واحد أو حديثين أسبوعيًا. دراسة شرحه. محاولة تطبيقه في حياتها.
فالمقصود من الحديث ليس كثرة المحفوظ، وإنما أن يتحول إلى خلق وسلوك.
ولو كنت سأضع منهجًا متكاملًا في السنة، لجعلته هكذا:
الأذكار: حصن المسلم أو الأذكار (ما يتيسر منها)، لأن المسلم يحتاج السنة في يومه وليلته قبل أي شيء. ثم الأربعون النووية مع شرح ميسر. ثم عمدة الأحكام. ثم رياض الصالحين قراءةً ودراسةً. ثم بلوغ المرام لمن أرادت التوسع.
وأضيف اقتراحًا أراه نافعا ومجربا، بل قد يكون أنفع من مجرد البدء بالأربعين النووية، وهو أن تُحفَظ الأحاديث بحسب الموضوعات، لا بحسب الكتاب فقط. فمثلًا:
أحاديث النية والإخلاص.
أحاديث الصلاة.
أحاديث بر الوالدين.
أحاديث الأخلاق.
أحاديث المرأة والأسرة.
أحاديث الفتن والثبات.
فهذه الطريقة تجعل السنة مرتبطة بحياة الطالبة اليومية، فيسهل عليها استحضارها والعمل بها، بدل أن تكون مجرد محفوظات ذهنية.
ولهذا أرى أن أفضل منهج للمبتدئ هو الجمع بين حفظ قدر يسير من الأحاديث الجامعة، مع القراءة اليومية في السيرة، فإن هذا يربي العلم والإيمان والعمل في آن واحد.
وأما اقتراحك بشأن دورات في الروضة، فهو اقتراح طيب، وأسأل الله أن ييسر الأسباب لنشر العلم النافع، وأن يجعل لنا ولكم نصيبًا من قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
وإن شاء الله في خطتنا توفير كل ما ينفع طالبة العلم وطالبة الخير، اللهم يسر وأعن.
وإن بقيت من نصيحة، ف احرصي على أن يكون برنامجك العلمي قابلًا للاستمرار أكثر من حرصك على أن يكون كثيرًا. فساعة يومية تثبتين عليها سنوات، خير من عشر ساعات تتحمسين لها أسبوعًا ثم تنقطعين. والعلم لا يُنال بالاندفاع المؤقت، وإنما بالصبر، والمداومة، والإخلاص، وقد قال النبي ﷺ: “أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل». فمن لازم القليل النافع، بارك الله له فيه، وفتح عليه من العلم والفهم ما لا يفتحه لمن يطلب الكثير دفعة واحدة ثم يتركه.
اللهم أقر عينها بفضائل العلم والعمل.
عندي أختي عمرها ٩ سنين أحاول معها تعلُّم القرآن، ولكن تتكاسل. أحاول أحفظها بعض آيات القرآن وتشغل بالألعاب. كيف أحفزها للصلاة وأحببها بها، وكيف أجعلها تحب القرآن وتعلّق قلبها به؟
الجواب
يا هلا، أسأل الله أن يبارك في حرصك عليها، فإن اهتمامك بتعليم أختك القرآن والصلاة من أعظم أبواب البر، وقد قال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». والطفل في هذا العمر يحتاج إلى الحكمة والصبر أكثر من حاجته إلى كثرة الأوامر.
ولكي تحب أختك القرآن والصلاة لا تجعلي الأمر مرتبطًا دائمًا بالضغط والعتاب، بل اجعليها ترى في القرآن والصلاة شيئًا جميلًا ومصدرًا للسعادة والطمأنينة.
اجعلي وقت القرآن ممتعًا وليس عقوبة: لا تقولي لها: “اتركي اللعب واحفظي القرآن”، بل اجعليها تشعر أن القرآن له وقت خاص جميل، مثل أن تقرآ معًا، أو تجلسي بجانبها، أو تمدحي تقدمها ولو كان قليلًا. ابدئي بالقليل المستمر: ليس المطلوب أن تحفظ صفحات كثيرة. آية واحدة يوميًا مع فهم معناها خير من حفظ كثير مع النفور والملل.
اربطي الآيات بحياتها: إذا حفظت سورة عن الجنة حدثيها عن نعيم الجنة، وإذا حفظت سورة فيها ذكر نعم الله ذكّريها بنعم الله عليها. الطفل يحب المعاني والقصص أكثر من مجرد التلقين. اجعلي لها قدوة: إذا رأتك تحبين القرآن، وتفرحين بسماعه، وتخصصين له وقتًا، فإنها ستتأثر بك أكثر من تأثرها بالكلام. استخدمي التشجيع: كلمة مثل: “أنا فخورة بك لأنك حفظت هذه الآية”، أو مكافأة بسيطة، أو تسجيل تقدمها في جدول، قد تكون سببًا في حماسها.
لا تربطي الصلاة بالخوف فقط: عرّفيها أن الصلاة لقاء مع الله، وأنها فرصة لشكره وسؤاله، وأن المسلم يصلي لأنه يحب الله وليس فقط لأنه يخاف العقوبة. اجعلي الصلاة عائلية: الصلاة مع الأسرة لها أثر كبير، فالطفل يتعلم بالمشاهدة قبل التعليم. شجعيها لتصلي معك جماعة.
ابدئي بالترغيب قبل الترهيب: إذا قصّرت في الصلاة فلا تجعلي كل حديثك معها توبيخًا، بل ذكّريها بعظمة الصلاة في الإسلام وكيف كان يراها الصحابة رضي الله عنهم. علّميها معاني ما تقوله: عندما تعرف معنى الفاتحة، ومعنى السجود، وأنها تناجي الله، ستصبح الصلاة أعمق في قلبها.
لا تحاربي الألعاب بطريقة مفاجئة، فالطفل بطبيعته يحب اللعب، ولكن علّميها التوازن. اجعلي هناك وقت للعب ووقت للقرآن والصلاة. ويمكن أن تقولي لها: “نلعب بعد أن ننهي وردنا من القرآن”، بدل أن يكون القرآن منافسًا للمتعة.
وتذكري أن غرس حب القرآن والصلاة رحلة طويلة، وليست نتيجة يوم أو أسبوع. وقد يكون ما تزرعينه الآن يظهر أثره بعد سنوات. المهم أن يبقى في قلبها ارتباط القرآن بالحب والسكينة والقدوة الحسنة.
وأكثري من الدعاء لها كما دعا إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾. والأهم لا تستلمي، استمري، حتى يأذن الله بالفتح.
والقلب يقبل ويستجيب بالرحمة، والقدوة، والصبر، وكثرة الدعاء، أقر الله عينك بها وعينها بك.
السلام علیکم ورحمة الله وبركاته ما سبب انعدام الشغف المفاجئ من كل شيء، كنت احب هواياتي جدا واستمتع بفعلها ولكن منذ انشغالي بالامتحانات النهائية مع الضغط الشديد لأننا في مرحلة انتقالية مع الاجازة اصبحت لا اريد اي شيء، اتمنى ولكن لا استطيع… كانت لدي خطط جميلة جدا للعطلة ومتحمسة لها لكن الآن اشعر بأنعدام شغف تام من أي شيء. وايضا؛ ما سبب الانتكاسة؟
الجواب
عليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
حياك الله وبارك بك،
ما تصفينه من انعدام الشغف المفاجئ بعد فترة ضغط طويلة أمر يمر به كثير من الناس، ولا يعني بالضرورة أن الإنسان فقد حبه لما كان يحبه أو أن شخصيته تغيرت، بل غالبًا يكون نتيجة طبيعية لما يحدث للنفس والجسد بعد بذل طاقة كبيرة لفترة طويلة.
فمرحلة الامتحانات النهائية خصوصًا إذا كانت مرحلة انتقالية تحمل معها خوفًا من المستقبل، وضغطًا في الدراسة، وكثرة التفكير، تجعل الإنسان يعيش فترة طويلة في حالة استنفار نفسي وعقلي؛ يكون فيها التركيز منصبًا على الإنجاز والنجاة من المرحلة، حتى إذا انتهت الضغوط قد لا ينتقل الإنسان مباشرة إلى الفرح والحماس، بل يشعر كأنه فارغ من الداخل، متعب، لا يريد شيئًا.
يشبه الأمر شخصًا كان يجري مسافة طويلة، فعندما يصل إلى النهاية لا يركض فرحًا مباشرة، بل يحتاج إلى أن يلتقط أنفاسه ويستعيد طاقته.
ومن أسباب ذلك أيضًا:
الإرهاق النفسي المتراكم: فأحيانًا لا يظهر التعب أثناء الضغط؛ لأن الإنسان يكون مشغولًا بالواجبات، لكن بعد انتهاء السبب الذي كان يدفعه يظهر التعب على صورة فتور وفقدان رغبة.
الانتقال المفاجئ من نظام صارم إلى فراغ واسع: كنتِ في فترة لها جدول واضح: دراسة، مراجعة، اختبارات، أهداف محددة. ثم جاءت الإجازة فجأة، فأصبح هناك وقت كبير بلا نظام، فيشعر العقل بالضياع، حتى لو كانت هناك خطط جميلة.
التوقعات العالية: أحيانًا نرسم للإجازة صورة مثالية جدًا: سأقرأ، وأتعلم، وأمارس هواياتي، وأنجز أشياء كثيرة… ثم عندما تأتي الإجازة لا نجد الطاقة نفسها، فنشعر بالإحباط، مع أن المشكلة ليست في الإجازة، وإنما في أننا توقعنا من أنفسنا أكثر مما تحتمله بعد فترة إنهاك.
الحاجة إلى الراحة لا إلى مزيد من الإنجاز: قد يكون الإنسان يظن أنه فقد الشغف، بينما هو في الحقيقة يحتاج إلى فترة استشفاء. فالنفس لها طاقة، وإذا استُنزفت تحتاج إلى أن تُملأ من جديد.
أما عن سبب الانتكاسة، فالانتكاسة لها صور كثيرة، وليس كل فتور انتكاسة حقيقية. أحيانًا يكون ما يحدث مجرد هبوط طبيعي بعد مجهود طويل. فالإنسان ليس آلة، بل يتقلب نشاطه وحماسه.
لكن إن كان المقصود بالانتكاسة: ضعف العبادة، أو العودة إلى عادات سيئة، أو فقدان الرغبة في الخير، فهناك أسباب منها:
الإجهاد الشديد؛ فالإنسان إذا تعب جسده ونفسه ضعفت مقاومته.
ترك أسباب الثبات تدريجيًا؛ فالقلب يحتاج إلى غذاء مستمر، وليس فقط دفعات قوية ثم انقطاع.
تحميل النفس فوق طاقتها؛ فقد يبدأ الإنسان بخطط كبيرة جدًا، ثم إذا عجز عنها شعر بالفشل وترك كل شيء.
الاعتماد على الحماس بدل بناء العادات؛ فالحماس يتغير، أما الاستمرار فيحتاج إلى نظام وصبر.
قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾، ومن عجلتنا أننا نريد أن نعود إلى أعلى مستويات النشاط مباشرة، فإذا لم نجد ذلك ظننا أننا ضللنا الطريق، مع أن العودة تحتاج إلى خطوات فقط.
وللتعامل مع هذا الشعور يكون بأن:
لا تضغطي على نفسك لتعودي كما كنتِ في يوم واحد. بل ابدئي بأمور صغيرة جدًا؛ عشر دقائق من هواية تحبينها، أو قراءة صفحات قليلة، أو ترتيب شيء بسيط.
أعيدي بناء جدولك تدريجيًا. فالإجازة لا تعني الفوضى، بل اجعلي فيها قدرًا من النوم المنتظم، والقرآن، والحركة، والإنجازات الصغيرة.
لا تفسري الفتور بأنه فقدان للشغف. فقد يكون شغفك موجودًا لكنه مغطى بطبقة من التعب.
اجعلي لك وقتًا للراحة بلا شعور بالذنب. فالراحة ليست ضد الإنجاز، بل هي مما يعين عليه.
راجعي علاقتك بالله ولا تنتظري أن يأتيك الشعور الجميل حتى تبدئي بالطاعة، بل ابدئي بالطاعة ولو كان القلب ضعيفًا، فالقلب يعود بالحركة كما يعود الجسد بالرياضة.
واعلمي أن القلوب لها إقبال وإدبار، وقد قال النبي ﷺ: “إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ”، أي أن لكل نشاط وقوة فترة ضعف وهدوء، والمهم أن تكون فترة الفتور إلى السنة والاعتدال، لا إلى الترك والانقطاع.
فلا تخافي من هذا الشعور، ولا تبني عليه أحكامًا قاسية على نفسك. ربما أنتِ لا تحتاجين إلى البحث عن شغف جديد، بل تحتاجين إلى أن تستعيدي نفسك بعد مرحلة طويلة من الضغط. ابدئي بخطوات بسيطة، ومع الوقت سيعود الحماس بإذن الله.
كيف يُميز الإنسان بين الهروب النفسى والهجره لله ورسوله صلى لله عليه وسلم ؟
حياك الله وبارك بك،
الهروب النفسي والهجرة إلى الله قد يتشابهان في الصورة الخارجية؛ فكلاهما قد يدفع الإنسان إلى ترك مكان أو أشخاص أو أعمال، لكنهما يختلفان اختلافًا كبيرًا في الدافع، والطريقة، والنتيجة.
فالهجرة إلى الله هي أن يترك الإنسان ما يبعده عن ربه إلى ما يقربه منه، سواء كان ذلك ذنبًا، أو بيئة فاسدة، أو صحبة سيئة، أو عملًا محرمًا، أو بلدًا لا يستطيع فيه إقامة دينه إذا وجد القدرة على الانتقال. قال النبي ﷺ: “والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه”.
فالمهاجر لا يهرب من المسؤولية، وإنما ينتقل إلى ما يرضي الله، ويكون قصده طلب رضا الله، وحفظ دينه، وإصلاح قلبه، حتى لو كانت الهجرة فيها مشقة وتضحية.
أما الهروب النفسي فهو أن يفر الإنسان من مواجهة واقع أو مشكلة أو مسؤولية أو ألم داخلي، دون أن يسعى إلى علاج السبب الحقيقي. فقد يترك الدراسة، أو العمل، أو العلاقات، أو الدعوة، أو حتى يكثر من العزلة؛ لا لأنه أقرب إلى الله، وإنما لأنه لم يعد يحتمل الضغوط أو الفشل أو المواجهة.
وقد يظن بعض الناس أن كل انسحاب عبادة، مع أنه قد يكون مجرد راحة مؤقتة تؤجل المشكلة ولا تعالجها.
كيف يميز الإنسان بينهما؟
اسألي نفسك هذه الأسئلة:
لماذا أترك هذا الأمر؟
إن كان الجواب: “لأن الله لا يرضى به، أو لأنه يضعف ديني”، فهذا أقرب إلى الهجرة.
وإن كان: “لأنني لا أريد أن أواجه الواقع، أو أخشى النقد، أو أريد التخلص من الضغوط”، فهذا أقرب إلى الهروب النفسي.
إلى أين أنتقل؟
فالهجرة تكون انتقالًا من باطل إلى حق، ومن غفلة إلى طاعة، ومن معصية إلى استقامة.
أما الهروب فقد يكون انتقالًا من مشكلة إلى أخرى دون إصلاح.
هل أصبحت بعد هذا القرار أقرب إلى الله وأقوم بحقوقي؟
فالهجرة تزيد الإيمان، والانضباط، وتحمل المسؤولية.
أما الهروب فيورث مزيدًا من العجز، وتأجيل الواجبات، وتراكم المشكلات.
هل أترك أمرًا أوجب الله عليَّ القيام به؟
فلا يجوز أن يسمي الإنسان ترك بر الوالدين، أو النفقة الواجبة، أو طلب الرزق، أو أداء الأمانات “هجرة إلى الله”، لأن الله لا يُتقرَّب إليه بترك ما أوجب.
ثم نعم قد يجتمع الأمران
فأحيانًا لا يكون الأمر أبيض أو أسود؛ فقد يبدأ الإنسان بالابتعاد عن بيئة مؤذية لأنه مرهق نفسيًا، ثم يحتسب ذلك لله ويجعل انتقاله وسيلة للإصلاح، فيتحول إلى هجرة صالحة. وقد يبدأ بخير، ثم يختلط عليه الأمر فيصبح انسحابه هروبًا من التكاليف.
لذلك كان ميزان الإسلام هو الإخلاص مع موافقة الشرع؛ فليست النية الصالحة وحدها كافية، ولا الصورة الظاهرة وحدها كافية، بل لا بد أن يكون العمل موافقًا لما يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
والقاعدة الجامعة هي: أن الهجرة إلى الله تُعينك على القيام بما أمرك الله به، أما الهروب النفسي فيُبعدك عن مواجهة ما كلّفك الله به. فكل قرار يقربك من الطاعة، ويحفظ دينك، ويزيدك صدقًا وصبرًا ومسؤولية، فهو من الهجرة إلى الله، وكل قرار يدفعك إلى الفرار من الواجبات دون علاج صحيح، فهو أقرب إلى الهروب النفسي، ولو لبس صاحبه لباس التدين.
جعلنا الله وإياكن مهاجرات لله مخلصات لله.
السلام علیکم أحسن الله إليكم أستاذتي ما المُتَّبع في مسائل الحيض؟ أنا قد قرأت أنه عند الحنابلة أكثر الحيض 15 يومًا وما بعده استحاضة، لكن قيل لي أنه لو كان حيضي المعتاد 7 أيام وجاءني 10 أيام فما بعد العشرة أعدها استحاضة، أهذا الأمر صحيح؟
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بارك الله فيك، ووفقك.
المرأة لا تنتقل إلى الاستحاضة بمجرد أن زادت عادتها المعتادة، وإنما يُنظر إلى الدم نفسه وإلى حال المرأة، فإن قالت: “كانت عادتي سبعة أيام فمتى أحسب الدم الزائد استحاضة”، وجب التفصيل في الإجابة.
إذا كان الدم كله بصفات دم الحيض، ولم يتجاوز خمسة عشر يومًا فالأصل أنه يعد حيضًا كله عند جمهور الفقهاء، ومنهم الحنابلة، لأن أكثر مدة الحيض عندهم خمسة عشر يومًا.
فمن كانت عادتها سبعة أيام، ثم جاءها الحيض هذه المرة عشرة أيام، وكان الدم مستمرًا بصفات الحيض، فإن العشرة كلها حيض، ولا يلزمها أن تجعل ما زاد على عادتها استحاضة.
أما إذا تجاوز الدم خمسة عشر يومًا فهنا تكون المرأة مستحاضة،
فإذا كانت عادتك سبعة أيام، ثم نزل الدم عشرة أيام ثم انقطع، ولم يتجاوز خمسة عشر يومًا، فالأصل أن العشرة كلها حيض، وليس صحيحًا أن الأيام الثامن والتاسع والعاشر تعد استحاضة لمجرد أنها زادت على عادتك أو أن ما بعد العاشر يعد استحاضة، بل بعد الخامس عشر يعد استحاضة.
وهكذا إذا استمر الدم حتى تجاوز خمسة عشر يومًا، فحينئذ تدخل أحكام الاستحاضة، ويكون الرجوع إلى العادة أو التمييز بحسب حال المرأة.
أكثر مدة يستمر فيها نزول الحيض هي خمسة عشر يوما عند الحنابلة والمالكية والشافعية. وخالفهم في ذلك الحنفية فقالوا أكثره عشرة أيام.
والله أعلم.
السلام علیکم ورحمة الله وبركاتة حياك الله يا دكتورة هل سبق وتكلمتي عن الانجازات الصغيرة الي هي بتصنع فرق بالمستقبل، انا اكثر شي اعاني منه اني ما اقدر اي انجاز صغير سويتة، وعندي وهم کمال اني لازم اول ما ابدا شي معين اكون متقنه له كيف اتخلص من هالشي وابدا أقدر كل إنجاز سويته.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، نعم في بعض المقامات، ومنها دروس المهارات للفتيات،
ولعل سؤالك من أكثر الأسئلة المهمة؛ لأن كثيرًا من الناس لا يفشلون بسبب قلة القدرات، وإنما بسبب طريقة نظرهم إلى الإنجاز.
ما تصفينه يسمى في علم النفس “النزعة الكمالية” وهي ليست حب الإتقان الذي حث عليه الإسلام، وإنما هي أن يربط الإنسان قيمة عمله بالكمال، فإن لم يكن كاملًا رآه بلا قيمة. وهذه من أكبر معوقات الإنجاز.
تقولين: “لا أقدر أي إنجاز صغير، وأشعر أنني يجب أن أتقن الشيء من أول مرة.” والحقيقة أن هذا وهمٌ يخالف سنة الله في الكون.
فالله سبحانه لم يخلق الإنسان كاملًا من أول يوم، وإنما خلقه ينمو بالتدرج. الطفل لا يولد يمشي، ولا يتعلم اللغة في يوم، ولا يحفظ القرآن في أسبوع، ولا يصبح العالم عالمًا من أول درس. بل جعل الله الكون قائمًا على التدرج.
ولهذا قال النبي ﷺ: “أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل”. فلم يقل: أكثرها، ولا أعظمها، وإنما أحبها ما كان مستمرًا، ولو كان قليلًا.
فالفرق بين الشخص الناجح وغيره ليس أن الناجح يقوم بقفزات هائلة، وإنما أنه يحترم الخطوات الصغيرة ولا يحتقرها.
تأملي في بناء بيت؛ هل يستهزئ أحد بالطوبة الواحدة؟ لو نزعنا كل طوبة بحجة أنها صغيرة، فلن يُبنى البيت أبدًا. وكذلك حياتك، كل صفحة قرأتها، وكل آية حفظتها، وكل مهارة تعلمتها، وكل مرة قاومتِ فيها الكسل، هي طوبة في بناء شخصيتك، وإن لم تشعري بها اليوم. وحتى إخفاقاتك حين تستدركينها وتعرفينها فهي لبنة بناء لما هو آت.
أما الكمالية فكأنها تقول لك: إذا لم تحفظي الجزء كاملًا فلا تحفظي شيئًا. إذا لم تتمرني ساعة فلا تتمرني أصلًا. إذا لم يكن المنتج ممتازًا فلا تنشريه. إذا أخطأتِ في البداية فأنتِ لا تصلحين لهذا المجال.
وهذه ليست دعوة إلى الإتقان، بل دعوة مقنعة إلى ترك العمل.
والعجيب أن الكمالية كثيرًا ما تكون نوعًا من الخوف؛ فالإنسان لا يخاف من الفشل فقط، بل يخاف أن يبدو مبتدئًا. فيؤجل البداية حتى يصبح مستعدًا، ولن يأتي ذلك اليوم أبدًا.
اسألي نفسك: هل تتوقعين من طفل في أول يوم من المدرسة أن يكتب بخط جميل؟ لا. فلماذا تطلبين من نفسك أن تكوني محترفة في أول تجربة؟
اعلمي أن كل شخص تتقنين عمله اليوم، قد مر بمرحلة كان فيها ضعيفًا جدًا، لكنه لم يحتقر بداياته.
ومن الأمور التي تساعدك عمليًا: لا تسألي بعد كل يوم: هل وصلت؟ بل اسألي: هل تقدمت خطوة؟ تذكري أن القيام بالواجب أهم من كمال الواجب، حين لا يكون الوقت في صالحك، وقد تخسرين اللحظة ولا ترجع أبدا! وتذكري قول الله تعالى “ما استطعتم”. قارني نفسك بنفسك قبل شهر أو سنة، لا بالمتقنين بعد عشر سنوات من الممارسة. اعتني بالالتزام قبل النتيجة؛ فالالتزام هو الذي يصنع النتائج، وهو حقيقة الإنجاز. اسمحي لنفسك أن تكوني مبتدئة، فليس عيبًا أن تبدأي ضعيفة، وإنما العيب أن يمنعك الخوف من البداية.
ابعدي عن ذهنك أن الناس يقيمون عملك أو ينظرون إليه، تذكري أنك تتعاملين مع الله جل جلاله. فأقبلي ولا تتكلفي.
لا تحتقري الإنجاز الصغير؛ فإن الجبال من الحصى، والبحار من القطرات، وحفظ القرآن من آية بعد آية، والعلم من مسألة بعد مسألة، والأمة العظيمة لم تُبنَ في يوم واحد.
فإذا استطعتِ أن تغيّري نظرتك من “يجب أن أصل إلى الكمال” إلى “يكفيني أن أتقدم خطوة اليوم”، فستجدين أن الإنجاز لم يعد عبئًا، بل أصبح رحلة ممتعة، وستكتشفين بعد سنوات أن تلك الخطوات الصغيرة التي كنتِ تستصغرينها هي التي صنعت الفرق الكبير في حياتك.
يجب أن تغيري نظرتك لمفهوم الإنجاز،
وإن شئت الصدق، فلعل تلك الخطوة التي تعثرت فيها، وعشت فيها معاني افتقارك لله لهي أرجى أعمالك وأنجاها لك عند الله عز وجل، فنحن نتقدم بضعفنا وتوكلنا على ربنا، واستعانتنا به سبحانه وليس “ببطولتنا” أبدا!
واعلمي أن المبادرة والسعي بقدر الاستطاعة هي حقيقة لذة الإنجاز وهي التي تفتح لك أبواب البركات والفتوحات، وهي التي توصلك للإتقان، وليس التردد أبدا ولا وهم الكمال، فأحسني الظن بالله تعالى.
وفقك الله لمعايشة معاني العبودية لله في كل ما تذهبين إليه من أعمال.
السلام عليكم، من فضلك كتبتي هذه:
((عندما أتأمل حجم الأعمال التي على الأم القيام بها في ميدان التربية، وأنظر في واقع
يختزل كل هذه العظمة في مجرد رعاية بتقديم الطعام والثياب، أدرك كم أن الأم
مغيبة عن مشروعها الأهم، وهو صناعة الأجيال الأفضل تمثيلاً للإسلام، الأم مربية
وهي أكثر مهنة تتطلب تفرغاً وتركيزاً وتخطيطاً. لا مزاحمة))
سؤالي ، كيف السبيل الي هذا التفريغ و ترکیز و تخیطیط ؟؟
لدي ثلاثة اولاد صغار لا الحق معاهم على شي غير الاكل و النوم طول اليوم بركض وراء
شغل البيت و طلباتهم تعبت من هذا الامر لا اعرف من اين ابدأ ؟؟ ما شيء الذي يجب
ان يتغير ؟؟ حتي اصنع جيل يمثل الاسلام؟؟
جزاك الله خيراً
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. بارك الله بك، وجزاك خيرًا على هذا السؤال، فهو في الحقيقة بداية الطريق؛ لأن الأم التي تسأل: “كيف أربي؟” قد قطعت شوطًا قبل من لا يرى أن التربية أصلًا مشروع ورسالة.
أول ما أود أن أطمئنك إليه هو: لا تظني أن التربية تعني أن تجلسي كل يوم ساعات تعلمين أبناءك، أو أن يكون لديك برنامج معقد مليء بالجداول. هذا تصور يرهق كثيرًا من الأمهات.
التربية ليست ساعة في اليوم، بل هي أسلوب حياة.
فالطفل لا يتربى فقط عندما تفتحين كتابًا، وإنما يتربى وهو يراك تصلين، ويستمع إلى كلامك، ويرى طريقة تعاملك مع والده، ويشاهد كيف تغضبين وكيف تعتذرين، وكيف تفرحين بالطاعة، وكيف تتعاملين مع المال والضيوف والقرآن والناس.
ولهذا فإن أول ما ينبغي أن يتغير ليس جدولك، وإنما نظرتك إلى أعمالك اليومية.
فأنت تقولين: “كل يومي طبخ وتنظيف وإطعام.” وأنا أقول: من قال إن التربية منفصلة عن هذه الأعمال؟
عندما تقولين لطفلك: “سمِّ الله قبل الطعام”، فهذا تربية. وعندما تعودينه أن يحمد الله بعد الأكل، فهذا تربية. وعندما تطلبين منه أن يعيد لعبته إلى مكانها، فهذا تربية. وعندما تمنعينه من الكذب ولو في أمر صغير، فهذا تربية. وعندما يسمعك تذكرين الله أثناء عملك في البيت، فهذا تربية. وعندما يرى منك الصبر عند التعب، فهذا تربية. وعندما يراك تخدمينهم بتفانٍ وحب! فهذه تربية. وعندما تشرحين له ما تفعلين وتربطينه بعبادة التفكر، فهذه تربية.
إذن لا تحتقري هذه المواقف، فهي التي تصنع الشخصية أكثر من كثرة الدروس والمحاضرات.
ثم اعلمي أن التربية ليست أن تفعلي كل شيء بنفسك، بل من التربية أن تعلمي أبناءك أن يشاركوا. كثير من الأمهات تحمل عن أطفالها كل الأعمال، ثم تشكو أنها لا تجد وقتًا للتربية، بينما التربية نفسها تقتضي أن يتحمل الطفل -بحسب عمره- مسؤوليات تناسبه؛ فيرتب ألعابه، ويضع ثوبه في مكانه، ويساعد في ترتيب السفرة، ويعتاد خدمة نفسه شيئًا فشيئًا. قد يكون هذا في البداية أبطأ من أن تقومي به بنفسك، لكنه بعد أشهر يوفر عليك وقتًا، والأهم أنه يبني شخصية مسؤولة.
وأما سؤالك: “من أين أبدأ؟” فأنصحك ألا تبدئي بعشرين هدفًا، بل اختاري هدفًا تربويًا واحدًا لكل شهر أو شهرين. مثلًا: • هذا الشهر نركز على الصدق. • ثم الشهر القادم على المحافظة على الصلاة. • ثم على آداب الكلام. • ثم على حب القرآن.
واجعلي هذا الهدف حاضرًا في مواقف اليوم كلها، لا في درس رسمي فقط.
ومن الأخطاء الشائعة أن تنشغل الأم بكثرة المعلومات التربوية، بينما أبناؤها يحتاجون إلى القدوة أكثر من الخطب. فالطفل لا يتذكر غالبًا ما قلته له، لكنه يتذكر كيف كنتِ تعيشين. ولا تنسي أن من أعظم وسائل التربية الجو الإيماني داخل البيت.
بيت يسمع فيه القرآن، وتقام فيه الصلاة، ويذكر فيه اسم الله، وتكثر فيه كلمات الشكر والدعاء، ويُرى فيه حب الخير، ودفء الأم، هو بيت يتشرب أطفاله الإيمان قبل أن يفهموا كثيرًا من المعاني.
ثم أريد أن أصحح فكرة قد تُتعب كثيرًا من الأمهات، وهي أنهن يظنن أن تربية جيل يحمل الإسلام تعني صناعة طفل خارق.
ليس هذا هو المطلوب.
بل المطلوب أن تخرجي للمجتمع ولدًا يعرف ربه، ويحب الصلاة والقرآن، ويصدق في كلامه، ويحترم الناس، ويغض بصره، ويعظم الحلال والحرام، ويكون نافعًا حيثما كان. فإذا فعلتِ ذلك فقد ساهمتِ في صناعة جيل يمثل الإسلام.
لا تقيسي نجاحك بما أنجزتِ اليوم، بل بما تزرعينه على مدى السنوات.
فالأم تشبه الفلاح؛ يغرس البذرة، ويسقيها كل يوم، ولا يقف كل صباح ليبحث عن الثمرة، لأنه يعلم أن السنن الربانية تقتضي وقتًا وصبرًا. وكذلك التربية؛ قد تظنين أن كلماتك ذهبت أدراج الرياح، ثم ترين أثرها بعد عشر سنوات، وربما بعد أن يكبر أبناؤك ويصبح لهم أبناء.
فلا تحتقري المعروف الصغير، ولا تيأسي من بطء النتائج، ولا تظني أن انشغالك بإعداد الطعام، أو تنظيف البيت، أو رعاية الصغار، يبعدك عن رسالتك. إذا احتسبتِ ذلك عند الله، وربطتِ كل عمل بقيمة إيمانية وتربوية، فإن بيتك كله يتحول إلى مدرسة، ويصبح يومك كله تربية، لا مجرد أعمال منزلية.
وتذكري دائمًا أن الأجيال العظيمة لم تُصنع بالأوامر الكثيرة، وإنما صُنعت ببيتٍ امتلأ بالإيمان، وأمٍّ صابرةٍ ربت أبناءها على المعاني قبل المظاهر، وعلى القدوة قبل الكلام. فابدئي بما تستطيعين، وداومي عليه، ولا تحملي نفسك ما لا تطيق، فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.
وصدقيني، مجلس واحد ولو من 10 دقائق، يرسخ معاني الإيمان والأخلاق في قلب صغارك مع يوم عامر بالحب والتعاون والصبر، بذكر الله تعالى لهو أجدى من كثير من برامج التعليم المثقلة التي ينفر منها الطفل ولا يتعلم شيئا! فحفي نفسك وحفيهم بالدعاء واستعيني بالله ولا تعجزي، وعيشي معاني العبودية لله تعالى في كل ما تفعلين وما تبذلين.
كيف ننشأ جيل يحمد الله ويتفكر في نعمة، خاصةً ان احنا في زمن الهواتف ورؤية بعض اليوميات للمشاهير حتى إن بعض الأطفال الله المستعان يقولون ليش حياتنا ليست كحياتهم لم لا نملك مثل ما يملكون، مع أن هؤلاء الأطفال يعيشون في حياة يتوفر بها الكثير من الأشياء، كيف نصنع الوعي في نفوسهم أن هؤلاء المشاهير حياتهم ناقصة وأن هناك شيء ينقصهم ، وليس كما يظهرون لنا، بل كيف نربي الأطفال على أنهم يملكون الكثير، كيف نجعلهم يقدرون نعم الله ويشكرون الله عليها ولا يحسدون أحد بل يقدرون ما بأيديهم.
الجواب
حياك الله وبارك بك، هذا السؤال من أكثر ما تطرحه الأمهات في زماننا؛ لأن المشكلة لم تعد أن الطفل فقير، بل أصبحت أن الطفل يقارن نفسه طوال الوقت. والمقارنة المستمرة هي من أكبر أسباب زوال الرضا، ولو عاش الإنسان في أعظم النعم. قديمًا كان الطفل يقارن نفسه بأهل حيه أو أقاربه، أما اليوم فهو يقارن نفسه بأغنى الناس في العالم، وبالمشاهير الذين يعرضون أجمل دقائق حياتهم، ويخفون ما سواها. فمن الطبيعي أن يشعر بالنقص إذا لم نحصنه. وأول ما ينبغي أن يدركه الآباء والأمهات هو أن الامتنان لا يولد تلقائيًا، بل يُربى عليه. فالطفل لا يعرف أن الكهرباء نعمة، ولا أن الأمن نعمة، ولا أن وجود أب وأم نعمة، ولا أن الصحة نعمة، حتى نلفت نظره إليها. ولذلك كان القرآن مليئًا بتذكير الناس بالنعم؛ لأن النفس تعتاد النعمة حتى تنساها. ولهذا لا يكفي أن نقول للطفل: “احمد الله.” بل نعلمه لماذا يحمد الله. فإذا جلس على الطعام، لا يكون الحديث فقط: “كل بيمينك”، بل نقول: هل تعلم أن هناك أطفالًا ينامون اليوم بلا عشاء؟ انظر كيف رزقنا الله هذا الطعام. وإذا شرب ماءً باردًا نقول: تخيل لو انقطع الماء أسبوعًا، كم ستكون الحياة صعبة؟ وإذا نام في سريره، نذكره أن هناك من ينام في الخيام أو في المستشفيات أو في أماكن النزوح. وليس المقصود أن يعيش الطفل في الحزن، وإنما أن يرى النعمة التي اعتادها. ومن أعظم الأخطاء أن تكون تربية الأبناء قائمة على تلبية كل رغبة. فالطفل الذي يحصل على كل ما يشتهي، لا يتعلم قيمة الأشياء، بل يظن أن الحرمان ظلم، وأن الزيادة حق مكتسب. لذلك ليس من الخطأ أن يسمع أحيانًا كلمة: “ليس الآن”، أو “لا نحتاج هذا”، أو “لدينا ما يكفينا”. فهذا يربي في نفسه القناعة، ويعلمه أن الإنسان لا يقاس بما يملك. أما عن المشاهير، فلا يكفي أن نقول للطفل: “لا تنظر إليهم”، لأنهم سيبقون أمامه في كل مكان، ولكن علميه أن وسائل التواصل لا تعرض الحياة، وإنما تعرض اللحظات التي يريد أصحابها أن يروها للناس. واضربي أمثلة واقعية يهضمها عقله وتترسخ في وعيه: هل رأيت أحدًا يصور لحظة مرضه؟ أو خلافه مع أهله؟ أو بكاءه؟ أو ديونه؟ أو وحدته؟ الناس تعرض أجمل دقيقة من يومها، ثم يظن المشاهد أنها حياتهم كلها. بل علميه حقيقة مهمة: ليس كل من كثر ماله سعد، ولا كل مشهور مطمئن القلب. كم من إنسان يملك المال والشهرة، لكنه يعيش قلقًا، أو اضطرابًا، أو انهيارًا أسريًا، أو فقد معنى الحياة. والسعادة ليست شيئًا يُشترى، وإنما هي نعمة يقذفها الله في القلب بالإيمان والرضا. لكن انتبهي أيضًا إلى أمر مهم: لا ينبغي أن نربي أبناءنا على احتقار الأغنياء أو اتهام كل مشهور بأنه تعيس؛ فهذا ليس صحيحًا ولا عدلًا. فقد يكون في الناس من أنعم الله عليه بالمال والشهرة وهو شاكر صالح. وإنما نربي أبناءنا على أن المال نعمة من نعم الله، لكنه ليس مقياس قيمة الإنسان ولا سببًا مضمونًا للسعادة. ومن الوسائل العملية التي تغرس الشكر:
اجعلوا في البيت عادة يومية أو أسبوعية، يسمي كل فرد فيها ثلاث نعم أنعم الله بها عليه.
عودوا أبناءكم على الدعاء والحمد عند رؤية النعم.
ازرعوا فيهم حب العطاء؛ فالطفل إذا تصدق من ماله، أو شارك في إهداء محتاج، أدرك عمليًا أنه يملك خيرًا كثيرًا.
لا تجعلوا الحديث في البيت يدور دائمًا حول المقتنيات الجديدة، والسيارات، والهواتف، والملابس، لأن الطفل يتعلم من حديث والديه ما يراه مهمًا في الحياة.
أكثروا من الحديث عن نعم الإيمان، والعافية، والأمن، والأسرة، والعلم، فهذه أعظم من كثير من النعم المادية.
لا تجعلوا الحصول على كل شيء سهلا في كل وقت، علموا الأبناء على السعي، مثلا حتى تحصل على هذا الأمر عليك أن تجمع في حصالتك مبلغ شرائه، عليك أن تبذل كي تحصل عليه بالتزام ومواظبة قراءة كتاب نافع وهكذا، ربط الحصول على الشيء بجهد يجعل الطفل يقدر النعمة ويعلم أن ليس كل ما يريده يحصل عليه، وأن للأشياء قيمتها. وهذا أمر نسدد ونقارب فيه.
يرافق ذلك الحذر بشدة من الإسراف وتربية الأبناء على عدم الإسراف والتبذير ورفع قطعة الخبز من الأرض وجمع ما تبقى من الطعام وإعطائه للحيوانات وهكذا، كي ترتبط المعاني لديهم بآيات الله تعالى، وأن الله لا يحب المسرفين!
اهتموا جدا بإحياء ذكر السابقين الأولين والصحابة وسير الزهاد في حياتهم، لينشأوا على حب سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى سير المعاني الإيمانية الجليلة، لأن التربية بدون قدوة صعبة جدا في زمان تتسابق فيه إلى أعينهم أقبح القدوات.
ثم تذكري أن أعظم وسيلة لتربية الطفل على الشكر هي أن يراك أنت شاكرة. إذا كان يسمعك تقولين دائمًا: الحمد لله على بيتنا، الحمد لله على صحتنا، الحمد لله أن جمعنا على هذه المائدة، الحمد لله الذي سخر لنا هذا، ويراك ترددين الأذكار في الصباح والمساء، سيتعلم الحمد لله على نعمة الإسلام، سيتعلم أن الأصل في الحياة هو الامتنان، لا التذمر. وليرتبط هذا المعنى بقول الله عز وجل ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. أما إذا كان يسمع طوال اليوم الشكوى من ضيق المعيشة، أو مقارنة الناس، أو التحسر على ما في أيدي الآخرين، أو اللهث على كل ما يلمع! فسيتربى على أن النقص هو ما يراه، لا النعم التي يعيش فيها. فمن نظر في أمر دنياه إلى من هو فوقه، دام حزنه، ومن نظر إلى من هو دونه، عرف نعمة الله عليه وهذا المعنى هو ما أرشد إليه النبي ﷺ بقوله: “انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم” فإذا تربى الطفل على هذا الميزان، نشأ قلبه متعلقًا بالمنعم سبحانه، لا بما في أيدي الناس، وعرف أن الغنى الحقيقي هو غنى النفس، وأن أعظم ما يملكه الإنسان ليس كثرة المال، وإنما قلب يعرف ربه، ويرضى بقسمه، ويشكر نعمه. ومما يعين على ذلك معايشة هموم الأمة وأحزانها وجعل الطفل يعيش نصيبا من الوعي الذي يبني به أخلاقه، وتعاملاته، وليساهم بالصدقات وتحسس حاجات المساكين، ولا بأس من أن يرى الأيتام وكفالتهم وأن يرى المساكين والصدقة عليهم، وأن يرى بعينه كيف يعيش الكثيرون في حاجة لما أنعم الله به عليه. أخرجوهم إلى الطبيعة إلى المناطق التي يشاهدون فيها الحياة بعيدا عن عدسات الشاشات. أشركوهم في مشاريع تربوية ودعوية، وأيقظوا حس المسؤولية فيهم. والله المعين وبه نستعين. أصلح الله حال المسلمين في كل مكان
السلام علیکم اسأل عن التعلق بلشخص لم يكن بيننا اي كلام ولكن اعجاب متبادل فكثيرا ما افكر فيه وهل تنصحون بالسماع لدكتور عماد رشاد؟!
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. حياك الله وبارك بك،
إذا لم يكن بينكما كلام ولا علاقة، وإنما مجرد إعجاب متبادل، فاعلمي أن كثرة التفكير هي التي تغذي التعلق، لا حقيقة العلاقة. فالإنسان قد يتعلق بصورة ذهنية رسمها في خياله أكثر من تعلقه بشخص يعرفه على حقيقته. وهذا يحدث كثيرا في حالة الاحتياج العاطفي والنفسي وفي حالة الأماني، يتمنى الإنسان لأنه لا يجد. ولو أنه وجد غايته لما مدّ عينيه.
ولهذا لا تسترسلي مع الخواطر، ولا تراقبي أخباره أو تبحثي عنه، فإن القلب يتعلق بما يكرر النظر والتفكير فيه. واشغلي نفسك بما ينفعك من علم، وعبادة، وأعمال يومك، وأكثري من الدعاء أن يصرف الله عنك ما لا خير فيه، وأن يرزقك الزوج الصالح.
وكوني عقلانية فلا قيمة لتعلق بمستحيل أو بعيد، الأفضل أن تنزعي عنك وهم القصة كلها، وترسخي قناعة في ذهنك، إن كان قدرك فسيمضيه الله تعالى وإن لم يكن فلن يجلبه ألف ساعة تفكير! والزواج قدر ورزق وامتحان، فاسألي الله خير الأرزاق والأقدار. وتذكري أن الإعجاب المجرد ليس إثمًا يؤاخذ عليه الإنسان، لكن الاسترسال معه حتى يسيطر على القلب ويشغل الفكر هو الذي ينبغي مجاهدته. أما الدكتور عماد رشاد، فلا أعرفه ولم أطلع على منهجه وتفاصيل طرحه بما يمكنني من التزكية أو التحذير، لذلك لا أستطيع أن أوصي به أو أحكم عليه. والقاعدة عمومًا أن يحرص المسلم على تلقي العلم والتوجيه ممن عُرف بصحة المعتقد، والعلم، والأمانة، وأن يعرض ما يسمعه على الكتاب والسنة وفهم السلف، واجعلي أذنك وعينك فاحصة، وناقدة، ما يقربك من الله على منهج النبي صلى الله عليه وسلم انتفعي به وما يبعدك أو يخالفه لا حاجة لك به. والله الموفق.
السلام علیکم ورحمة الله وبركاته حياكن الله وبياكن دكتورتي الحبيبة لدي بعض الاسئلة الله يكرمك: ٠١ في مرات بمر بيومي شي بعملوا وانا بعقلي بحس هل شي عاملته من قبل مش او مرة او شايفته مابعرف كيف هيك.. وفي احد شرحلي هل امر قال أنه الانسان لمن يكون ببطن أمه ربنا بفرجيه حياته كلها.. عشان هيك بجيه هل احساس هل صحيح هل أمر ؟ . ٠٢ وايضا بفضل الله عم اقرأ كتب مفيدة وبقرأ بتركيز وفهم بس عندما اوقف بنسی فورا شو قرأت مابعرف كيف هيك.. طبعا هو لازم ادون بكناشة الاشياء المهم بس صراحة ماعم اعمل هيك هل عشان هيك مش عم تحفظ الذاكرة الاشياء المهمة؟ ٠٣ ما بعرف كيف بدي اجيب صيغة هل سؤال.. هو انا صراحة عم اشتغل على حالي هلق عشان حابة لمن أكبر واتزوج بنفع اولادي وأربيهن تربية صالحة وبخليهن يمشوا على نهج النبي والصحابة.. لاكن صراحة شفت كذا أم رغم انها أ. شريعة وبتعرف بالدين بنتها مابتكون مثلها يعني اخلاقها مش كثير منيحه الله المستعان.. وانا بصيبني قلق وتفكير هل انا راح يصير هيك معي إذا صرت أم بالمستقبل ولا هوا حسب مربه الام وكيف هي تربي اولادها بطلعوا ؟ ع. ” صوتك عالي” صراحة هل جملة دائما اسمعها بعائلتي رغم اني بحاول دائما اوطي صوتي بس صراحة ما بعرف ما بسيطر على حالي لمن احكي او اعيط اقوم اعلي صوتي وانا شخصيا ما بحس عالي بس الحوالي بقولوا عالي كثيرا وبنصحوني وببهدلوني عشان اوطي صوتي بس عنجد مش عم استحكم بالامر بحس هيك الله خالقني صوتي عالي هههه بعرف بضحك هل سؤال بس حابة تعطيني طريقة او اشي يفيدني عشان احسن اتمالك حالي واوطي صوتي…)
بفكر كثير يعني بأدق التفاصيل ولمن يصير معي شي بضل افكر فيه.. وكمان دائما
بفكر بالمستقبل وشو بده يصير معي.. يعني أكثر شي بتجي الافكار وقت النوم وهيك
ما بحسن انام بضل افكر ساعات لا أحسن انام الله المستعان
بعرف كثرت عليك الاسئلة.. الله يكتب اجرك ويتقبل عملك يا رب
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
حياكِ الله، وبارك فيك، وأسأل الله أن يرزقك العلم النافع والعمل الصالح وييسر أمرك كله يارب.
أسئلتك تدل على حرصك على إصلاح نفسك، وهذا أمر طيب، لكن أنصحك أيضًا ألا تكثري من تحليل كل ما تشعرين به؛ فبعض الفتيات يتعبهن التفكير في أنفسهن أكثر من المشكلات نفسها. فلا تقعي في هذا الفخ.
سؤالك: أشعر أحيانًا أن هذا الموقف مر بي من قبل، فهل صحيح أننا رأينا حياتنا ونحن في بطن أمهاتنا؟
لا، هذا الكلام لا أصل له في الكتاب ولا في السنة، ولا يجوز نسبته إلى الدين بغير دليل.
أما هذا الإحساس بأن الموقف قد حدث من قبل، فهو يحصل عند كثير من الناس، ولا يدل على شيء غيبي، ولا ينبغي الانشغال به أو بناء اعتقادات عليه. وقد يكون من باب الألفة للأمر أو قرب الإحساس. وقد يكون من قوة التفكير والتعمق والتأثر بما حولك. ويبدو لي أنك فتاة مرهفة لذلك لديك قوة إحساس ومشاعر تجعلك تذهبين لأبعد من اللحظة التي أنتِ فيها.
سؤالك: أقرأ بفهم ثم أنسى بسرعة، فما السبب؟
هذا أمر طبيعي إذا لم تراجعي ما قرأت. القراءة وحدها لا تكفي لترسيخ المعلومات.
أنصحك بثلاثة أمور:
دوّني أهم الفوائد ولو في سطرين. وستصبح لديك كناشة فوائد قيّمة.
راجعيها بعد يوم أو يومين وحتى بعد فترة طويلة، ستجدين سعادة وفائدة في ذلك.
حاولي أن تشرحي ما قرأت لشخص آخر أو تكتبيه بأسلوبك. وفكرة نقل ما فهمته جميلة جدا في تثبيت العلم، فاحملي فوائدك وقصيها على من حولك، تنتفعين بتكرارها وينتفعون بما تعلمته.
فالعلم يثبت بالمراجعة والتكرار أكثر من مجرد القراءة.
سؤالك: أخاف أن أكون أمًا صالحة ثم لا يستقيم أولادي.
هذا القلق لا ينبغي أن يسيطر عليك.
التربية سبب عظيم، لكنها ليست السبب الوحيد. فقد كان ابن نوح عليه السلام كافرًا، وكان إبراهيم عليه السلام أبوه مشركًا. وفي المقابل خرج من بيوت فيها تقصير أبناء صالحون. والحقيقة أن الصالح يخرج منه الصالح والطالح، فالأمر فضل من الله تعالى.
إذن عليك أن تؤدي ما أمرك الله به من التربية، والدعاء، والقدوة الحسنة، ثم الأمر كله يرجع إلى الله تعالى. فلا تحملي هم مستقبل لم يأتِ بعد. ولا تزر وازرة وزر أخرى. وأحسني الظن بالله مولاك.
سؤالك: صوتي مرتفع ولا أشعر بذلك، كيف أخفضه؟
إذا كان أكثر من حولك يلاحظ ذلك، فالأغلب أن الملاحظة صحيحة.
والحل يكون بالتدريب:
تعودي أن تتكلمي ببطء لا بسرعة.
خذي نفسًا قبل الرد إذا غضبت أو تحمست. مستحضرة ملاحظتهم.
سجلي صوتك أحيانًا واستمعي إليه، فهذا يساعد على إدراك مستواه.
اجعلي من حولك ينبهونك بكلمة متفق عليها بدل اللوم.
ومع الوقت سيصبح خفض الصوت عادة بإذن الله تعالى، وفي مرحلتك العمرية هذا أمر يحصل كثيرا، ستتعلمين منه بإذن الله.
سؤالك: أعاني من التفكير الزائد، خاصة قبل النوم.
هذه هي أكثر مشكلة تحتاجين إلى علاجها؛ لأنها تؤثر في بقية أمورك.
تذكري أن ليس كل فكرة تستحق التفكير. كثير من الأفكار لا حل لها الآن، وإنما تستنزف طاقتك.
قبل النوم: أغلقي الهاتف بوقت. واقرئي أذكار النوم.
إذا جاءت فكرة عن المستقبل فقولي لنفسك: سأفكر فيها غدًا إن كانت تستحق، ثم لا تسترسلي معها.
اشغلي ذهنك بقراءة شيء يسير من القرآن أو التسبيح حتى يغلبك النوم.
وإن كان التفكير يسبب لك حزنًا شديدًا، أو أرقًا مستمرًا، أو يعطل دراستك وحياتك، فسنحتاج إلى جلسة خاصة معا؛ فالعلاج المبكر خير من ترك المشكلة تكبر.
وأخيرًا، أوصيك بوصية واحدة تجمع هذه الأسئلة كلها: عيشي يومك أكثر مما تعيشين في رأسك.
ولا تكوني مثل كثير من الناس يرهقهم التفكير في الماضي والمستقبل حتى يضيع عليهم الحاضر.
خذي بالأسباب، وأحسني علاقتك بالله، وأدي ما عليك اليوم، ودعي الغد لمن بيده الغد سبحانه. وتذكري قاعدة “ما استطعتم” فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
أسأل الله أن يشرح صدرك، ويبارك في عمرك، ويجعلك زوجة صالحة وأمًا مباركة في مستقبلك يارب أسعد قلبها ودبر لها أمرها.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
دكتورة ليلى هل لديك مقالات عن الخشوع والصلاة؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله وبارك بك، لعل هذا المقال يفيدك الله يرضى عنك
بالاشتراك في النشرة البريدية يصلك جديد الموقع بشكل أسبوعي، حيث يتم نشر مقالات في جانب تربية النفس والأسرة وقضايا الأمة والمرأة والتاريخ والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب المفيدة، فضلا عن عدد من الاستشارات في كافة المواضيع والقضايا التي تهم المسلمين.