استشارات بشأن “الفراغ العاطفي” في روضة المؤمنات.
السلام عليكم
بالمحاضرة ذكر أن الفراغ العاطفي والتعلق نتيجه لعدة أسباب
بس أنا ولا سبب من هذا عندي وعم أتعلق بسرعة؟
يعني هو ما سبب يتخذ كقانون ما؟
طفولتي حلوة كثير وأهلي يقدروني.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله وبارك بك،
حسنا، اللقاء لم يجمع جميع أسباب الفراغ العاطفي لكنه سلط الضوء على أبرزها وأكثرها شيوعا.
ثم كيف جزمت أن لديك حالة تعلق بسبب الفراغ العاطفي؟ نحتاج إلى تشخيص أسباب التعلق لديك، وليست دائما تأتي من الفراغ العاطفي.
فمثلا: حتى لو كان كل من حولك علاقتك بهم جميلة ودافئة، هناك نوع احتياج للمرأة لا يلبيه إلا الزوج، فلو كنت عازبة فهذا مفهوم تماما.
مجرد أن تكوني عازبة هذا سبب كافٍ لأن يقوي حالة التعلق لديك، وهي تزيد بقدر الاحتياج الذي لديك. وتضعف بقدر ضبطك لها.
وفي الخلاصة أينما وجد التعلق، وجد ضعف في القلب، ضعف يدفعك لهذا التعلق. فكيف نعالجه:
أقول: بداية إن كان الفقد من الزواج، فلتتزوجي، الزواج يعف، ويسد الاحتياج النفسي وتستقر وتتزن نفسك معه، ولكن قد يكون هناك عقبات أو قلة فرص أو ظروف، تؤخر هذا المطلب، فحينها نحتاج لوسائل تخفيف آثاره على النفس، وهي كثيرة:
- بداية الانشغال بالطاعات والقرآن والدعاء،
- قطع المؤثرات العاطفية عن نفسك قدر المستطاع، كالروايات العاطفية، المشاهدات العاطفية وغيرها.
- ممارسة الرياضة والتمارين التي تناسب المرأة،
- الابتعاد عن الأطعمة التي تشعرين أنها تؤثر فيك جسديا وعاطفيا.
- الانشغال في وسط علمي أو دعوي وإقامة صداقات عامة متعددة حتى كي تنتشر اهتماماتك وتفقدي التركيز على شيء واحد هو التعلق.
ومع كل ذلك استمري في البحث عن أسباب الزواج، كإقامة علاقات مع أهل الفضل والعلم يدلون عليك.
ماذا لو كانت المرأة بالأساس متزوجة؟ ويحصل لها نوع تعلق؟ بغير زوجها، صديقة مثلا؟ نعم يحصل، خاصة إن لم يكن الزواج يلبي احتياجاتها، هنا عليها أن تركز على قطع التعلق بالأشخاص وجمع أسباب محبة الله تعالى كي يسكن قلبها ولا يتعلق بغير الله تعالى.
كنت تحدثت عن هذه الحالة في أحدى الاستشارات هنا:
التعلق المؤذي بين الصديقات .. ما أسبابه وكيف نعالجه؟
تبقى حالة أخرى وهي التعلق لطبيعة النفس والشخصية، شخصية اعتادت على أن تتعلق، وهذه يجب لها جهد وتربية على التطبع بطبع الاستغناء، عودي نفسك النشاطات الجماعية، العمل التطوعي الخروج من نمط تفكير واحد، المطالعة النافعة، التركيز على الطاعات بشكل أكثر. وخاصة القرآن، اجعلي لك علاقة أكثر متانة واستمرارية.
والدعاء يحفك، ويحف قلبك ويكفيك كل هم ويصرف عنك كل سوء.
وفقك الله وألهمك أسباب محبته والسعادة بها.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا مُعلمات، بارك الله فيكن وجزاكن الله خيراً، وفتح عليكن أبواب الخير والبركة.
أود أن أطرح ثلاثة أسئلة:
السؤال الأول:
كيف يستطيع الإنسان أن يميّز بين العاطفة الصادقة والحب الحقيقي الذي يُغذّي الرحمة والارتباط على أساس الفطرة والميثاق الغليظ، وبين الهشاشة النفسية التي تنشأ من الخوف أو الاضطراب الداخلي والتعلقات المحرّمة، حتى يتجلّى الحق ويظهر الأساس العهدي الذي يمنح الطمأنينة والثبات، خصوصاً في العلاقة الزوجية بعيداً عن التشويش ؟
السؤال الثاني
كيف يستطيع الإنسان أن يعرف إن كان هو والطرف الآخر مناسبين لبعضهما، بحيث يقوم الارتباط على أساس الفطرة السليمة والميثاق الغليظ، ويُبنى على التوافق في القيم والرحمة والسكينة، لا على مجرد العاطفة العابرة أو التعلقات التي قد تحمل ضعفاً أو اضطراباً داخلياً؟
السؤال الثالث (مرتبط بمحاضرة منظومة الحياء)
كيف تستطيع المرأة بعد التخرج أن توازن بين رغبتها في الحفاظ على حيائها وكرامتها، وبين توقعات الأسرة والمجتمع فيما يخص العمل، بحيث تختار طريقاً عملياً يحفظ قيمها ويحقق لها الاستقرار؟
جزاكم الله خيراً، وشكر الله سعيكن.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله وبارك بك ومرحبا بك.
سؤالك أخية يتعلق بجذر الاضطراب في العلاقات: متى يكون ما نشعر به حبا صادقا حقيقيا، ومتى يكون تعلقا هشا متخفيا في صورة عاطفة؟
والتمييز بينهما لا يعتمد على مجرد الشعور وماهيته، بل على عدة عوامل.
بداية: ما مصدر هذا الشعور؟
المشاعر الصادقة تتولد في لحظة صفاء من حالة سكينة واستقرار نفسي، وليس استثناء أو خوف.
فهل هي مستمرة في حالة الفراغ أو حالة الامتلاء، لا يتغير شعورك.
هل هي متوفرة في حالة الاكتفاء والاحتياج، لا تتبدل.
هل تأتي من اختيارك الواعي الذي تطمئنين له لا من حالة هروب وفرار من واقع يؤلمك.
أما الهشاشة النفسية والتعلّق فتنشأ من خوف الفقد أو جوع عاطفي قديم أو اضطراب هوية أو حاجة لإثبات القيمة عبر الآخر.
فكل ما يأتي من الخوفٍ يخرج بالقلق، وكل ما يأتي من الطمأنينة، يخرج بقناعة ورضا.
والآن بعد أن نفحص مصدر هذا الشعور، نفحص ماذا يصنع هذا الشعور فيك؟
فالحب الصادق الطبيعي، يجعلك متزنة ومستقرة نفسيا، يجعلك أكثر سعة صدر لا تشعرين بضغط نفسي، يجعلك أكثر قدرة على الوفاء لواجباتك، تصبحين معه أكثر صبرا وتحملا للمسؤولية والمشاق.
على عكس التعلّق الهشّ، يستنزفك فكريا ونفسيا، يجعلك مهووسة بالتفاعلات والردود والكلمات، يربط قيمتك بالآخر، وما يقرره عنك، يثير مشاعر غيرة مرضية غير سوية، والشك والخوف والتوجس.
فالفرق كبير بينهما، الحب غير التعلق والفرق بينهما في حالة الاتزان وحالة الاضطراب.
نأتي بعد ذلك إلى سؤال: هل لهذا الشعور ضابط أم هو منفلت؟
فالحب السوي الطبيعي، يحترم الحدود الشرعية، لا يطلب ما حرّم الله تعالى ولا يتعدى حدوده، ولا يهتك الستر في الخلوات، لا يحتاج لمعصية! لأنه حب في الله تعالى لا مع الله تعالى! فهو يحب لك الخير يحب لك ما فيه خير لك، لا يحب لك ما يؤذيك أو يبعدك عن الله جل جلاله. بينما التعلق يتغذى على المحرم، فيبرّر التجاوز باسم المشاعر ويرى الحدود عائقًا لا حماية ويخلط بين اللذة والرحمة.
فما لا يصبر أمام الحدود الشرعية ليس حبا، بل شهوة وتعلق مرضي.
بعد هذا ننظر هل الأمر يستمر أو ينقطع؟ هل يبقى مع الزمن أم ينهار؟
الحبّ الحقيقي الصادق، يبقى، قد يتبدل شكله لكنه لا يزول، يمر بفتور لكن لا يموت، ينمو بالعشرة ويزداد بالحياة معا، يحتمل محطات الخلاف بل يزداد بعدها. يعطي شعور أمان في العلاقة، فهي مبنية على ثقة وقاعدة متينة لا تهتز.
أما الهشاشة فتشتعل بسرعة وتخبو أسرع، تحب جدا وتمل بسرعة!! تحتاج جرعات مستمرة من الإثارة، تنهار عند أول خيبة ولا تحتمل الواقع اليومي وما لا يحتمل الأيام ولا يصمد مع التداول والتغيرات فلا يصلح أن يبنى عليه عهد.
ننظر كذلك في النية والمقصد، لماذا أريده في حياتي؟ اسألي نفسك بصدق:
هل أريده شريك في حياتي حقا أم مجرد مسكّن لأوجاعي وما ينقصني؟
هل أنا معه على المنح والمحن؟ أم مجرد وقت احتياج؟
هل أبحث فيه عن سكن أو تعويض نقص فقط؟
أراه أمانة وله حقوقه واحترامه أم ملكية أدوس على حقوقه لا أهتم؟
فالحبّ السوي ليس أن لا أستطيع العيش بدونه، بل أحب العيش معه وأقدره، لكن لا أسقط بفقدانه.
وهكذا يتبين لنا أن الحبّ الحقيقي في الزواج يصنع سكينة مستمرة قبل أن يكون شغفًا مرحليا. مودته حقيقة وليست مصطنعة. تحفه الرحمة قبل أن يكون انجذابًا عابرا، يقوم على عهد قبل أن يكون شعورًا ينتقل. هو موقف اختيار ثبات قبل أن يكون اندفاعًا يخفت وتندمين عليه.
أما التعلّق الهشّ: فهو بحث عن الاطمئنان من خوف بداخلك. وفراغ يجد في العاطفة أسلوب تعبير، واضطراب يبحث عن مُنقذ. وحين يُبنى الحبّ على الفطرة والميثاق الغليظ، لا يحتاج إلى الانفعال ليبقى، ولا إلى جدال ليُقنع، لأنها علاقة آمنة، أسسها مريحة، لكن المضطرب، والهوس النفسي، تتحول الحياة فيه إلى تعاسة وينعدم فيها الأمان.
وبشكل عام، أنصحك أن تسألي نفسك: هل تشعرين بالأمان، إن شعرت به فأنت بخير كبير، وإن لم تشعري به فحتى لو كان لديك مشاعر حب فلا قيمة لها. هذا بشكل مختصر مركز، أسأل الله أن تجدي فيه الإجابة الكافية. وفقك الله.
الجواب الثاني
في حين سؤال الأول كان يتعلق بجذر العلاقات، فإن سؤالك الثاني يتصل بشكل مباشر بجوهر الاختيار الصحيح، وهذه المرحلة مهمة جدا لتخفيف خسائر العلاقة بعد عقدها.
وهنا أقول للفتيات، ضعي عاطفتك جانبا رجاء، فالمرأة تنظر للآخر، نظرة احتياج، عاطفة، انبهار إعجاب، أغلب نظرتها تكون قاصرة، ولا يعرف الرجل مثل الرجل، لذلك كان لولي الأمر مكانته في الإسلام، وإن فقد في زماننا أو فقدت هيبته فعلى الأقل عليك أن تفعّلي عقلك، وتنظري للأمور بميزانٍ مركّب يجمع بين الفطرة، والدين، والعقل، والتجربة.
أول ما عليك أن تنظري فيه المرجعية التي تحتكمان لها في الانطلاقة وعند الاختلاف وفي الغاية.
فأول أسس التوافق: ما الذي نحتكم إليه عند الخلاف؟ ما هي مرجعيتنا العقدية الأخلاقية وما هي حدودنا الشرعية والأخلاقية؟
كيف هي نظرتنا لهذا الزواج هل هو عبادة أم تقليد نجربه؟
في الحديث يقول النبي ﷺ: “فاظفر بذات الدين”، وأصل الدين الصدق والأمانة، والخشية من الله تعالى، والاستقامة، فمن وجدت فيه هذه القواعد ورأيته يخشى الله لا يتعدى حدوده، لا يتفلت، لا يبرر انفلات الشهوة ولا المعصية، بل يتقي الله فيك ويخشى الله فيك في السر والعلن ويسعى لمرضاة ربه، فهذا أول التوافق وأساسه. ويمكن بعده أن يبنى عليه. بوضوح مرجعية ووسيلة ورؤية.
ننظر بعد ذلك لمسألة التوافق النفسي والفطري، هل تشعرين بالارتياح له، بالطمأنينة، أم بالقلق، والتوجس، هل يضيق قلبك هل تستثقلين روحه؟
هل الحديث معه أو معها، يقربك من نفسك، أو يتطلب منك جهدا يستهلكك ويستنفذ طاقتك؟ هل هو سهل، أم متكلف؟ هل تشعرين أنه ينسجم أو صعب التفهم والاستيعاب؟
هل تشعرين أنه الرجل الذي تأمنين له؟ ومعه؟ فإن رأيت مشاعر الخوف والتوجس والقلق والاضطراب والثقل الروحي، تزداد فهذا إنذار مبكر لك، صدقيه لا تهمليه. نصيحة.
قال تعالى: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ ولا تنشأ السكينة من تنافر الأرواح.
بعد ذلك ننظر إلى عوامل أخرى كي يخرج القرار براحة ضمير وقناعة ورضا،
هل هذا الشخص أهل لحمل المسؤولية، هل يقدر على الوفاء لالتزاماته وعهوده، هل لديه الصبر على المهمات، هل يمكن التعويل عليه ؟ أم أنه طائش منفلت متهور، يعيش تحت مسؤولية غيره ولا يمكنه تحمل مسؤولية؟
فمن ليس قادرا على تحمل مسؤولية نفسه وما تحت يده كيف سيتحمل مسؤولية زوجة وأسرة.
وفي زماننا يجب أن نضيف عاملا آخر للتقييم، هو الواقع على حقيقته لا الصورة البارزة في الواجهة، ولا التي تتصدر المواقع والادعاءات. هل هو حقا كذلك كما يقول عن نفسه أو يقولون عنه؟ يظهر ذلك خلال حواره ومناقشاته وكلما كان لديه أرشيف كان أسهل لمعرفة حقيقة نضوجه.
هل يحسن الحوار عند الخلاف؟
هل هو واقعي يتعامل بحس مسؤولية، هل سنتحمل بعضنا بعيوبنا لا بصورتنا المثالية؟
فكلما كانت القيم مشتركة والارتياح النفسي حاضرا وحس المسؤولية مقبولا والمعرفة والوعي بحقيقة الأدوار وواجباتها، والمجاهدة أولوية، بعيدا عن المثالية الزائدة والتكلف المصطنع، وباستيعاب للقصور والضعف، أنت هنا أمام التوافق الأرجى لأفضل علاقة تحت ميثاق غليظ.
الارتباط الصحيح يبدأ من الاختيار الصحيح.
وما أحذر منه النساء والفتيات بشدة: الانجرار لسطوة الإعجاب الأولى لاحتياج داخلي، أو مشاعر شفقة لنبل إنساني، كلاهما مهلك، لا تختاري من يبهرك تفاصيله الخارجية لكنه لا يحمل قيمك لا يحقق الارتياح النفسي لا يقدر على تحمل مسؤولية لا يخشى ربه! لا تشعرين بالأمان معه. ولو كان في أعين الناس الرائع والمبجل.
وإياك أن تقبلي بعلاقة لأجل مشاعر شفقة لمن أمامك ولأجل أن تتفضلي عليه بالتنازلات رأفة به، هذا لا يستقيم. الزواج ليس جمعية إحسان بل ميثاق غليظ.
ولا تكتفي بنظرتك أنت، اسمعي رأي الرجل فيه، فهو أفضل، فإن الرجل يرى ما لا تراه المرأة، واسألوا عنه، لا تكتفي بتقييمك أنت لوحدك! فهو مهما بلغ سيبقى قاصرا، لأن اليوم لدينا شريحة من الرجال إلا من رحم ربي، ابتلوا بضعف الخشية وبفتنة النساء، فهذا فري منه فرارا ولا تسلمي نفسك لرجل يهتك الأستار مغترا.
والله أعلى وأعلم.
الجواب الثالث
حياك الله وبارك بك.
هذا السؤال يلخص معاناة المسلمات اليوم، والصراع الذي تعيشه كثير من النساء بعد التخرّج.
بداية علينا أن نتفق أن مسألة إلزام المرأة بخيار العمل، هو من فتن هذا الزمان وأن دفعها على التنازل عن الحياء والكرامة في سبيل العمل جريمة عظيمة بحقها وحق دينها، فالعمل مجرد وسيلة لا غاية واليوم أضحى منهج حياة كامل.
ومعلوم أن الحياء والكرامة أصل، فما خالف الأصل سقطت عنه شرعية “الضرورة” مهما تجمّل باسم الاستقلال أو النجاح.
وبذلك البداية: كل عمل، كل اختيار وظيفة كل ميدان، فيه خدش للحياء والكرامة، لا يجوز للمرأة العمل فيه. ولو أغدق عليها الأموال الطائلة ولو صفق له الجماهير. ولو عارضها على تركه كل الناس وأحبهم لقلبها.
يمكن للمرأة التي تضطر للعمل وتحتاجه أن تعمل في مكان مناسب لها كمسلمة حيية، في مكان للنساء، في وظائف تحتاجها النساء في التعليم وفي الطب، في التربية والاستشارات والمعونة وغيره من وظائف يحلها الشرع لها، لكن ليس بمفهوم الرأسمالية اليوم كعبيد في مصانع وشركات تستعبد المرأة، وتفرض عليها بروتوكولات خالية من الحياء أو يتعدى فيها حدود الله تعالى.
والحمد لله يوجد خيارات أتقى، كالعمل عن بعد أون لاين، أو البعد في بيئة نسائية وأطفال، أو العمل في تجارة ومشروع استثمار دون الحاجة للخروج من بيتها. كما يمكنها العمل في مهارة تُتقنها المرأة وتستثمرها بكرامة.
المهم: أن تختار ما يرضي الله تعالى لا أن تُدفَع لما يغضب الله تعالى.
على المسلمة اليوم أن تفهم توقعات الأسرة والمجتمع، لكن لا تجعلها حَكَمًا على قناعاتها. فلا تختار ما يريدونه لها، بل ما تحتاج إليه حقا وهو مقبول في دينها.
في الأصل المرأة ليست مطالبة بتولي مسؤولية الإنفاق، هذا واضح في شريعة الله تعالى، وهي مطالبة بالقرار في بيتها بنص القرآن العظيم، لكن لا يحرم عليها التكسّب على أن لا يمس بحيائها وواجباتها الفردية والأسرية. لكن ما يحصل اليوم، أصبح الأمر عقيدة وفريضة، على كل امرأة أن تعمل وتتكسب، وتضحي بدينها وخلقها وأسرتها لأجل ذلك، ويهون من هذا التفريط المصيري، ويعتبر ضرورة الواقع. بل الضرورة في الواقع يعني أن تضحي بعمل تعصي فيه ربها لأجل حفظ دينها وحيائها. فكان مشهد انقلاب للموازين.
أولى أولويات المرأة اليوم حقيقة أراها هي أن تعف نفسها وتؤسس أسرتها سوية في سبيل ربها. هذه الأولوية قبل أي عمل أو تفكير في خروج من البيت، وتعد نفسها لهذا الهدف حتى لو كانت صاحبة شهادة، وماذا يعني شهادة لامرأة عاجزة عن إدارة مسؤوليات بيت وأسرة؟ وزوجة وأم؟
فلا قيمة لها ولا وزن لها وهي فاشلة في أهم وظائفها كأمة لله عز وجل. هذا هو الإنجاز الذي يجب أن تسعى له وتكافح لتحرز التفوق فيه! والتفوق فيه هو نيل قبول الله جل جلاله. وكم من متخرجة ولا تعرف فقه الصلاة ولا الطهارة وهي الأجهل في فروض دينها؟! وتفخر بعد ذلك بشهادة قد تكون سبب دخولها النار والعياذ بالله!
بعد ذلك ننظر هل المرأة لم تتزوج؟ هل المرأة تمر بظروف قاسية تحتاج لمال ووظيفة، هنا تبحث الخيارات الأتقى لقلبها ودينها.
ولتتعلم كيف تقيم الحجة على من يدفعها لما لا يرضي الله تعالى، لتكن قوية في الحق، شديدة في الخشية من تعدي حدود الله تعالى. ومن كان هذا دأبها، أكسبها الله هيبة وتعلم من حولها منها. والله يؤيدها جل جلاله.
لكن من تسعى لإرضاء الجميع إلا الله تعالى، أوكلها الله لحظ نفسها وحظوظهم، وتكبدت القسوة في قلبها وتكبدت التعثر وواجهت الفتن وأخطرها فتنة الاستدراج.
اليوم الكثير من الأهل لا يهمهم سوى أن تعمل ابنتهم حتى لو كانت وظيفة سكرتيرة مثلا في شركة يديرها رجال، مع أنها جريمة بحق كرامتها وحيائها، فهي وظيفة تتطلب التبرج والتذلل لمدير وخلوة به، وتعامل مع الزوار المختلفين وإظهار ما يعجبهم منها. هذه وظيفة خبيثة جدا فلا يمكن لامرأة حيية أن تقبلها، إلا أن يكون في عيادة طبيبة أو في عمل بين النساء وبدون تجاوزات.
ولذلك أقول للفتاة التي واجهت هذه العقبة من ضرورة العمل والخروج للسوق بإلزاماته التي نعرف، أن تتشبث بلباسها الشرعي وفروض دينها وأخلاقها ومرجعيات وذخائر الثبات في هذه الطريق، وأن تتريث، ليست مجبرة على قبول أول ما يظهر لها، بل أن تبحث بهدوء عن الأنسب لها. ومن يتوكل على الله فهو حسبه. وحتى لو كان في وظيفة ليست من اختصاصها لكنها أتقى فهذا من موجبات معية الله تعالى ومحبته، أن تقدم مرضاته على مرضاة الناس.
وعليها أن تتذكر أن من جعل رضا الناس ميزانه، تعب. ومن جعل رضا الله بوصلته، وُفّق وإن قلّ العون والناصح الأمين. فلا تساوم على حيائها.
على المسلمة ألا تسمح بأن تخيّر بين كرامتها ومستقبلها؛ بل ترفض تماما أن يفرض عليها سعي لمستقبل يكسر حياءها وكرامتها. وما يدريها فقد توافيها المنية مبكرا جدا!! قبل أن تحقق لهم المستقبل الذي يرجونه! فكيف تموت على ظلم لنفسها ونية فاسدة؟
وأشدد هنا على التفريق اللازم بين مفهوم العلم ومفهوم الشهادة، فحمل شهادة لا يعني نيل المراتب العلمية، وليس كل علم واجب وليس كل علم طريق فلاح للمرأة، إنما تحاسب على العلم الواجب، كيف تعبد ربها وتسير في حياتها أمة لله جل جلاله، بعد ذلك كله علم ثانوي، وعلى الكفاية، وبعضه ضار وليس بنافع، فلا تجعل الثانوي والضار أصل وتفرط في الواجب، هذا كحال من يحسب نفسه يحسن صنعا وهو في ضلال وتيه نعوذ بالله من خلط المفاهيم. وقاتل الله الغرب لم يترك لنا الصفاء وسلب من المسلمين حتى حس التفريق والذوق السليم.
فيمكنها أن تستمر في طلب العلم وتطوير مهاراتها كأمة لله تعالى ترجو رحمته، بعيدا عن إطار محدد للشهادة، أو مساحة محدودة حددتها جدران المدرسة والجامعة النظامية.
ورحمة الله واسعة، يدبر الله تعالى لها بقدر ما تعظم التوكل عليه جل جلاله، وسيرشدها لما فيه خير لها. ومن سعى بجد لمرضاة ربه يسر له سبله وأسباب الغنى والفلاح. والله الموفق.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أتعلق بالاشخاص سريعا وهذا يسبب لي كثير من المتاعب لدرجة أني من أول لقاء أبث لهم جميع الأشياء التي حصلت معي وتصبح ثقتي بهم كبيرة وأحزن إذا غابوا أو رأيت ردة فعل قوية منهم أتألم بشدة كيف أعالج هذا الأمر وأكون حازمة مع أي شخص أقابلة ولا أجعله يعرف عني إلا الأشياء العادية؟!
وكيف أتخلص من التعلق بشخص ذهب ولكني أشعر بقلبي متعلق به ففي كل لحظة بحياتي أجدني أفكر به وأتمنى رؤيته وسماع صوته، ودائمًا قلبي مشغول به، وأتسأل هل هو بخير او لا؟!
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله وبارك بك.
سؤالك يدلّ على قلبٍ طيب لكنه يعاني بعض الاندفاع الذي يجب أن نضبطه. وما تصفينه ليس ضعفًا فيكِ ولا سوء نيّة، بل نمط نفسي وعاطفي شائع عند أصحاب القلوب الحسّاسة الذين لم يتعلّموا بعد كيف يحمون أنفسهم.
دعينا بداية نشخص حالك: لماذا تتعلّقين سريعًا؟ ففهم السبب نصف العلاج.
غالبًا من يتعلّق سريعًا يكون يفتقد الأمان العاطفي في داخله. أو يحمل فراغًا لم يُملأ بالطمأنينة أو اعتاد أن يجد قيمته في قرب الآخرين أو لعله ينشدها أكثر من أن يجدها.
لذلك مجرد أن تجدين من يسمعك أو يتعاطف معك يصبح لديك مصدر أمان، وتبثينه ما ترينه يريحك. فحين تجدين من يصغي، أو يبتسم، أو يظهر اهتمامًا، يفتح القلب دفعة واحدة، وكأنك تقولين دون وعي: هذا يستحق أن أبثه، هذا صدر يحتضنني! لكن الملجأ الحقيقي لا يكون من أول لقاء.
لذلك يجب أن تكوني حذرة جدا، ليس كل الناس يتفهمون هذا الاندفاع منك، وليس كل من يستمع يستحق أن يستمع، يجب أن تتعلمي الحزم مع نفسك وتضبطي اندفاعها هذا. بل هناك من يسيء الظن بك جدا بناء عليه، فصوني قلبك من مواطن سوء الظن بك.
عليك أن ترسخي في ذهنك جيدا وتكرريها على مسمعك: العلاقة الآمنة تُبنى مع الوقت، لا يمكن أن تكون من أول لحظة أو بعض اللقاءات الودية، لن تعرفي الناس حتى تجربيهم في المواقف وامتحانات الحياة، وليس عبر الكلام العابر ومشاعر اللحظة الراهنة.
نعم جميل أن تكوني لطيفة لكن ليس أن تكشفي كل تفاصيلك لأي أحد.
ولتجاوز هذه العقبة، علمي نفسك الاستماع أكثر من الكلام، لا تباردي! اجعلي إجابتك على قدر الحاجة والسؤال، وتفاعلك على قدر المساحة التي أمامك، أجبري نفسك على الاستماع لهم أكثر من التحدث إليهم. وتفاعلي مع حديثهم، فمثلا إن تحدثوا عن أمر، أحسني التجاوب، بحمد الله لهم، بالاستجابة التي تصنع الاحترام لهم.
ثم انتبهي جيدا لأمر معطياتك الشخصية، فهي طبقات:
هناك طبقة سطحية: التعارف من باب كشف معلومات عامة مثل سنك، أصلك، اسمك، اهتمامك، حالتك الاجتماعية.
ثم طبقة متوسطة أعمق قليلا: آراؤك في القضايا، تجاربك المؤثرة، لكن بدون تعمق كبير، مثلا لديك تجربة في غربة، تجربة في الدراسة، وهكذا.
ثم طبقة أعمق، وهذه لا تخرج إلا لمن تثقين جدا: مثل ألمك، خوفك، هواجسك، حاجتك للنصيحة في أمر.
ثم طبقة خاصة جدا وللخاصة جدا: لمن تأمنين دينهم وتثقين صدق نصحهم جدا: يمكنك هنا أن تخرجي سرا يثقلك وتحتاجين لنصيحة فيه.
فلا تخطئي بإعطاء شخص جديد مفتاح الدائرة العميقة فورًا.
وأرى ضرورة أن تربي نفسك على الكف عن الفضفضة غير المسؤولة.
لست بحاجة للحديث للناس عن كل شيء وبددي هذه الطاقة في أمور نافعة، بالتعلم والعمل التطوعي، بالعبادات وبث شكواك لله تعالى، بصناعة اهتمامات تشغلك عن الحديث عن نفسك أو عن كل شيء.
لأن ما تفعلينه هو حقيقة تفريغ وليس مشاركة، والتفريغ العاطفي يكون لفراغ وسعة في نفسك، يجب ملؤها، فكلما كنت مشغولة العقل والأهداف لم تجدي وقتا للحديث كثيرا. وهذا من بركات الانشغال بما ينفعك.
كلما جلست في مجلس، قبل أن تتكلمي تذكري، لست بحاجة للحديث عن نفسك لأحد، أنت بحاجة لأن تستمعي أكثر من أن تتحدثي.
درّبي نفسك على التأخير، لا تبادري الحديث عن نفسك، استمعي للآخرين ما يقولون واجعليهم هم يقودون الحوار، وتجاوبي بحدود ذلك.
وأي شعور تعلّق لا تتبعيه فورا، اقطعيه فورا، لا تظهري اهتماما زائدا، كوني طبيعية ومتوازنة، ومن الأفضل أن تخففي من المجالس التي يكثر فيها كشف نفسك. واستبدليها بمشاريع عمل وأهداف عمل ومسابقة في سبيل الله تعالى.
سطري لك جدولا.
واحرصي فيه على تعلم مهارات تعينك على قيادة نفسك والصبر وضبط لسانك.
تعلمي الكتابة ستساعدك على التفريغ كتابة لنفسك، دون الحاجة للحديث مع الآخرين، وهكذا الثقل سيخرج في سطور، يمكنك قراءتها بعد فترة وتقييمها بنفسك ونصح نفسك بنفسك. ولا داعي لأن تطلعي أحد عليها. وهذا حل جيد في حالتك. وقد تكتشفين ملكة كاتبة فيك فتتألقين وتخرج كتيبة الحق من قلبك!
نأتي الآن لكيف تتخلّصين من التعلّق بشخص رحل؟
بداية دعينا نقف عند كلمة تعلق، فالتعلق هو حالة مرضية وليس عاطفة حقيقية ولا حبا حقيقيا. هو مجرد تعلق يجب أن يعالج.
وفي هذه الحالة، أنصحك بالتالي، وتأملي في كل نصيحة فهي كوصفة طبية لقلبك:
– توبي لله فورا، واستغفريه عن كل لحظة مضت تعلقت بها به. وصلي ركعتين توبة وأكثري الاستغفار واجعلي تذكرك له، كمثابة توبة من ذنب، لا تحبين العودة له أبدا. حتى لو رجع الآن.
– اعترفي بالحقيقة دون تجميل: أنتِ لا تحبين هذا الشخص بقدر ما تحبين الشعور الذي أعطاكِ إياه، لأنك في عمقك تحنين للطمأنينة لا له، تتعلّقين بصورة لا بالواقع، والدليل: لو كان خيرًا لكِ لبقي أو لكان حضوره أمانًا ما أضحى وجعًا. وعليك التفريق جيدا بين مشاعر محبة حقيقية ومشاعر احتياج وقعت في مكانها الخاطئ، والتعلق هو هذه الحالة الثانية التي تحدث معك، ولذلك تعانين، وتتعبين. فعالجي هذا التعلق بالفرار لكتاب الله تعالى وسؤاله الشفاء وبتعويض الاحتياج بما يحب الله ويرضى وما فيه معالي الأمور.
– اقطعي كل ما يغذي هذا التعلق، فالقلب يتعلّق بما يُغذّى . فلا تراقبي أخباره، ولا تستحضريه في ذاكرتك، اكسري ذكرياتك معه، وتذكري أقبح ما فيه وأكثر ما ينفرك منه، وحدثي نفسك، أنه لا ينفعك، ولو كان خيرا لك لأبقاه الله تعالى لكنه سوء صرفه الله عنك فاحمدي الله تعالى.
– اصنعي لك ذكريات جديدة بما فيه علو همتك وخروج من دائرة سجن الذاكرة المجروحة، فالبقاء في دائرة هذه الذاكرة المجروحة كحال من تُبقي الجرح مفتوحًا. لا تفعلي هذا بنفسك، لا يوجد من يستحق أن ينسيك هدفك في هذه الحياة ويهدر فكرك وجهدك عليه! سوى ما يقربك من الله تعالى. وكل ما يشغلك عن هذه الغاية تجاوزيه غير مأسوف عليه.
– الشفاء يحتاج: قطع متابعته، قطع الحديث الداخلي عنه، قطع كل فكرة تقول ” كيف لو عاد”. بل حتى لو عاد لا يلزمك، ولا ترهقي نفسك بالخيالات السامة.
– أعيدي قلبك إلى مكانه الصحيح واحذري أن يخسف به! القلب إذا لم يُملأ بحب الله تعالى، تعلّق بالخلق حتى يتوجع. وقد يتعلق بأخبث الخلق، وهذا من الحرمان العظيم والظلم العظيم للنفس.
– ألحي على الله في الدعاء أن يصرفه عنك ويصرف سوءه وذكراه، وأن يجبرك ويبدلك بخير منه محبة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
– واستحضري يقينًا: رحيله نعمة وفضل من الله تعالى عليك، فاسألي الله تعالى المغفرة والعوض الأرجى.
– كفي عن النظر له على أنه الأفضل لك، فصدقيني، لم يكن الأفضل لك، وسيأتيك الأفضل بإذن الله تعالى. حين تحسنين الظن بالله تعالى. لا يغني حذر من قدر، ولكن عند الله الخير كله، فلا تحرمي نفسك. فكم سمعت من استشارات فتيات ونساء في هذا الأمر، ثم رأيت فجيعتهن بتعلقهن بمن لا يستحق ذرة تفكير فيه، لما يعيثه فسادا في الخلوات مع النساء وما يهتكه من أستار، وهن ينظرن له على أنه الفارس التقي المغوار!! بينما هو بئس الرجل وبئس الذكرى. فلا تقعي في هذا الفخ، الله وحده يعلم ما تخفيه السرائر والخلفيات المخفية. وكم من متفلت فضحه الله نعوذ بالله من كشف الستر.
– لا توبّخي نفسك، يكفي جلدا للذات، بل تذكري أن الحسنات يذهبن السيئات، فأقبلي على تطهير صفحتك وتلميعها لآخر نفس.
– لا تبحثي عن تفسير أو جواب أو أي شيء يتعلق به، فقط رددي، الحمد لله الذي نجاني! فحتى لو بقي الذي تتعلقين به فهو دمار لنفسك وإجهاض لفرصها في النبوغ والتحليق في فضاء الفضل العميم. لأنك تعيشين تبعا تعيشين تعيسة تعيشين تحت رحمة من تتعلقين به، وهذه علاقة غير سوية ولا صحية أبدا، بل يجب اقتلاعه لا البقاء معه. والكيّ هنا هو العلاج الأمثل. أبغضيه في الله، لأنه علقك بغير الله عز وجل، أبغضيه تقربا لله تعالى. هذه نصيحتي لك.
التعلّق ليس حبًا، بل بحث عن أمان والأمان لا يُؤخذ من البشر، بل يُبنى في الداخل، بالقرب من الله تعالى، بالتعلق برجاء رحمة الله تعالى، أغدقي على نفسك موجبات المحبة وأسباب المحبة لله تعالى، لا تسمحي لأحد أن يؤخرك!
وأبشرك، من تتعلّم حماية قلبها واستدراكه من السقوط، ومن التعلق السام، يجبرها الله تعالى ويعوضها بما هو خير وأنقى وأصدق، ويسخر لها الأنبل من عباده الصالحين، وذلك عوض جميل اسأليه الله تعالى موقنة بالإجابة.
حفظك الله وصرف عنك السوء وأيدك بنصره وبالمؤمنين.
تفريغ بودكاست فتيان حِسان “الفراغ العاطفي” الذي ألقي في روضة المؤمنات.