استدراك الجيل واجب المرحلة

من يتأمل طبيعة حياة من سبق، ممن فتح الأمصار وساد براية الإسلام، يدرك أن هناك أسرارًا لصناعة الإنسان والسلطان، كانت سببًا في تألق الأجيال الماضية التي اعتنت بجميع تفاصيل التفّوق فاستحقت شرف التمكين والريادة.

وكما قال ابن القيم رحمه الله في كتاب الفروسية: “جمع الصحابة رضي الله عنهم إلى فروسية الخيل، فروسية الإيمان واليقين والتنافس في الشهادة وبذل نفوسهم في محبة الله ومرضاته فلم تصمد أمامهم أمة من الأمم، ولم يحاربوا أمة إلا قهروها”.

لقد كانت حياتهم تنبض برياضة العقل والنفس والجسد، فلم يتمكن منهم عدو ولم يُخضعهم جيش ولم يهزمهم مكر ولا قوة، قد حصّنوا ذواتهم بأنواع من الرياضة المتصلة المتكاملة، وصفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال: “لفظ الرياضة يستعمل في ثلاثة أنواع: رياضة الأبدان بالحركة والمشي، ورياضة النفوس بالأخلاق الحسنة، ورياضة الأذهان بمعرفة دقيق العلم”.

ومن يبحث في تفاصيل حياة الجيل المتفرد وما أعقبه من أجيال الفتوحات والانتصارات والأمجاد، يجد أن تكامل أنواع هذه الرياضات انعكس حسن قيادة وقوة في حياة المسلمين آنذاك. واستمر مع كل حقبة كان الإسلام فيها الحاكم.

فما من سيرة بطل من أبطال الإسلام إلا واحتلت الرياضة جزءًا مهما من مشروع إعداده للحياة كما كان شائعًا في مجتمعات المسلمين في مختلف العصور والأزمنة، وذلك منذ الطفولة إلى سن متقدمة. ولا عجب أن انعكس هذا الاهتمام على الأفراد، قوة في العقل والنفس والجسد كان لها ما كان من بركات حسن الإدارة وحسنات الإرادة. فرأينا القائد شابًا أو شيخًا، يحمل السيف منغمسًا لا يعجزه عدو ولا أعداء، وسجل التاريخ انتصارات باهرة ومواقف قيادة رائعة، للقائد المسلم الشاب كما للقائد الشيخ! لكننا اليوم نشاهد التراجع في مقومات نهوض الأجيال بشكل تدريجي يدفع للقلق، خاصة مع توالي حملات التغريب الخبيثة التي تستهدف الأسرة والنشء.

الرياضة في الإسلام

أولى الإسلام عناية خاصة برياضة الجسد، نشاهدها في حياة المسلمين في صدر الإسلام، حيث جاء في الأثر عن مكحول أن عمر رضي الله عنه كتب إلى أهل الشام أن: “علموا أبناءكم السباحة والرماية والفروسية (وفي لفظ ركوب الخيل)”، ذكر ذلك صاحب كتاب كنز العمال ونسبه إلى كتاب “القراب في فضائل الرمي”. وكذلك ذكره المناوي في “فيض القدير” ولم يحكم عليه واحد منهما بصحة أو ضعف.

أيضا ورد معناه في الأحاديث المرفوعة ما ذكره السيوطي في الجامع الصغير؛ في حديثين: بلفظ: “علموا أبناءكم السباحة والرماية”.

كما أن تعلم الرمي، ورد ذكره في حديث صحيح رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على نفر من أسلم ينتضلون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان رامياً”. وفي صحيح مسلم عن أبي علي ثمامة بن شفي أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي”.

وعلى غرار الرماية، ورد فضل الخيل فيما رواه البخاري ومسلم عن عروة البارقي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة”.

وكذلك تعلم السباحة فيما رواه الطبراني والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “كل شيء ليس فيه ذكر الله فهو لهو ولعب إلا أربع: ملاعبة الرجل امرأته، وتأديب الرجل فرسه، ومشيه بين الغرضين، وتعليم الرجل السباحة.”

وفي ظل هذه الأجواء الملهمة تربى الجيل الأول، على الجد وروح المسابقة وكل ما يصنع الرجال الأقوياء.

أثر الإسلام على الرياضة

عرف العرب في الجاهلية أنواع الرياضة المختلفة واشتهروا بالمصارعة والفروسية والرماية وغيرها من ألعاب تنافسوا فيها وتفاخروا بها، إلا أنه كان يتخللها الكثير من الجور والظلم والاعتداء، فجاء الإسلام فنظمها وارتقى بها، وبدل أن تعمّق الخلاف بين القبائل، جعلها ميدان بطولة واجتماع ومنافسة شريفة، وخلّصها من كل شوائب الظلم وبراثن الجور، وأقامها على العدل والإنصاف، ومن يطلع على كتاب الفروسية لابن القيم سيشاهد كيف تحولت المسابقة على هذه الرياضات من محض فوضى إلى علم قائم بأركانه بفضل التنظيم وحسن الإدارة والتقويم الذي ضبط به الإسلام هذه الرياضات على مستوى أدق تفاصيلها.

وبالمقارنة، حين نشاهد شباب المسلمين اليوم، صغارًا وكبارًا، نجد أن طبيعة الحياة الحديثة قد جرفتهم إلى الخمول والكسل والاتكالية والعجز والتسويف وضعف الهمة، بسبب ما قدمه التقدم التقني من تسهيلات وما سرّعه من أداء، فأورث الأجيال الاستعجال وقلة الصبر، وانعكس على نشاطهم اليومي وسلوكياتهم في التعاملات، وحتى على ردود أفعالهم في وقت السلم والأزمات، ولا تزال مستويات إنتاجيتهم أضعف من الحد الأدنى الذي تنتظره الأمة من أبنائها في قلب الاستضعاف.

ولا تقارن البتة، أجيال تربت على الرماية والسباحة والفروسية بأجيال تربت على ألعاب الفيديو والأفلام والأغاني التافهة! لذلك لا يمكن مطالبتها بشيء شبّت على افتقاد أسباب تحصيله، إذ لابد من تقديم حقوق الأجيال لصناعة الهمم الكفؤة قبل مطالبتها بأداء واجباته كهمم كفؤة. وإلا فإن فاقد الشيء لا يعطيه!

ولا يزال الوسط الذي يتربى فيه النشء، هو الحضن الأول الذي تتفجر فيه العبقرية، وتُستوعب فيه مفاهيم الحياة المصيرية، فكيف بمن يقبر هذه الهمم  ويهمل هذه المفاهيم منذ البداية، فيصنع الفشل بدل النماذج الراقية لصناعة الإنسان وعلو الهمة والوعي السديد.

ثم حين يتربى الطفل على ألعاب الفيديو وأفلام هوليوود ويتعلق بأغاني المطربين الغربيين، وبأخبار الفسق والمجون من كل صنف ولون، ثم يسلّم منصب قيادة وأمانة، لا تحدثني بعدها عن حصاد تربية غربية فاسدة في الأمة برمتها! وتستشري العدوى مع ضعف مناعة المجتمعات، لنصطدم بجاهلية فظيعة بشعة تحارب الإسلام في موطنه وبأيدي أبنائه! ومن هنا تتجلى خطورة إهمال الأجيال.

كيف نستدرك الجيل؟

لطالما لعبت الرياضة الدور الأساسي في بناء المجتمعات الحيّة، وما نحتاجه اليوم هو توجيه الشباب، الصغار والكبار منهم، إلى أنواع الرياضات المفيدة، وإلى تعزيز كل ما يقوي حسّ الشجاعة والتقوى معا في قلوبهم. مع التنبيه إلى أنه لا يكفي فقط صناعة وعي يليق بالجيل بل لابد من سد ثغرات الضعف وإشباع حاجاتهم وشغفهم بما يصنع منهم أعمدة لأمتهم كل فرد منهم قدوة ومثالا حسنا للقوة والمثابرة.

روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه مر بشاب ناسك قد أحنى قامته وطأطأ رأسه علامة الخشوع والتبتل فحمل عليه عمر وضربه وقال له :” أرفع رأسك وأصلح قامتك لا تمت علينا ديننا أماتك الله “.

فالفهم الصحيح للإسلام كمنهج حياة ينعكس قوة وعزة يصحح الكثير من الأخطاء التي تعثرت بسببها هذه الأمة. ولابد أن نستدرك هذه الأجيال التي أمامنا اليوم كونها من سيتحمل مسؤولية هذه الأمة غدًا. وإعدادها مبكرا لحمل هذه الأمانة واجب المرحلة. وأضعف الإيمان ألا نكون سببًا في حرمانها أسباب الاستقامة والارتقاء.

وفي الواقع من يتأمل مشاكل الشباب اليوم وأزماتهم وتفشي الأمراض النفسية والعصبية بينهم، دون الحديث عن ملامح الانهيار الأخلاقي والتفاهة والسطحية، التي تزحف كل يوم إلى ديارنا، يدرك أن إخراجهم من دائرة التيه والعبث مسؤولية عظيمة، وتعويدهم على الرياضة الهادفة أول خطوة في سبيل الجدّ وصناعة الوعي، ولو لم يكن في الرياضة إلا أنها تدفع الهم والغم عن القلب لكان ذلك كافيا في فضلها. فكيف إن كانت بركاتها تمتد إلى صقل الإنسان وإعداده لتحمل أعباء ما ينتظره من مسؤوليات.

منظومة متكاملة

وحين نتحدث عن الرياضة فنحن نجمع بين رياضات متصلة، رياضة العقل ورياضة النفس ورياضة الجسد، فلا يكفي أن نعدّ الأجساد فقط بل يجب أن يمضي هذا المشروع بالتزامن مع ترسيخ العقيدة والأخلاق في ذات المسلم، منذ سنّ صغيرة. ليخرج لنا نموذج من الصبر والتقى هو الأكثر تأثيرًا وفعالية في حركة النهوض لهذه الأمة. وكما يجب أن يتعلم الصغار مفاهيم وقيم الإسلام ويتحلوا بأخلاقه ومبادئه ويتفاخروا بقصص أمجاده وصنائعه في التاريخ والحاضر ويحملوا الوعي الكافي بما يجري في واقعهم، يجب أن يعيشوا بالتزامن، التجربة بأنفسهم كورثة لهذا الجمال والجلال لينتقلوا من مقاعد المتفرجين إلى مراتب صناع القرار لمصير أمتهم. وذلك مفهوم الانتقال من الهامش إلى الصميم. وهو تمام معنى قوة المسلم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف”، وقال صلى الله عليه وسلم:”واحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز”، فديننا دين صناعة البطولة والقوة لا يليق بالشاب المسلم إلا أن يجعل من حياته مضمار مسابقة في سبيل الله لا يفتر. ويزداد هذا المطلب إلحاحًا مع اشتداد العداء للإسلام واستمرار الحرب على الأمة المسلمة.

فوائد تعلم الرياضة

لقد ثبت  أثر الرياضة في صقل مهارات الإنسان وتقويم سلوكه وفهمه للحياة بل وإكسابه خصالا مهمة لأفضل أداء وتعامل.

فالرماية وركوب الخيل والسباحة ومثيلاتها، رياضات تورث أصحابها الصبر والشجاعة وااللياقة البدنية والقوة وسرعة الحركة والقدرة على التحكم في الجسم، وقوة التركيز والملاحظة، وتحيي روح المنافسة وسعة النظر والثقة بالنفس والسيطرة على العاطفة وتعزز القدرة على التوازن والمرونة وتضفي جمالا بشغل الشباب بنشاط جاد نافع ممتع في آن واحد.

هذا دون الحديث عن أثرها في تقوية مناعة الجسم وتحصينه ضد الأمراض البدنية والنفسية إضافة إلى أنها تغذي القدرة على الصبر، أهم ما نحتاجه في هذه الحياة. بل ذخيرتنا في صراع تمتد فصوله لا تزال.

ومما يلاحظ في الرياضات أنها تشترك في تقديم أثر مضاعف، فهي رياضات كاملة، تجعل صاحبها مشبعًا بالحيوية والنشاط وقوة التركيز والملاحظة وحسن الإدارة لنفسه. تجعله معتمدًا على ذاته، وتقوّي لديه ملكة الإرادة وكذا الشجاعة كما أنها تنمي روح التعاون والمشاركة بين الأشخاص، وتعزز مهارات التواصل مع الآخرين.

وقد أثبتت الدراسات والتجارب أن هذه الرياضات تساعد بشكل كبير في تطوير القدرات العقلية والبدنية للأطفال، ولذلك يتميز الأطفال الذين تعلموا السباحة مثلا، بقوة وصلابة، وثقة بالنفس وقدرة على تحمل الشدائد أكثر من أقرانهم بلا رياضة.

البديل الأمثل والأنفع

وفي عصرنا غزت الألعاب الإلكترونية والأجهزة الذكية حياة الشباب فسلبت منهم أجمل لحظات حياتهم بالإدمان على ثقافة ألعاب الفيديو التي استشرت بين المسلمين بشكل مخيف، بينما أخطر ما فيها أنها تهدر أوقاتهم هدرًا فيأسرون أنفسهم في دائرة اللعب إلى ما لا نهاية. ولا تسل عن ارتفاع نسب البلادة والجهل والضعف الجسدي. أضف لذلك التعلق المرضي بفكرة اللعبة الذي يتسلل لأحلامهم وأخلاقهم وتفاصيل حياتهم!

ولابد من استدراك الجيل بتوفير الرياضات الملهمة لهم، التي تقدم تسلية وتعليما في ذات الوقت من بين الحلول الممكنة لانتشالهم من هذا الإدمان المفسد، ولأجل تحقيق ذلك يمكننا التخطيط بشكل جماعي لتوفير نوادي رياضية للأطفال في كل حي بأسعار رمزية، وحبذا من التبرعات. لتقدم هذه النوادي الرياضات المفيدة، على أن يديرها القوي الأمين، وإن تعذر فيمكن توفير دورات تدريبية ولو في كل شهر أو إجازة وعطلة، بتنسيق مع أصحاب الاختصاص، ولا بأس من تحقيق الحد الأدنى بتوفير رياضة على الأقل، تحفظ الطفل من الانجرار إلى شراك الخمول والكسل. وما أجمل أن ترافقها مكتبات تثقيفية ودورات تعليمية لصناعة الوعي المناسبة لأعمارهم، وتبقى مسؤولية الآباء في وضع أبنائهم في وسط يساعدهم على الاستقامة وإخراج أفضل ما لديهم من طاقات، تغذي العزم على تغيير يوميات أطفالهم لما فيه نصر دينهم وأمتهم.

وفي الواقع لا يمنع تطبيق الفكرة ظرف ولا فقر، فقد كان المسلمون يعيشون حياة بدائية مع ذلك لم يمنعهم من ممارسة الألعاب الرياضية، فالحاجة أم الاختراع، مع بعض التفكير يمكن تحقيق وبأقل الإمكانيات، الحد الأدنى من الرياضات البناءة النافعة لأجيالنا وإن تربوا في مخيمات وخيام!

من أسباب صناعة الرجال الأقوياء الأتقياء

إننا بحاجة لإخراج جيل من الرجال الأقوياء الأتقياء، الذين يحملون مواصفات علو الهمة، ولتحقيق ذلك لابد من كسر عقبة الخمول والعجز والاتكالية وقلة الصبر، ولا أفضل من تمارين الرياضة لتحقيق ذلك وإكساب الجيل الأخلاق والسجايا لأفضل أداء جاد. فإن اكتمل المشروع بصناعة وعي عقدي وخلقي وفهم للواقع يليق بالمسلم، فإننا أمام صناعة حقيقية للرجال. قال ابن القيم في كتاب الفروسية:”الناس ثلاثة: رجل  ونصف رجل ولا شيء. فالرجل هو من اجتمع له إصابة الرأي والشجاعة فهذا الرجل الكامل كما يقول أحمد بن الحسين:

الرأيُ قبلَ شجاعةِ الشُجعان … هو أَوَّلٌ، وهيَ المَحلُّ الثاني

فإذا هما اجتمعا لنفسٍ حرَّةٍ … بلغَت من العلياءِ كلَّ مكانِ

ونصف الرجل هو الذي انفرد بأحد الوصفين دون الآخر والذي لا شيء، هو من لا يملك شيئا منهما” .

لقد آن الأوان لنستدرك هذه الهمم الواعدة وإنه لمن تمام البِرّ أن نربيها في أوساط تنتعش فيها العبقرية وتثمر خيرات واستقامة وعلو همة وأدب.

فالمرحلة المقبلة مرحلة صبر شديد وبذل كريم وشجاعة وسداد رأي وإعداد، لا بد من تحصيل أسباب صناعة قبة النصر فيها مبكرًا، بصناعة جيل مبارك، في صراع تطول فصوله ما شاء الله أن تطول بين الإسلام والكفر، وبهذه المفاهيم تنهض الأمة لما كانت عليه في سابق عهدها، خير أمة أخرجت للناس. وإنما هي سلسلة من الأجيال تتوارث أمانة الإسلام. فلنؤدها على أكمل وجه وأخلصه.

ولنتأمل خلاصة ابن القيم في خاتمة كتابه الفروسية لندرك معالم صناعة النصر حيث قال رحمه الله: “وقد جمع الله تدبير الحروب بأحسن تدبير، في آية من كتاب الله تعالى وهي قوله جلّ شأنه (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون * وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) (الأنفال 45) فأمر المجاهدين فيها بخمسة أشياء ما اجتمعت في فئة قط إلا نُصرت وإن قلت وكثر عدوها!

أحدها: الثبات. الثاني:كثرة ذكره سبحانه وتعالى. الثالث: طاعته وطاعة رسوله. الرابع: اتفاق الكلمة، وعدم التنازع الذي يوجب الفشل والوهن، وهو جند يقوي به المتنازعون عدوهم عليهم، فإنهم في اجتماعهم كالحزمة من السهام لا يستطيع أحد كسرها، فإذا فرقها، وصار كل منهم وحده، كسرها كلها. الخامس: ملاك ذلك كله وقوامه وأساسه، وهو الصبر. فهذه خمسة أشياء تُبْتَنى عليها قبة النصر، ومتى زالت أو بعضها، زال من النصر بحسب ما نقص منها، وإذا اجتمعت قوَّى بعضها بعضا وصار لها أثر عظيم في النصر؛ ولما اجتمعت في الصحابة، لم تقم لهم أمة من الأمم، وفتحوا الدنيا، ودانت لهم العباد والبلاد، ولما تفرقت فيمن بعدهم وضعفت آل الأمر إلى ما آل. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم والله المستعان وعليه التكلان وهو حسبنا ونعم الوكيل”.

ومن يتأمل أعمدة قبة النصر في حديث ابن القيم يرى أنها تستوجب تهيئة مبكرة في بنيان الأجيال التي تحمل أمانة العمل للإسلام، وذلك بتربية النشء على إيمان ويقين راسخين يستوجبان الثبات. وعبادة لله خالصة تتجلى بحسن ذكره سبحانه وتعالى. وبانضباط على منهج الإسلام ينعكس طاعة لله وطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، وبوحدة على الإسلام لا تقبل التنازع والفرقة، تعكسها الإحاطة بأهمية السعي للاعتصام بحبل الله ونبذ كل أسباب التنازع والوهن، ثم بتلقين الصبر وتربية النفوس عليه منذ الصغر، ولا يمكننا تلقين الصبر بلا تعليم النشء الاستغناء عن أسباب الراحة والدعة، وبدون خوض ميادين الصبر المختلفة بشكل تدريجي، ولاشك أن الرياضة من أهم أسباب تعليم الصبر والجلدة في حياة المسلم.

وختامًا، (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) فإنما الدنيا مضمار سعي واجتهاد والموفق من أقبل بكله لا ببعضه، لأجل تحقيق أفضل أداء استقامة وتربية، استقامة نفسه، وتربية من تحت مسؤوليته، لأن العمر واحد، فلا يليق بالمسلم إلا أن يشغله بسعي مجتهد مخلص، لعل الله ينظر في قلوب ترجو ما عنده سبحانه فيغفر لها ويوفقها لخيري الدنيا والآخرة.

وإنه لمن تمام التوفيق، العزم على تغيير حياتنا لما يحب الله ويرضاه، والتخلص من تقليد الطرق العقيمة في التربية التي أنتجت الوهن في أمتنا فكان السبب في ذلتنا واستعلاء أعدائنا علينا. وإن كلفنا ما كلفنا هذا التغيير واشتدت العقبات في طريقنا فإن الأجر على قدر المشقة وإنما الأعمال بالنيات، والله بصير بما تعملون، فلا لكلمة “يستحيل” أو “لا يمكن” حتى نستعين بالله ونخوض غمار التجربة، وحتى نبذل جميع الأسباب لتحقيق حياة سوية بنور الإيمان والجدّ، ونتذوق بركات المجاهدة، لنعذر أمام الله أو ننال فضله العظيم، والله يؤتي فضله من يشاء من عباده، فطوبى للصادقين نيةً وقولًا وإقبالًا وعملًا وثباتًا وصبرًا.

شارك
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x