تربية الذكور اليوم يجب أن تحاط بعناية فائقة لإخراج جيل يحمل الصفات الرجولية المهيبة على خطى السابقين الأولين، خاصة في زمن غزت فيه الأفكار الغربية العقول واستقوت فيه النسوية ودنست صفاء الفكر والسلوك، وافتقدت فيه المحاضن الأسرية القدرة على صناعة الأجيال القوية، فاختلطت المفاهيم وتبدّلت الصور الذهنية عن الرجولة، مع استمرار تأثير الإعلام وثقافة الشهرة التي تُجمّل الميوعة وتضعف القيم الصلبة.
وأكبر خطأ يقع فيه معلمو الصبيان، التركيز على الضح النظري والحشو الفكري المنفصل عن أسباب صياغة الشخصية الرجولية والصفات الرجولية بكل ما يميّزها من الجد والشهامة في رجال المستقبل، وأكثر ما يهدد كل جهد وزرع في هذه السبيل، إهمال مظاهر التأنث والدلال المفرط في الذكور، والتي كثيرا ما يحملونها من بيوت تأثروا فيها بالنساء لفقد تأثير الرجل في وسطهم. وما أكثر انتشارها اليوم في الأجيال، حتى تلك التي ترتاد المحاضن التربوية والمدارس الإسلامية. وهذا ما يكشف درجة تأثير سلطة الثقافة الغالبة المحاربة ودرجات الهدم للمفاهيم التي تنخر في هذه الأمة منذ عقود..!
أيها المعلم احذر تصرفاتك!
إن القدوة تلعب دورا كبيرا جدا وتختزل الكثير من الجهود والأوقات، ولذلك المعلم الذي يملك الكارزيما والصفات الرجولية يوفر على نفسه الكثير من التعب في نقلها لطلابه، وكلما كان المعلم ضعيفا في هذا الجانب، وغير مؤثر بشخصية قوية، مهما حاول أن يحقن الأجيال بصفات الرجولة كلاميا، سيكون تأثيره أضعف من تأثير القدوة العملية التي يتعلم منها الطلاب.
فأينما وجد المعلم صاحب الكاريزما القوية والقدرة على تربية طلابه بشخصية مؤثرة في سلوكهم، فنحن أمام كنز يجب الاهتمام به والاستفادة منه.
فالمعلم هو النموذج الذي يقلّده الصبيان؛ ولذلك يجب أن يكون معتنيا بهيئته، وهيبته، بصوته وكلماته، كيف تخرج قوية وواضحة وشجاعة ومسددة، وكيف يكون سلوكه منضبطا بوقار الرجل ومسؤولياته. كيف يكون واضحا غير متردد ولا مرتبك، قويا في عقيدته وخلقه وأهدافه ورؤيته غير مضطرب!
وأفضل صفات الرجل المعلم، أن يحسن الجمع بين الرحمة والحزم، واللين في موضعه، والشدة في موضعها. ويحمل من قوة الحس في حضوره وتحركاته. فيهتم لأصغر تفاصيل الرجولة ويحذر بشدة مما يهدم ويضعف هذه الرجولة.
فالصبيان حقيقة لا يتعلمون الرجولة من الكلام والدروس النظرية بل من المشاهدة والتفاعلات اليومية، فكل تصرفٍ من المعلم درس غير مباشر. ولذلك اعتنى السلف جدا بمسألة إيجاد المعلم المناسب فيتعلم منه أبناؤهم السمت والأدب والرجولة، قبل أي شيء آخر، وعلى هذا النحو كان القادة الفرسان يُسحبون من خدور النساء إلى مدارس الصبيان منذ سن السابعة ليحتكوا بالمعلمين الرجال، ويتأثروا بصفاتهم الرجولية. فتشتد سواعدهم وتنضج قلوبهم رجالا فرسانا. فليس في محاضن الرجال طبطبة الأمهات وعطفهن بل ثبات الرجال وشد عزائمهم!
يركز الكثير من المعلمين على الجانب النظري والتعليمي بالنصوص والدروس والشروحات ولكن هناك فجوة كبيرة تنعكس على سلوك الطالب الذي يجلس كالإناث في الدرس، أو يظهر الدلال والميوعة في محاضرة ولو كانت عن الشجاعة والقوة، فلا بد أن يعتني المعلم بتقويم سلوك الطالب في الدرس وفي حلقات العلم، فيتعلم منه الطلاب كيف يجلس الرجال، وكيف يتعاملون كرجال صغار، ويحفزهم على هذه التفاصيل بأن يقدمها لهم كقدوة وبأن يراقبهم عليها، فيضبط جلوس هذا وينبه الآخر على طريقة ضحكه وتفاعله، والثالث على طريقة طلبه واستجابته، فيشجعه على أن يتفاعل كرجل يعي ما تعني الرجولة في سلوكه!
وبهذا يصلح الكثير من تأثر الطلاب بأمهاتهم وأخواتهم في البيوت، ويصقل فيهم الرجولة صقلا، فليس الذكر كالأنثى في كل تفاصيله، في جلوسه ووقوفه في تفاعله وكلامه وحتى ضحكه ومرحه!
لا بد من معالجة الفجوة بين التنظير والتطبيق، وهذا يتطلب إلحاق التربية البدنية وتعليم الذكور الرياضات الرجولية، فلا يليق بطالب علم أن يكون خاملا هشا ضعيفا إن كان يروم القيادة والجندية!
ولا نقصد بذلك ألعاب كرة القدم والسلة وألعاب اللهو المنتشرة! بل الرياضات التي تصنع القوة في نفوسهم بما فيها الفروسية والرماية والسباحة والركض، والأنشطة الكشفية والتمارين الرياضية وغيرها من نشاطات ميدانية تعلمهم الاعتماد على النفس ومعرفة قدراتهم الذاتية، وتقوي ثقتهم بأنفسهم وتسمح لهم باستكشاف قدرات شخصيتهم الرجولية!
يرافقها تكليف الصبيان بمهامٍ مناسبة لأعمارهم، بالخطابة، وبحفظ سر، وإدارة مبلغ مالي، وإيصال أمانة، والعناية بمكان، وحفظ ملفات ومساعدة، وتقديم الرأي والنصيحة والمشورة، وقيادة فريق، وبحث معلومة وفكرة، وطرح حلول للمشكلات، وغيره من مهمات تصنع فيهم حس المسؤولية.
فشعور الثقة وضبط النفس من أهل الصفات الرجولية التي تصنع القوة في القلب والجوارح لدى الصبيان.
وعلى أساس الفطرة السليمة تبنى العلوم والمفاهيم وترتجى الفتوحات..!
ومما أحذر منه بشدة، هو إهمال معالجة ظواهر “الدلع” والميوعة في الصبيان، وهذا أمر يتطلب معالجة حكيمة وذكية.
بدون سخرية أو إهمال لخطورة استمرار هذه المظاهر، يجب أن يوجه المعلم الملاحظات بتركيز لما يصنع الشغف في نفس الطفل لأن يكون رجلا قويا وشهما وبطلا. فيستخدم عبارات من قبيل، “ليس هكذا يا فتى”، “بل هكذا يتجاوب الرجال، كن رجلا!”، ويقدم له الفكرة والطريقة بمحبة يستشعرها الطالب.
وليحذر المعلم من إبداء الإعجاب بالتفاصيل الجانبية في شكل الطالب أو جمال خِلقته، وليركز على القيم المهيبة، كالجد والشجاعة والصدق والأمانة.
لابد أن يصنع المعلم فهما صحيحا للطلاب للتفريق بين اللطف والتأنث، وخفض الجناح والضعف، وبين أن يكون صبيا طموحا وبين أن يكون طفلا مدللا.
وليستعمل الصبيان الذين يظهرون صفات رجولية مهيبة لتقديم القدوة بدورهم فيتأثر بهم الأصغر سنا. خاصة أولئك الذين تربوا في بيئة فقيرة أو قاسية فعادة ما يكونون أكثر قدرة على إظهار معاني الرجولة والجد والانضباط، على عكس من تربى في ترف ودلال وسرعة تلبية لطلباته، فكان ضحية إهمال العناية بصفاته الرجولية.
ولا بد من الانتباه لميزان العاطفة والعقل، فبعض الميوعة تنتج عن إهمال الجانب العاطفي في التعليم؛ أو من تراكمات التربية الأسرية التي تهمل القدوة الرجل، في حياة الصبي، أو من صحبة تجلب الضعف، أو مصادر تصنع هذا الضعف، ولذلك يجب أن يتقرب المعلم ويصنع الحضور الرجولي في حياة الطالب، باعتزاز ومحبة، ومد جسور الثقة والأمان، بدون تحقير وبالحذر التام من التنمر أو السخرية، بل بتربية بالتدريج على هيبة الرجولة، بدون أن يشعر الصبي بما يتبدل في نفسه إلى أن يتحلى بصفات الرجال فتنسجم مع مكوناته الفطرية وقدراته العلمية، وبهذا نصنع رجلا فاضلا.
ولضمان النتائج الأفضل، يجب صناعة وعي نجيب بخطورة ما يشاهده الصبيان في يومياتهم، والتناقش معهم فيما يشاهدونه على منصات المشاهير والمسلسلات والموضات وغيرها مما يتم تداوله ويصنع التأنث والميوعة والهشاشة في الذكور. لتوليد حصانة وتأمين مرجعيات أكثر قوة وصلابة من الغزو الفكري الهدام لمعاني الرجولة. فالرجولة تعرضت لحرب موجهة ومدروسة منذ زمن بعيد جدا، واستدراك خسائرنا فيها التي وصلت لحد الفهم الصحيح للرجولة، تتطلب فداء!
ليحذر الصبي من التعلق بألقاب “النجومية” و”الشهرة” وليسعى إلى مرتبة “القدوة” و”التقوى”، وفق معايير الإسلام، وهذا يعني الحذر من تربيته على حب التصدر في الشاشات وأخذ اللقطات والصور والاهتمام المبالغ بأن يراه الناس ويرون صوره وهو يفعل هذا الأمر أو ذاك! فهذا من أكثر ما يهدم معاني الصدق في نفسه، وكيف سيتربى رجلا إن كان اهتمامه معلقا بالناس أكثر من ربّ الناس في حياته الواقعية وإن كان يدرس أهمية الإخلاص نظريا، فلا أثر كأثر العمل في النفوس.
يجب أن يتربى الصبيان على أن البطولة الحقيقية هي في خدمة الإسلام ونصرته ولو في الخفاء لا يعرفهم الجماهير.
وأرى من المهم جدا على معلم الصبيان ليحفظ جهوده وما يحققه من نتائج مثمرة، أن يوصل هذه الرسائل للأسر، وينبههم لأهمية تنشئة الأبناء على الرجولة وحفظ ثمار التربية التي يصنعها في صغارهم.
فحفظ التواصل بين البيت والمدرسة يسمح بتوحيد الخطاب التربوي ويمنع الوقوع في تناقض التوجيهات.
الرجولة ليست دروسا نظرية أو قصصا تربوية، بل خلقًا يُبنى وقدوة تُؤثر وسلوكا ينعكس في الواقع.
وترسيخ معاني الرجولة الحقيقية أمانة ومسؤولية، والنظر في سير الأولين يساعد في رسم التصور الصحيح لصفات الرجل الذي تحتاجه الأمة المسلمة اليوم وغدا.
فعمق تأثير الغزو الفكري والتخلف العقدي في الأجيال مثخن جدا لدرجة أن خوارم المروءة أضحت أمرا اعتياديا ومقبولا جدا! وما لم نصلح المعاني الرجولية ونعيدها إلى فطرتها وقوتها وسيادتها، فكل ما نبني عليه هش ولا يعوّل عليه مهما وفرنا من دروس وبرامج وتعاليم!
نحن بحاجة لتربية رجال بحق، لا أشباه رجال يحفظون النصوص ويحسنون الكتابة والظهور، بينما في ملاحم الحق، أجبن من يهود!
وإن كان هناك من بقية كلمة، فإن التركيز المضاعف على تعليم الصبيان العلوم والدروس النظرية على حساب تربيتهم على العمل بها والمحافظة على معاني الرجولة، يصنع خللا منهجيا تربويا فادحا، ولرب طالب يتخرج من الكتاتيب المهملة إعلاميا، أشد رجولة وأصدق نصرة لدينه وأمته من أرتال الطلاب الذين يتصدرون الشاشات، بمقاييس تهمل الرجولة الحقة وتتعلق بأساليب التربية الغربية المترفة والمنهزمة!
والله الموفق والله المستعان.
ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد سبحان الله هذه الأيه نعيشها في زمننا هذا اكثر من اي وقت مضى
ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام
عندما كان صلاح الدين الأيوبي صغيراً يلعب مع الصبية في الشارع. شـاهده أبوه. فأخذه من وسـط الأطفال ورفعه عالياً بيديه. وكان أبوه رجلاً طويل القامة. وقال له: «ما تزوجت أمك وما أنجبتك لكي تلعب مع الصبية!. ولكن تزوجت أمك وأنجبتك لكي تحرر المسجد الأقصى»!. وتركه من يده. فسقط الطفل على الأرض!. نظر الأب إلى الطفل فرأى الألم على وجهه. فقال له: ألمتك السقطة
قال صلاح الدين المتني
قال له أبوه لم لم تصرخ؟
قال ما كان لمحرر الأقصى أن يصرخ. ❝