من أبرز ما كشفته حرب غزة، الجهل المتفشي بحقيقة الهيمنة الغربية وعمق تمكنها في العالم الإسلامي.
نظام هيمنة كامل، مركب وعميق، قام منذ عقود يقتات على استعباد الشعوب وسلبهم هويتهم واحتكار هممهم في حب الدنيا واللهث خلف لقمة العيش أو متعة زائلة.
يلخصه قول الله جل جلاله ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [ البقرة: 217]
والقتال لا يكون بالضرورة عسكريا، فالقتال الفكري والإستراتيجي وسيلة حرب أفتك، بطيئة ولكنها أكيدة المفعول. وهو ما سلطه الغرب على المسلمين ولكن القوم في خيبة وغفلة مستمرون.
إن دراسة استراتيجية الهيمنة ومنظوماتها المتصلة وتفكيك أدواتها علم يحتاج الكثير من التفصيل والفهم، ومادة يجب أن تدرس للناس والأجيال، وتقام لها الدورات التعليمية لصناعة الوعي، كي يبصروا طبيعة الأغلال والأسوار التي تحيط بهم في سجن كبير ظاهره حرية وداخله احتلال.
كل حدث يحدث يعري ملامح الهيمنة في العالم الإسلامي، فينصدم البعض بجرأة اليهود وصفاقة الأمريكان وحلفائهم الغربيين، وفي الواقع، هذه الأحداث لا تستوجب الصدمة، بل تتطلب الانتفاض والكف عن الانجرار للأحداث بمشاعر عاطفية منفصلة عن العمل الحثيث لكسر الهيمنة الغالبة.
إن فهم كيف تعمل استراتيجية الهيمنة في العالم الإسلامي نصف الحل، لأنه يسلط الضوء على مكامن قوتها وأساليبها المثخنة، ويسمح بصياغة استراتيجية مضادة فعالة، والنصف الثاني، سبق وبطولة وفضل من الله عظيم!
تربية القرآن العظيم
سورة آل عمران حجة على كل مجاهد وجماعة حملت السلاح في زماننا وكل زمان.
فما تحمله السورة العظيمة من علم وفقه وتربية على ضوء غزوة أحد، مدرسة يجب أن يتدارسها المسلمون ويفهموا أبعادها وقيمها.
إن ما يتكرر في كل نازلة وحرب، هو التغاضي عن واجب دراسة التجربة وتحديد نقاط القوة والضعف، وتصحيح ما يوجب الإثخان وتسلط الأعداء. وبدون هذه الدراسة المتجردة للحق والمستحضرة لمعاني سورة آل عمران لن نتمكن من تطوير الاستراتيجيات بكفاءة بحسب تحديات المرحلة، ولن نتقدم ببصيرة ورصيد ثقيل من الإحاطة والتجربة، إن كان الإصرار على أن نعالج مكامكن الضعف مهملا.
وهذا يعني أن تجربة غزة يجب أن تتحول لدرس ولبنة بناء وإعداد للمرحلة المقبلة من الجهاد في فلسطين، ليس بترقيع وتغاضٍ يفتك! بل بمسؤولية وأدب مع الله جل جلاله.
إن أكبر خسارة ليست احتلال غزة وتمكن الاحتلال من القطاع وإنما أكبر خسارة هي الخروج من هذه التجربة بدون قواعد جهادية أكثر خبرة ونضوجا ومرونة تؤرق منظومة الهيمنة الغربية والاحتلال الصهيوصليبي وتتحول لوسواس يحرمهم النوم.
إن أكبر خسارة هي توقف الهمم عن التخطيط الإستراتيجي والجمع الذكي والصبور، والمواصلة وفق ما يتوفر من معطيات وجمع المدد باستحضار الأخطاء والمراجعات التي نرجو منها رحمة الله تعالى وتوفيقه وتأييده جل جلاله.
إن أكبر خسارة هي التعامل مع كل ما جرى من باب التبرير والتنصل، وتحميل العدو كل خسارة والخذلان كل إثخان.
بل يجب أن يتربى جيل كامل قادة وجندا على معرفة طبيعة الصراع وتحديد أطرافه بوضوح وصراحة، والكفّ عن الارتهان لهش!
آن الأوان أن تصنع تجربة غزة النضوج والقيادات الأكثر معرفة بأسباب القوة والضعف، وموجبات النصر والهزيمة.
فيا شباب الأمة، يا طاقات الخير ومصانع القوة، لا يرهبنكم صعود نبأنا به الله جل جلاله ورسوله صلى الله عليه وسلم منذ زمن بعيد، ولا يشغلنكم عن شرف نيل السبق والسهم في فتح بيت المقدس.
وإنها والله لمرحلة قادمة بوعد من الله حق، ولكنها تتطلب قلوبا وجلة متأدبة من رصيد ثقيل جدا ودامٍ كثيرا من تجارب المسلمين في كل مكان.
تتطلب استراتيجية صبورة مصابرة، ثم لحظة الفتح سيمسي كل وقت مضى مهما طال، أثرا! ومجرد لحظات انتهت وكأنها لم تكن.
ليخرج المسلمون بعد غزة أوضح رؤية وأقوى بصيرة وأشجع على العمل لنصرة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والعمل على إعلاء كلمة الله تعالى حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
فتلك السبيل فقط التي يحل معها النصر، وليس أي هدف غيرها!
ليس ابتغاء حياة كريمة ولا ثروات وسيادة على أرض!
فكل هذه من الغنائم التي يوجبها الله فضلا لعباده الذين يقيمون شريعته في الأرض ويدافعون عن دين الله وعن مقدسات الإسلام وعن كل مسلم ومسلمة في قلب الاستضعاف.
فاللهم اجعل من غزة التغيير في النفوس لما فيه خير المسلمين وتحررهم ورجوعهم لدينهم بعزة.
والحمد لله الذي قضى أن يكون الجهاد ماضيا إلى يوم القيامة ولا عزاء لمخذل ومرجف ومنهزم!