أيها الناس، المسلم عزيزٌ، ما دام مسلمًا؛ لا تُسقطه المسافات، ولا تُسقطه الحدود، ولا تُسقطه عناوين الأخبار إذا غاب اسمه عنها.
قد تتكالب عليه الأمم، وتشتدّ به الظروف، ويضيق عليه العيش، ويبيت في كربةٍ لا يشعر بها إلا الله؛ ثم تمضي الأخبار عنه سريعًا، كأنما كانت محنته لا تستحق مجرد تغطية خبر في زحام العالم! ذلك العالم الذي ينتفض للكافر وكلب الكافر! ويستنهض الحكومات والمؤسسات لنجدته! أما المسلم فلا بواكي عليه!
والمسلم لا ينبغي أن يكون مهملًا في قلب أخيه.
لا تزدروا خبر مسلمٍ واحدٍ في محنته، ولا تستهينوا بكربة أخٍ لكم لأن آلات الإعلام اعتادت تهميش المسلم واسترخاص حق المسلم!
تابعوا أخبارهم، اعرفوا أحوالهم، ارفعوا أيديكم بالدعاء لهم، ومن استطاع أن يوصل إليهم نفقةً أو صدقةً عبر جهةٍ مأمونةٍ أمينة، فليبادر، وليحتسب عند الله تعالى أداء حق الأخوة والنصرة.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.
وليس هذا مجرد معنى يطرب له القلب، جميل؛ إنها أخوةٌ رتّب الله عليها حقوقًا وتكاليف. ولذلك قال النبي ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، وشبّك بين أصابعه.
وانظروا إلى سيرة السابقين الأولين؛ لقد كان جبر ضعف المساكين، وإغاثة المكروبين، ومواساة المستضعفين بابًا عظيمًا من أبواب البر عندهم، حتى اشتهر بعضهم بألقابٍ من شدة عنايته بهم: فهذا أبو المساكين، وهذه أم المساكين، رضي الله عنهم وأرضاهم، وقصصٌ كثيرة عن أناسٍ لم تكن لهم شهرة في الأرض، لكن كانت لهم عند الله عز وجل، منزلة بما حملوه من همّ إخوانهم.
كان أولئك يجتهدون في الوصول إلى المساكين، واليوم قد تصلنا أخبارهم إلى بيوتنا في لحظتها، وتصلنا صور مآسيهم وأصواتهم وكلماتهم في دقائق؛ فلا ينبغي أن تكون كثرة وسائل الاتصال سببًا في موت الإحساس، بل ينبغي أن تكون بابًا أوسع إلى النصرة.
فماذا بقي من الأخوة إذا كنا نرى كربة المسلم، ثم لا نكلّف أنفسنا حتى دقيقة دعاء؟
وكيف نسأل بعد ذلك: كيف نستَنزل رحمات الله؟
ألا نتفقد مواطن الرحمة في قلوبنا أولًا؟
إن متابعة أحوال المسلمين ليست فضولًا إخباريًا، ولا استهلاكًا للأخبار، وإنما قد تكون عبادةً توقظ القلب، وتصنع الوعي، وتربط المسلم بجسد أمته، ودليل صدق، يفتح له أبواب البذل والدعاء والنصرة.
وتأملوا قوله ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
فلا تجعلوا المسلم المنكوب رقمًا في إحصائية، ولا خبرًا لا يستحق الوقوف عند شاشته، وإن مر فيُزدرى!
اعرفوا آلام إخوانكم، اذكروهم في سجودكم، تصدقوا عنهم إن قدرتم، وانصروا بما تستطيعون، وأحيوا في بيوتكم وبين أبنائكم معنى أن للمسلم في أقصى الأرض حقًا في قلبك.
ولعلّك لا تملك أن ترفع عنه البلاء، لكن تملك ألا تتركه وحيدًا في دعواتك ونبل إحساسك.
وهذا ـ وإن كان أقلَّ الواجب ـ من أعظم ما يُحيي القلب، ويصنع الوعي، ويورث العبد بركة النصرة لله؛ فمن ذاق لذة القرب، عرف أن من أبوابها أن يحمل همّ عباد الله، وأن يفرح لنصرتهم، ويحزن لآلامهم، ويسعى في جبر كسرهم.
ولطالما هان حقُّ المسلم حين هان المسلم في نفوسنا؛ فهُمِّش، وازدُري، وغاب عن دوائر اهتمامنا، حتى صار وجعُه خبرًا لا يستحق الاهتمام، ومأساته مشهدًا يألفه القلب ثم يتجاوزه. وتحتشد الجموع حول خبر كافر تافه أو كافرة تافهة!! يا لرقة القلب حين تخون!!
وما لم نرفع نحن قيمة المسلم في تفاصيل حياتنا كلِّها؛ بحسن معاملته، وحسن الولاء له، وحسن المواساة، والقيام بحقه، فلن يعيد له أحدٌ شرفه الذي أراد الله له.
فلتكن البداية الصادقة من إعادة شرف الإسلام إلى مكانه في نفوسنا، ومن إعادة المسلم إلى منزلته التي جعلها الله له، ولنكفّ عن تهميش مآسينا؛ لجشعٍ استغرقنا، أو غفلةٍ ألهتنا، أو انكبابٍ على الدنيا حتى ضاقت به دوائر اهتمامنا بأنفسنا ومن حولنا.
إني والله أرى في متابعة أحوال المسلمين، ومعايشة آلامهم، وحمل همّهم، حصانةً للقلب من الوهن؛ ولو كان خبر طفل مسلم واحد! فإن القلب الذي يرى آلام أمته لا يركن طويلًا إلى الدعة، ولا يسترسل في الغفلة، ولا يستهلك عمره في الصغائر. وفيها من فضائل الولاء للمؤمنين، ومن حياة الشعور بالأمة، ومن تهذيب النفس على البذل والإيثار، ما لا يعرف حقيقته إلا من ذاقه.
ومن عاش قريبًا من مآسي المسلمين، ولم يجعل بينه وبينها جدارًا من اللامبالاة، سيجد أثر ذلك في حياته يومًا؛ سيجد أن الله قد أودع في قلبه من القوة والبصيرة والرحمة ما لم يكن ليبلغه وهو بعيدٌ عن آلام إخوانه. وربما كانت مأساتهم سببًا في إنقاذ قلبه هو من غفلةٍ كانت أشد خطرًا من كل ما كان يخشاه.
فلا تبعدوا عن مآسي المسلمين حتى لا تقسوا القلوب وتجفّ؛ اقتربوا منها بما تستطيعون، فإن في الاقتراب حياةً للقلب، وفي الصدق معهم صدقًا مع الله، وفي نصرتهم نصرةً لأنفسنا قبل أن تكون نصرةً لهم.
أيها الناس، المسلم عزيز! فأعزوا المسلم! ولا تخذلوا شرف الإسلام في الفرد المسلم والأمة المسلمة! يعزكم الله ويكفيكم ما أهمكم!
اللهم لا تجعلنا ممن يرون آلام المسلمين فتألفها قلوبهم، ولا ممن يسمعون استغاثاتهم ثم يمضون كأن شيئًا لم يكن. اللهم اجعلنا مفاتيح للخير، قائمين بحق الأخوة، ناصرين للمظلوم، جابرين للمكسور، وأنزل على إخواننا المستضعفين فرجك ورحمتك ونصرك. اللهم أعزنا بالإسلام وأعز الإسلام بنا، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
جزاكِ اللّه خيراً ونفع اللّه بمقالاتك المسلمين