“أين نذهب؟” للفرار بأبنائنا من سياسة خطفهم في الغرب

حياك الله دكتورة ليلى:

ارسلت المنشور لأخوات بالواتس وتواصلت معي أخت أظنها داعيه تقول:” كنت أتحدث في هذا الموضوع اليوم والإجابة كانت الآتي: نروح وين ؟ قول يا أختي إيش المتاح مشان أقول لهم”.

يعني تسأل ماذا تجيب الأخوات اللاتي يقلن: أين نذهب؟!

المنشور المقصود في السؤال

ما يجري في ألمانيا كما السويد كما كل دولة غربية تضطهد الأسر وتخضعها لقوانين ظالمة خلاصتها “خطف أطفالهم” ووضعهم في أماكن غير آمنة ومفسدة، يكشف حقيقة “حقوق المرأة والطفل” التي يتبجح بها هؤلاء الكفرة، ليس لديهم قيم إنسانية لتخاطبهم بها، فبهيميتهم غلبت، وفطرتهم انتكست، والشذوذ عندهم مصان ومفروض!:

حقوق المرأة عندهم تكشفها كدمات الضرب على وجه امرأة مسلمة، خطفوا ابنها بالبطش والقوة.
حقوق الطفل عندهم يكشفها مقتل طفل خطف من حضن أمه وألقي به في بيت شواذ يستغلونه حد الموت أو يقضي نحبه بين أنياب كلب!

ليس المقام لتعاطف بذرف الدموع وتهوين من المصاب أو التسليم لواقع مرير، بل المقام صيحة نذير لمن لا يزال يعيش في هذه الدول من الأسر المسلمة، آية واحدة زاجرة لو كنتم تعلمون قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)

لا تنتظروا حلولا من دول ظالمة، ولا من تغطية إعلامية تدمي القلوب، بل تحركوا واخرجوا من هذه القرى الظالم أهلها، فأرض الله واسعة، إن بقاءكم لجريمة كبرى بحق المسلمين جميعا وبحق الجيل المضطهد!

أنقذوا من تبقى من الأطفال ولا تسمحوا لهم بمزيد إذلال وإهانة وعدوان.

وحسبنا الله ونعم الوكيل.

الإجابة

حياكم الله، وأحسن إليكن،

الجواب على سؤال “أين نذهب؟”، يبدأ من قول الله تعالى الذي استشهدت به ابتداء في منشور صيحة النذير للأسر التي لا تزال تعيش تحت تهديد خطف أبنائها والرمي بهم في مسالخ الكفر والشذوذ، قال تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (النساء: 97)

أرض الله واسعة، وهي حقا واسعة في نظر المؤمن المستعين بربه المعظم التوكل عليه الذي جعل أولى أولوياته دينه وعقيدته وصيانة أبنائه من الكفر والشذوذ لكنها ستصبح ضيقة وضيقة جدا، لمن نظر لها بعين الغنى والمال والوثائق الغربية وغيره مما يجذب المغتربين إلى أرض الغرب.

لا بد من حزم مع النفس وصراحة أكثر في هذه الحال، هل هو صعب جدا الاختيار بين: ضياع طفل مسلم في مستنقعات الكفر والرذيلة وبين الصبر على شدة في العيش وفقد بعض كماليات الحياة؟

في الواقع الضيق في القلوب وليس في الأرض، فمن يعيش لعقيدته يستطيع أن يعيش في أي أرض يجد نفسه فيها لله أتقى وأبر، يقول ابن تيمية رحمه الله في ذلك:”أفضل البلاد في حق كل شخص حيث كان أبرّ وأتقى، وإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم”. (جامع المسائل لابن تيمية 345/5)

أي أن المقياس الذي يجب وفقه اختيار مكان الإقامة يجب أن يستند إلى سلامة الدين والأمان في العبادة وتربية الأبناء ولو كان فقيرا من حيث المستوى المعيشي أو يعاني فقد بعض كماليات الحياة.

لذلك لا بد من انتفاضة على مقاييس الدنيا، والعودة والفرار إلى مقاييس الآخرة وأول الأمر بإصلاح الأولويات في حياة المسلم، فأولى الأولويات حفظ العقيدة للفرد والأسرة، وهذه أولوية تهون لأجلها الأموال وكل نفيس في الدنيا، تهون معها منح الحكومات الغربية المالية والمساعدات وكل ترف في الدنيا!

حقيقة الرفاهية الغربية

ولنتحدث ببعض الصراحة، هل حقا الحياة في الغرب حياة رفاهية وغنى لا يمكن مفارقتها وإيجاد أفضل منها! أم بالفعل أنها حياة كدح ودفع وأن هذه الدعاية مجرد وهم!

كل من عاش في الغرب وكان من الطبقة العاملة، يعلم أنه يدفع الضرائب بشكل إلزامي لا فرار منه وهي نسبة معتبرة في كل الدول الغربية، وأن دفع تكاليف الحياة التي تجاري المستوى المعيشي الغربي حتى وإن لم نضف لها تكاليف مساعدة الأهل في بلاد أخرى، يخرج المغترب من كل ذلك صفر اليدين! فلا يبقى له شيء. إلا حالات قليلة من الذي فتح الله عليهم بالمال. ولا نتحدث هنا عمن تلطخت أمواله بالحرام فهي وصاحبها في النار.

فإن لم يكن من الطبقة العاملة وكان من الطبقة التي تحصل على مساعدة فالحال أضيق وأضيق ولا داعي للتذكير بواقع المتابعة المذلة والمهينة من المسؤولين في”السوسيال” في هذه البلدان، فهم من أخس الناس وأشدهم لؤما وكبرا، لا يتحرك المرء من بيت لبيت إلا برضاهم ولا يتمكن من التحرك لكسب قوت يومه إلا برضاهم وموافقتهم أو يعيش في رعب وفزع، فهو تحت رقابتهم كل الوقت، وكل ما يدخله من مال تحت رقابتهم.

إذا قضية أن الحياة في الغرب أفضل من غيرها مجرد وهم عاش عليه الكثير من الناس وكل من جرب وخرج من الغرب أدرك حقيقة هذا الوهم!

والقضية كلها تكمن في أمرين:

  • تصحيح الأولويات بالاحتكام لمقاييس الشريعة.
  • المبادرة بشجاعة بإعظام التوكل على الله والاستعانة به والهمة في الحركة، وهنا يعايش المرء ويبصر بنفسه بركات إحسان الظن بربه!

وللأسف أكثر ما يعيق المغتربين عن التحرك، هو سوء الظن بالله جل جلاله!

إن الذي رزقك في أرض أوروبا يرزقك في أي أرض توجهت إليها، ولو كانت في قلب إفريقيا أو آسيا أو أمريكا اللاتينية ولو كنت في أفقر الدول.

وللأسف هذا التفكير المتردد “إلى أين نذهب” أكثر شيئ متفشٍ بين المسلمين في الغرب وإلا فانظروا إلى تقارير الهجرة المعاكسة التي تم رصدها في السويد، لقد ارتفعت منحنيات الهجرة العسكية بشكل لافت لم يسبق أن عرفته البلاد، وهم جنسيات مختلفة منها حتى الأوكران النصارى، فهل هم أشد غيرة وخشية على أبنائهم من المسلمين؟ وهل وضع بلادهم في حرب ليس سيئا وأشد سوءا من غيره من العديد من بلاد المسلمين!

الهجرة العكسية في ازدياد

سبق أن سلطت الضوء على الهجرة العكسية في أوروبا في مقال بعنوان “المهاجرون إلى أوروبا .. طريق الموت ومستقبل الجحيم أو الهجرة العكسية“، وأوضحت أن منحنيات الهجرة العكسية آخذة في الارتفاع لأن الوضع الآمن والمرفه في أوروبا لم يعد حلما يستحق السعي له ولا حقيقة في الواقع.

في أحد التقارير بهذا الشأن جاء:” عدد المغادرين من السويد في عام (2021م) بلغ حوالي 48 ألف و 284 تركوا السويد بشكل دائم، كان عدد النساء  المهاجرات  23،260 ألف  وعدد الرجال  25،024 ألف ولكن حتى الآن في 2022 لم يتم الإعلان عن أعداد المهاجرين المغادرين للسويد، علماً أن هؤلاء هم حاملي الجنسية السويدية أو الإقامة الدائمة”.

ويواصل التقرير:” من المتوقع أن يتراجع النمو السكاني في السويد مرة أخرى خلال السنوات العشرة القادم بسبب سياسة الهجرة المشددة واستمرار تدفق المواطنين للهجرة العكسية من السويد، وقد يستغرق زيادة عدد سكان السويد لمليون مواطن جديد ما يقارب 25 إلى 30 عاماً بسبب ضعف الخصوبة والمواليد الجدد وفي حال استمرار سياسة الهجرة المشددة”.[1]

والتقارير تؤكد على أن حتى الأوروبيين أنفسهم، يفرون من دولهم! فكيف يعقل أن المهاجر إليها نفسه لا يفكر في الخروج؟ هل يعقل أن يكون أكثر تمسكا بهذه الأرض من أبنائها؟

والمتابع لهذه الهجرة العكسية يدرك أن الإعلام الغربي يمارس تعتيما إعلاميا بشأنها خشية تداعياتها وتشجيع المغتربين عليها، حين يشاهدون ارتفاع منحنياتها بشكل كبير. فالقارة العجوز لا تزدهر إلا بدماء المهاجرين التي تضخ في شرايينها، وهذه حقيقة صادمة لمن يتبجح بمن الحكومات الأوروبية على المهاجرين بقبولهم، فهم يقبلونهم لأنهم عامل مهم وحيوي لاستمرار حياتهم، ولكن المغيبون لا يدركون ويعيشون أسرى أغلال هذا المن الخادع!
والقليل من المواقع اعتنت بتغطيتها وكل ذلك مدروس ومعلوم لدى الإدارات الغربية. فهم يعلمون تبعات ذلك، ولذلك نفهم سبب الحملة الشرسة على كل الحسابات التي تفضح سياسة خطف الأبناء التي تمارسها هذه الإدارات في عدد من الدول الأوروبية.

ثم إن عدم عودة المهاجرين العكسيين إلى البلاد التي خرجوا منها يدل على أنهم وجدوا لهم موطنا وإقامة ترضيهم أو تناسبهم على أقل تقدير، وجدوا البديل!.

لا مبرر مقبول

من لم يملك الشجاعة للخروج والمغامرة والبحث كيف سيجيب غدا على سؤال الملائكة: “قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ”. فلا مفر من هذا السؤال ولا حتى بمبرر “كنا مستضعفين في الأرض!” لأن الحالة الوحيدة التي يعذر فيها المسلمون هي العجز التام عن التحرك وهو غير واقع في حال المغتربين اليوم في بلاد الغرب.

قال تعالى في سورة النساء (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99))

في تفسير الطبري رحمه الله لهذه الآية:”ثم استثنى جل ثناؤه المستضعفين الذين استضعفهم المشركون “من الرجال والنساء والولدان”، وهم العجزة عن الهجرة بالعُسْرة، وقلّة الحيلة، وسوء البصر والمعرفة بالطريق من أرضهم أرضِ الشرك إلى أرض الإسلام، من القوم الذين أخبر جل ثناؤه أن مأواهم جهنم: أن تكون جهنم مأواهم، للعذر الذي هم فيه، على ما بينه تعالى ذكره”.

والحل في الآية التي تلي ذلك، قال جل جلاله: (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (النساء: 100)

فلتكن هجرة لله تعالى بالخروج من هذه القرى الظالم أهلها، لينعم العبد بسعة الله في أرضه، وليس الخوف من خسارة امتيازات السويد وألمانيا وغيرهما، وكأن الحياة لا تتوفر إلا في هذه الأراضي!

ويعلم الجميع أن فيها من السيئات والنقص ما يحرض المؤمنين على الخروج منها سراعا!

لكن العجز يصنعه أمران:

الأول: ضعف الوعي العقدي وبالتالي ضعف الخشية من عواقب معصية الله تعالى،

والثاني: ضعف الهمة والتسويف والركون للظالمين تكاسلا وسوء ظن بالله تعالى.

وكلاهما مرتبط ببعض، فالخشية تصنع الهمة هذا أمر أكيد، والهمة في هذه الحال إن لم تولد من خشية الله تعالى فقد تولد من الخشية من الخطر، كما حال النصارى الذين فروا بأبنائهم.

لذلك فإن هذه الحجج من خشية المغامرة وتجربة جديدة لن تنفع، فأرض الله واسعة، والمسلم الصادق، يضع الخريطة أمامه، ويستعين بربه معظما التوكل عليه، ويبحث الأسباب والفرص الأقرب الممكنة، فكما وصل لهذه الأرض سيجد بإذن الله أكرم منها وأفضل، ولو كانت دولة غربية أخرى أخف قيودا مرحليا ولو كانت دول أروبا الشرقية مؤقتا، هذا ناهيك عن العديد من دول آسيا الوسطى والشرقية وإفريقيا ودول عربية لم لا؟!، الدول المتاحة كثيرة بحسب حال كل شخص لكنه التبرير المهلك!.

والرزق مكتوب، وبذل الأسباب لتحصيله ليست مسألة مستحيلة، واليوم تتوفر أعمال على الشبكة وفي التجارة وفي كل مجال لمن أقبل، ولمن اجتهد وبحث فارا بدينه ونيته الاستجابة لأمر ربه تعالى وإنقاذ ذريته، والفرار بالعقيدة أعظم وأهم من الفرار بالنفس!، ولكن المشكلة كل المشكلة في سوء الظن بالله تعالى والتعلق بالأسباب أكثر من رب الأسباب والله المستعان.

الرزق مكتوب

روى مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنةٍ، قال: وعرشه على الماء”؛ (رواه مسلم )

 وروى الشيخان عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: “إن أحدَكم يُجمَع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يبعث الله ملَكًا فيؤمر بأربع كلماتٍ، ويقال له: اكتُبْ عمله ورزقه وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة” وراه البخاري ومسلم حديث). 

وروى أبو نعيم عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إن رُوح القدس (أي جبريل نفَث  (أي ألقى) في رُوعي (أي قلبي)  أن نفسًا لن تموتَ حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها؛ فأجملوا في الطلبِ، ولا يحملَنَّ أحدَكم استبطاءُ الرزق أن يطلبه بمعصيةٍ؛ فإن اللهَ لا ينال ما عنده إلا بطاعته” (حديث صحيح)

وروى الطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الرِّزقَ ليطلُب العبدَ أكثرَ مما يطلبه أجله”؛ (حديث حسن).

 وروى الحاكم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تستبطئوا الرزقَ؛ فإنه لم يكن عبد ليموتَ حتى يبلغه آخرُ رزقٍ هو له؛ فاتقوا الله وأجمِلوا في الطلب: أخذ الحلال، وترك الحرام”؛ (حديث صحيح)

وقال جل جلاله (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ۚ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (النحل: 71)

فلا تمتحن الله تعالى في رزقك! وتزعم أنه لن يرزقك إلا في هذه الأرض فتجلب على نفسك سخطه وغضبه، فتخسر الدنيا والآخرة.

أحسنوا الظن بالله تعالى

بل أصلح النية وسدد العزيمة، وتوجه إلى أقرب مخرج من هذه القرى الظالم أهلها وحدثنا بعدها عن فضل الله عليك يقينا.

قال تعالى  (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) (الطلاق: 2- 3)

إن سعة الأرض هي بمقدار يقينك بهذه الآيات الجليلة، فالله يؤتي فضله من يشاء ولا ينال فضله مثل التقي!.

وبمقدار تعظيمك لله وحسن ظنك به يرزقك سبحانه، بقدر حسن ظنك بربك واجتهادك تلقى خيرا، ووالله ليصلنك رزقك فهو مكتوب، لكنك مسؤول بشدة عن أبنائك وستكون مساءلة عظيمة فهل ستقوى عليها! فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. وحفظ دينهم على رأس هرم هذه المسؤوليات. ووالله لأن يعيش ابنك جائعا مؤمنا لهو خير له وأنجى من أن يعيش مرفها كافرا!

فكفى تبريرا مؤسفا وتأخيرا مهلكا، ولا يكونن النصارى أشد خشية على أبنائهم منكم، فقد رأينا مسارعتهم للخروج من أرض يخطف فيها أبناؤهم مثلكم.

فكيف بمن يؤمن أن الله هو الرزاق الكريم! وله الأمر كله سبحانه جل جلاله.

وأما من رضي بالبقاء في ديار ذلة وإهانة وعدوان كهذه، فلا يلومن إلا نفسه، وإني لا أزال أحذرهم بقول الله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (النساء: 97)

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ: “لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا”.

وقال ابن القيم رحمه الله: “الرزق والأجل قرينان فما دام الأجل باقيا كان الرزق آتيا”. (الفوائد ص 72).

اللهم قد بلغت اللهم فاشهد.


[1]   تقرير

شارك
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
زكي عبد الحميد خلف الله المصري

مقالٌ سديد، وجوابٌ رشيد، ونداءٌ بليغ لِمَن يسمع؟! أو يعقِل؟!.
سَلمَت يمينكِ، وجزاكِ اللهُ خيراً على هذه الكلمات.

1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x