أين نحن من (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم)؟!

عن أبي هريرة رَضِيَ الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا يُلْدَغُ المؤمنُ من جُحْرٍ مرتين”؛ رواه الشيخان.

إن تربية المرء نفسه على اليقظة والإحاطة بما يجري حوله وتبيّن من هم الأعداء ورصد تحركاتهم وخطواتهم مهم جدا في زماننا، وهو مما تخلف فيه المسلمون وبرع فيه أعداؤهم!

وللأسف في الوقت الذي تحولت فيه مراكز الرصد الغربية المتخصصة بالعالم الإسلامي من مجرد حفنة من المراكز المعدودة إلى عدد لا يحصى من المراكز المنتشرة، يعمل فيها بنشاط عدد أكبر من الباحثين والباحثات، يؤمّنون رزقهم ويحصلون على شهاداتهم العلمية ويرتقون في الوظائف من رصد أخبارنا ودراسة سلوكياتنا! لا نجد في عالمنا الإسلامي ما يقابل هذا الاهتمام الغربي الكبير بنا، من اهتمام يدرس أعداءنا ويكشف خبايا خططهم واستراتيجياتهم، ويفهمهم! إلا جهودا قليلة لا تكاد تكون مؤثرة في صناعة الوعي بين أبناء الأمة! وهذه نقطة ضعف كبيرة لا تليق بمن يعلم أن أمته تحت مرمى أطماع وأهداف الغرب والشرق وكل عدو!

ولو ألقينا نظرة في مواقع التواصل على عدد الحسابات التي تراقب ليل نهار كل ما يحدث في العالم الإسلامي -على ضعفه- وعلى الرغم من الانشغال الكبير بصراع الدول الكبرى، ندرك أن أعداءنا أدرى بنا من أنفسنا في كثير من الأحيان، أدرى بعوامل القوة ومكامنها ولذلك يحذروننا، والله يقول لنا (خذوا حذركم)!

وفي ظل هذه المعطيات ومع ضعف واضح في حجم المعرفة التي يحملها المسلمون عن أعدائهم وخططهم، أرى من أضعف الإيمان أن يطور الفرد معرفته هذه باجتهاده الخاص فيتابع خطواتهم ويفهم استراتيجياتهم ويرصد جديدهم في إبقاء العالم الإسلامي تحت قبضة الهيمنة، وعلى الشبكة مصادر بحث كثيرة لتحصيل هذه المعرفة.

إنه لمحزن بشدة أن نشاهد الطالب والباحث الغربي يعلم عن تفاصيل وجزئيات في مجتمعاتنا لم نكن نهتم بها! بينما لا نعلم شيئا عن واقعهم، وأغلب تصوراتنا يصنعها الإعلام المأجور والمموّل، فتجد أغلب الآراء المنتشرة للمحللين عندنا نسخ ولصق لما يقوله الإعلام الغربي! لا يخرج عن هذا الإطار إلا قلة!

وكيف نطمح في التحرر والنهضة إن كنا لم نتحرر من طرق التفكير المستنسخة عن الغرب، وكيف يمكننا أن نتقدم خطوة واحدة في المسار الصحيح إن لم نحمل معرفة جيدة ومتكاملة عن أعدائنا!
أين تذهب كل طاقاتنا التي تتخرج كل سنة من مئات الجامعات في العالم الإسلامي! إنها حقا “غثاء”، لا بد من يقظة وقفزة!

يتخرج من الجامعات الغربية الكثير من الباحثين والمتخصصين بالعالم الإسلامي، بينما يتخرج من جامعاتنا عشرات الآلاف من الطلبة، ولا نجد في رسائلهم ما يعكس اهتماما جادا بواقع الأمة، ذلك أن التعليم لدينا لا يلبي حاجاتنا ولا يعالج مشاكلنا، من هنا وجب العمل باستقلالية واجتهاد فردي ومؤسساتي.

ما الذي يمنع الطالب الذي حاز الشهادة العريضة من أن يخصص جزءا من حياته لخدمة أمته، وتشترك الجهود في مراكز بحثية مستقلة بعيدة عن كل تبعية، وتعمل على توفير الدراسات النجيبة عن أعدائنا، ترصدهم تماما كما يرصدوننا، تقدم لنا ما نحتاجه لفهم واقعنا بعقل وبصيرة وبالاستناد لديننا وقيمنا! إنه العجز!

لا تنتظر أن تقدم لك الدراسات الضرورية لنهضة الأمة من خلال أنظمة تابعة وتحت الهيمنة والإعلام موجّه لمصالح أربابه، عليك أن تصيغ أنت واقعك العلمي والمعلوماتي، وترصد وتجمع وتبحث وتربط وتستنتج الخلاصات، بذلك نحقق قفزة جادة للأمام، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا! فكيف إن كان بإخلاص وإتقان!

لا تنتظر أن يتغير واقعنا بين يوم وليلة، وتأكد أن كل جهد يبذل بإخلاص ستستفيد منه الأجيال التي ستترحم على كل من ترك أثرا يبنى به مجد الأمة! كل الجهود تراكمية تكاملية على امتداد محور الزمن، كل دراسة وكل بحث وكل معلومة مفيدة سيستفيد منها اللاحقون، وهذا بناء من الجهود كالبنيان المرصوص!

نتمنى أن نشاهد همما مخلصة تسخر من وقتها وجهدها كل ما يمكنها لتطوير مراكز بحث ودراسات متخصصة، تفيد هذه الأمة، والأجيال التالية منها، مستقلة تماما، ومتمردة على جاهلية العصر، مراكز أخذت من تاريخ أسلافنا فقه الثبات والحرب وتعلمت كيف تدار الصراعات بصبر ومصابرة ويقين لا ينضب! وذلك من الإعداد!

تبصر في الأفق وعد الله الحق وتعلم أنه سيتحقق بإذن الله على أيدي العاملين بصدق وإخلاص وصبر! فلله در من سابق ولله در من ساهم في إحياء قلب وجيل وأمة!

كل هذا مستنبط من كتاب الله وسنة وسيرة نبيه صلى الله عليه وسلم. من تاريخنا الزاخر بتجارب النهوض (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).

شارك
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x