في زمن تتزاحم فيه الحروب، وتتداخل فيه المشاريع الدولية والإقليمية، ويُدفع المسلم دفعًا إلى الاصطفاف خلف هذا المعسكر أو ذاك، يصبح السؤال ملحًّا: أين يقف المسلم؟ وما موقعه في هذا المشهد المضطرب؟
والجواب لا يبدأ من التحليلات السياسية، ولا من قراءة موازين القوى فحسب، بل يبدأ من الثوابت الكبرى التي لا تتبدل بتبدل الأزمنة:
إن علاج أزمات الأمة، وفهم ما يجري فيها، لا يكون إلا من منبع الوحي؛ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. فالوحي هو الميزان الذي تُوزن به الوقائع، وهو البوصلة التي تهدي في زمن الفتن.
ومن هنا فإن أول ما يجب التأكيد عليه أن المرجع الأول لعلاج مصاب الأمة اليوم هو العودة الصادقة إلى دين الله تعالى، تصحيحًا للفهم، وتجديدًا للالتزام، واستجابةً لأمر الله ظاهرًا وباطنًا.
الأصل الأصيل: علاقة القلب بالله توحيدًا وقوة استجابة
قد يسيء بعض الناس الظن حين يسمع حديثًا عن حالة القلب مع الله، وعن ترسيخ التوحيد، وفهم مقتضيات “لا إله إلا الله” والعمل بها، بينما تتراشق الأحلاف الصواريخ بين الجانبين، فيظن أن الحديث عن ذلك، نوع من الترف الفكري في زمن الحرب والصراع. لكن الحقيقة أن هذا هو أصل النصر ومفتاح التمكين.
قال الله جل جلاله ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [ آل عمران: 160]
فالله لا ينصر أمة لمجرد كثرة عددها، ولا لقوة سلاحها، ولا لضجيج أنصارها، بل ينصرها حين تستجيب لأمره وتحقق عبوديته. ونحن خسائرنا مثخنة جدًا لتفريطنا المستمر في واجب الفرار لله تعالى، والاحتكام لشريعته عز وجل، وتقدير الله حق قدره والاقتداء بهدي نبيه صلى الله عليه وسلم، لا نزال نعتبر ذلك حديثا جانبيًا في السلم كما في الحرب، في الترف كما في النوازل التي تجف لها الحناجر وترتجف فيها الأوصال.
والغاية الوجودية للمسلم يجب أن تبقى حاضرة في خضم الصراعات، وهذا دين في رقابنا وبه نتواصى وإليه ندعو، فكفانا تضييعًا للأصول وتعلقًا بالهوامش.
فليست القضية أن ينجو المرء من حرب أو أزمة فحسب، بل أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وألا تكون فتنة في الأرض.
فإذا غابت هذه الغاية، تحولت الحروب إلى مجرد صراع مصالح، وتحوّل المسلم إلى رقم في معادلات الآخرين. بينما المسلم موعود بالتمكين، فكيف يجب أن يتصرف من وعده الله بالتمكين؟!
خاصة حين يعلم أنه تمكين يقوم على أصل التوحيد والعبودية لله تعالى وليس العبودية للبشر أو التبعية الذليلة لهم.
قال عز وجل ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 55]
﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ هذا أول سبب موجب للتمكين، فمن يهمل أو يزدري هذا الأصل العظيم، فيقع في الوصف الذي تختم به الآية ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ والعياذ بالله.
نحن نتبع هديا سماويًا لا أهواء بشرية دنيوية، نعبد الله وحده لا شريك له، ولنا شرعتنا ومنهاجنا الذي نتبعه، في السلم كما في الحرب! فكيف وكل حروبهم – في جوهرها- عقدية! ولا يخجلون من التباهي بعقائدهم!
قال الله تعالى ﴿ وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [ المائدة: 49]
وتأمل قوله جل جلاله ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ ما يعني أن في مقام امتحان الصدق يكون أكثر الناس من الفاسقين، وأكثرهم يتولى معرضًا عن شرعة الدين! فلا تغريك الكثرة ولا يخدعنك الدجل المنتشر بكثافة..وإن زوّقوه لك بعبارات الحرقة على الأمة!
وأخشى ما أخشاه على أولئك الذين يزدرون التذكرة بالغاية الوجودية وأمانة الرسالة ووصايا القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم في خضم الحرب، ويحسبونه حديثًا يخذل الأمة في وقت يتحدد مصيرها في الحرب الجارية، أن يكونوا من الذين قال عنهم الله جل جلاله: ﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ [ المائدة: 58]
فانتبه أيها المجادل بين فصول الحرب، لما تقوله وما تزدريه، فكلمة واحدة قد تؤدي بك إلى المهالك، والأدب مع الله جل جلاله ورسوله صلى الله عليه وسلم هو أول دلالة الصدق في نصرة الأمة.
والذكرى تنفع المؤمنين لا المنافقين ومن في قلوبهم مرض!
قال عز وجل ﴿ فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ (9) سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ ﴾ [ الأعلى: 9 – 10]
خطر المساومات الرخيصة
ومن أخطر ما يواجه المسلم اليوم المساومات الرخيصة على الدين. يُبتز المسلم فيُطلب منه أن يبيع مواقفه أو يلوّنها، أن يدلّس ويتلاعب بالنصوص ويخفي حقيقة مهمة هنا أو هناك، وأن يتحول إلى مروّج لمشروع هذا أو ذاك -العقائدي-! وإلا اتُّهم أو أُقصي. وأصبح من زمرة من لا يهتم لأمته!!
يطاردون الناس على حرف، على كلمة، قالها أو لم يقلها، قصدها أو لم يقصدها، في محاولة خسيسة للتهويل ولتحريف الكلم عن مواضعه، ولإجبار الحر على اتباع القطيع، ثم يحدثونك عن التمرد على الطواغيت، وهم بحد ذاتهم يمارسون سياسات الطواغيت ويساومون الناس على دينهم وعقيدتهم ومواقفهم الأخلاقية الراسخة!
ولو جعلوها لله خالصة لكان أرجى لهم، لكن أبوا إلا أن تكون للدنيا مُرخصة، فكان الحال ما تسمع وما ترى!
والحقيقة أن مناطحة سنن الله تعالى لا يقع فيها إلا من أساء الأدب مع الله عز وجل. فمن ظن أن النصر يُنال بالمجاملات السياسية أو بالتطبيل لهذا الطرف أو ذاك، أو بالظواهر الصوتية المنهزمة بلا قرار، فقد أخطأ الطريق.
نعم، قد يستفيد المسلم من توازنات القوى ومن تضارب المصالح بين الدول، وهو ما يجب أن يفكر فيه ويخطط له ويدرسه بحسن تدبير متوكلا على ربه، لكن هناك فرقٌ كبيرٌ بين الاستفادة من التوازنات وبين الذوبان في المشاريع. بين الاستفادة مما يجري لبناء مشروع أهل السنة الواعد، أو الموت تحت عجلات الزحف المعادي القادم!
فالمسلم لا يذوب في مشروع غيره، ولا يفقد بوصلته العقدية. لأنه أساسا يملك مشروعه الذي تمهد له سنن الله في الأرض، إن أخلص دينه لرب السماوات والأرض، واستجاب لأمره تعالى في الإعداد والجهاد والجمع والمراغمة..!
وهنا أخطها مرة أخرى، صيحة تذكير لمن هو في غفلة، ويتعلق بأستار إيران بحجة أن العدو الصهيو صليبي هو الأخطر. القضية ليست: من هو الأخطر؟ بل القضية، في سنن الله تعالى ولا يمكن لأحد أن يوقفها أو يتحداها! القضية أن من يحاول مناطحة سنن الله في الظالمين لم يدرك بعد ما يعني سنن الله عز وجل الثابتة التي لا تتبدل ولا تتحول!
ومن أعجب ما دوَّنته حوادث زماننا،
حالُ من يُناطح سُنَّةً من سنن الله عزَّ وجلّ!
يريد أن يُخضع السنن المهيبة لهوى نفسه،
وأن يُقاسِم القدرَ حكمته بقصور عقله!
أيها الناس، إنها معادلات عادلة لا تحابي أحدًا:
بما قدَّمت الأيدي، وبما كسبت الأنفس، يكون الجزاء.
فلا تظنَّ أن بمقدورك إنقاذ ظالمٍ من عاقبة ظلمه،
ولا انتشال مسيءٍ من مصيرٍ خطَّه بعمله.
السنن لا تنكسر لأجل أحد،
ومن لم يتعلَّمها اختيارًا، علَّمته إيّاها وقائع الأيام قسرًا.
أنّى للمخذول أن ينصرك؟
وأنّى لمن خذل نفسه أن يحقّق لك أمانيك؟
استيقظ…
فالسنن ماضية، والعدل قائم، والنتائج ثمرة المقدمات.
وما لم تقم به أنت، لن يقوم به غيرك!
كفاك مكابرةً وتفلتًا..!
قال الله عز وجل ﴿ اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [ فاطر: 43]
دروس التاريخ وعبء المستقبل
إن كثيرًا من نتائج الصراعات الجارية قد تحمل في طياتها فرصًا للمسلمين، لكن هذه الفرص لا قيمة لها إن أعادت الأمة تجارب الحكم الجبري نفسها، أو كررت وقاحة تحييد الشريعة والكفر بنعم الله تعالى وموالاة الظالمين والركون إليهم، إن أهملت موجبات التمكين الحقيقي، وموجبات المعية الربانية، في صراع ينصر الله فيه من يشاء ولا نصر فيه إلا من الله عز وجل.
فالتاريخ علّمنا أن عدم الاستفادة من دروس الماضي يتحول إلى عبء على المستقبل. والتاريخ ليس مقدّسا، ولكن الشريعة هي المقدسة وهي المنهج الذي يجب أن يقام ويحتكم إليه.
ولذلك جاء التحذير النبوي واضحًا: «حتى ترجعوا إلى دينكم». وهي عبارة لا تحتاج إلى كثير تفسير: أن يكون المسلم حيث أمره الله، معتزًا بإيمانه، لا رخيصًا مذلولًا لأعدائه. ولا يمكن تحقيق مقام عزة من ذلة للعبيد، بل الخضوع يكون لله الواحد الأحد، ذلك سبيل العز لا غيره. لكن المتعلق بالدنيا ارتيابه يفضحه!
ولتحقيق العودة الواجبة لدين الله تعالى بعد عقود من الحكم الجبري، يجب أولا التحرر من التفكير التابع.
فأول ما يجب أن تعمل عليه الأمة اليوم هو التخلص من عقلية التبعية والذلّ والانهزامية.
فكثير من الناس يفكرون بعقول الآخرين، ويرددون تحليلات تُبعدهم عن غايتهم الكبرى. كثير من الناس يحبون العيش كبيادق لأعدائهم أو مرقعين لأخطاء اختياراتهم الأولى، فينشغلون بتزيين الطواغيت ومشاريع الظالمين عن السعي الجاد لكسر الأغلال وتحمل المسؤولية بأمانة واستعانة بالله عز وجل. بجمع أسباب التمكين.
ولكل إصرار ثمن له أو عليه!
﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [ محمد: 21]
ومن أخطر ما يكسر فرص النهوض أن تُدفع الأمة لتختار بين مشروعين متناقضين في الظاهر، لكنهما يتفقان في النتيجة: أن تبقى الأمة تابعة لا قائدة.
فتُخيَّر بين الارتهان لمشروع الرافضة أو مشروع اليهود، وكأن الخيارات انحصرت بين ظالمين.
وهذه من أعظم المصائب الفكرية والسياسية في زماننا. وهي تحرم التفكير الريادي المستقل، ولذلك تعمى بصائر من ينتهج هذا النهج عن أي حل ممكن، وعن أي فرصة استثمار للمعطيات ونتائج الأحداث، لصالح مشروع ثالث هو الأرجى! وكأن الله ختم على قلوبهم فهم لا يفقهون! وهذا حال من يتولى الظالمين أو يركن إليهم يٌصاب في بصيرته وتلك الخسارة الكبرى.
وهي من أعظم المصائب، لأنها هيأت النفوس للتبعية، إما تابعا لمشروع الصهيوصليبي، أو تابعا للمشروع الرافضي، وأنت أيها المسلم، لا تفكر في غير ذلك لأن التفكير في غيره يعني نهايتك! هكذا يوهمونك وهذا مكر عظيم وجهل أعظم بل سوء ظن بالله عز وجل أفتك!
ولذلك لا ينبغي أن ينشغل المسلم كثيرًا بالمقارنات بين الظالمين، بل الأهم أن يبحث عن عوامل الانبعاث في نفسه وأمته. وأن يثق بوعد الله تعالى له، وأن يعظم التوكل على خالقه ومولاه، ويكف عن سوء الظن بربه! ويتأدب من سنن الله في التاريخ ويجمع أسباب السيادة والتمكين، منكسرًا لربه، خافضا الجناح للمؤمنين، مستعليًا بإيمانه وإخلاصه، على الكافرين والمنافقين.
قال الله عز وجل: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [ التوبة: 109]
وأول عوامل التمكين والنصر: التوحيد الراسخ، واليقين أن النصر من الله وحده، لا من إيران، ولا من أمريكا، ولا من أي قوة بشرية.
يجب إعادة الهيبة للتوحيد ولشريعة الله تعالى، ولواجب الاستقامة كما أمر الله عز وجل، ولإخلاص الدين لله وحده لا شريك له، لا للجماعات ولا للرموز ولا للمشايخ ولا للقوى والدول وأيّ كان، فينقطع الرجاء إلا من الله عز وجل. ولا يكون السير إلا تفانيا في مرضاته، وكأني أرى سنن الله تعالى تربي الناس على هذه الحقيقة وعامل التمكين الأول..!
وما لم يحقق الناس هذا الإخلاص التام والكامل لله عز وجل، أوكلهم إلى حظوظ أنفسهم وحرموا معيته ورضوانه، وتلك هي الخسارة المضاعفة، والضلال المبين!
أما أصحاب النظرة الاستعلائية على المؤمنين، فيجب كسر ثنائية الابتزاز اللئيم التي يسيرون بها! فقد سادت في الخطاب العام اليوم، ثنائية مقيتة: “إما أن تكون معنا أو أنت ضدنا” واجتمع الرعاع خلف هذا الشعار، سفاهةً وبغيًا وفجورًا. بقلة علم وخشية واعتداد بالرأي القاصر، مشين!
لكن المسلم لا يقبل هذه المساومة. فموقفه واضح: نحن مع الله ورسوله. صلى الله عليه وسلم.
فحيثما كان الحق كنا معه، وحيثما خالف أمر الله تركناه، كائنًا من كان صاحبه.
الفاعلية لا التفرج والتطبيل!
أما موقع المسلم في هذه المرحلة، فليس موقع المتفرج الذي يصفق لهذا أو ذاك، أو يطبل لهذا أو ذاك! بل هو موقع الفاعل الذي يعدّ نفسه ويصلح واقعه. ويبدأ ذلك بعدة قواعد أساسية موجبة للتغيير الحقيقي، وهذه حقا هي فرصته، ومن أضاعها، فسنة الاستبدال سنة لا تتبدل، فعلى المسلم أن يعتني بكل ذرة فيك بـ:
- التأدب مع الله جل جلاله والعودة الصادقة إليه. وتحكيم شرعه وإعادة الهيبة له، كما أمر الله بوضوح وأوصى نبيه صلى الله عليه وسلم بصراحة!
- صلاح القلب وترسيخ التوحيد. على منهج النبي صلى الله عليه وسلم بإعظام التوكل على الله، لا التعلق بأستار القوى البشرية والانفكاك عن أصل العبودية وتولي الظالمين والركون إليهم! وهو بحد ذاته سبب يمنع التفاني في الاستعداد والجمع والجهاد الواجب.
- الاستعداد لما هو قادم ومهول، بنشر العلم الشرعي وتوطيد علاقة الناس بربهم وشريعته، العلم الذي يحيي القلوب، ويهدي البصيرة. ويستدرك حالة التوحش التي هي قادمة لا محالة، فيخفف من خسائرها التي لا مناص منها، ويعد الثلة المؤمنة للقيام برسالتها وواجاباتها في المرحلة التي لا يضبطها عدلا وأمانًا إلا الإسلام وشريعة ربنا، وإلا فإن نتائج البعد عن دين الله تعالى والجهل به وعدم الاستعداد لمرحلة التوحش المقبلة، كارثية وأشد إثخانًا من كل الحروب التي نرى!
- الاستعداد والعمل المتكامل والجهاد في ميادين الجهاد كلها:
بجهاد العلم والتربية: بجمع الناس على التوحيد وغاياتهم الوجودية الكبرى وتحمل أمانة الدين وأمانة الرسالة، وإنشاء جيل قادر على حمل راية الإسلام والاستجابة لأمر الله تعالى. هذا جهاد لا يتوقف، يقوم عليه الأسر والأفراد وكل صاحب اختصاص وخبرة. رجالا ونساء. أفرادا ومؤسسات. بجهد متراكم متكامل. - جهاد الدعوة، بدعوة الناس للتوحيد والإسلام، فالمعركة كبرى! لنقيم الحجة ونوصل الرسالة، فهذه مهمة لا تتوقف في حرب ولا في سلم. لأننا أمرنا بالبلاغ لا بالاستكانة للأعداء! ولأن غايتنا الوجودية، السعي لإخراج الناس من الظلمات إلى النور. وحراس هذه الثغور من أهل العلم والتواقين لنيل فضل الله تعالى في تقوية صف المسلمين، بالمعتنقين الجدد الذين لا يزال ذكرهم في أحاديث آخر الزمان معلم قوة وحق، يجب العناية به. ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [ المائدة: 32]
- جهاد الإصلاح، إصلاح ما تسبب فيه التخلف عن الدين والعقيدة، والارتهان لعيش ذليل تحت حكم الطواغيت والتسبيح بحمد الآلهة المتعددة، آلهة المال والدنيا وفتنها المضللة! وحراس هذا الثغر ممن حمل على عاتقه الإصلاح وحمل من الحلم والصبر واليقين، ما يستقوي به إلى أن يلقى ربه ويعذر به. قدوته في ذلك الأنبياء، ومنهاج النبي صلى الله عليه وسلم، مصاحبا لآيات الله تعالى في كل حال ومكان.
- جهاد الكلمة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رغم أنف كل متفذلك! فهذه الأمة لا تعود لخيريتها إلا بإقامة هذه الشعيرة التي تحيي القلوب وتحفظ ثباتها على الاستقامة. وهو واجب كل مسلم ومسلمة، لا يتطلب إلا الصدق والإخلاص، ومعرفة ما أمر الله وما نهى عنه. وحب الخير للمسلمين جميعا.
- جهاد المال والإغاثة وسد ثغور الحاجة، بالصدقات والنفقات والزكاة وحتى العلم بما يسد الحاجات ويشفي الأمراض ويخفف مآسي المسلمين ومصائبهم، وكل ما يقوي بنيان الإسلام في الأرض، وهذا ثغر على قدر الاستطاعة بالمال أو بالاختصاص العلمي، وبه تقوم للإسلام رايته، كما فعلها من قبل الصحابة رضي الله عنهم، وما بذلوه في اليسر والعسر وما حفروه من دروس الإيثار والعفة المهيبة.
- جهاد السلاح والجمع والإستعداد للمعارك المقبلة، صدقا لا أمانيا، وتربية النفس على حديث القتال والشهادة، والتعلم والتعليم ونشر الوعي بعلومه وفنونه وفقه الجهاد العظيم، وتحصيل نصاب العلم اللازم من علوم الاستراتيجية والعسكرية والتخطيط والقوة، والإكثار منه على مسامع الأجيال في البيوت والمدارس والمنابر والخطب.
فهذه خنادق المسلمين اليوم، ولا يجوز القعود عنها ولا الاستهانة بالتفريط في ثغورها، ولابد فيها من استقلالية لا تبعية، لرؤية صافية لا مشوشة، لإخلاصٍ نقي لا دخن فيه. وتفانٍ مخلص لا ارتياب فيه، وحين تكون الاستقلالية في الثغور، مع صدق في السعي والمبادرة، فإن النتائج تكون مباركة.
ولا يليق بالمسلم أن يبقى متفرجًا على الأحداث، بل يجب أن يكون جزءًا من حركة التغيير الكبرى، التي تبدأ من النفوس بتعظيم العلاقة بالله تعالى وإخلاص الدين له سبحانه، وتنعكس عملا ومسابقة في ميادين الجهاد كافة، بلا ازدراء ولا إهمال لأي دور أو وظيفة فيها، فمن كان في الساقة فهو في الساقة ومن كلّفه الله قيادة، فليكن على قدر المهمة خاشعا منيبا لربه.
الجميع مجاهد مرابط يجمع ويعد، ويبذل ويسابق، ويدفع ويراغم! يستجيب لأمر ربه ويستقيم كما أمره سبحانه، تحكمه مرجعية واحدة، وشريعة واحدة، فيدعو إلى الله، وينصر التوحيد، ويعمل لإصلاح ما فسد من واقع الأمة ويورث الأمانة للأجيال المقبلة بأمانة وقوة، بلا ارتياب ولا بخل ولا غش!
وبركات النصر في كل ميدان تنعكس على كل الميادين، لأنها منظومات متصلة.
والجهاد في زمن الانتكاس واجب مضاعف.
ثم الاعتبار مما يجري، فإن ما يجري في العالم اليوم يجب أن يكون مدرسة للعبرة، لا مجرد مادة للجدل والتحليل. فالمسلم لا يعبد الدنيا، ولا ينخدع بالاستراتيجيات التي تصوغها عقول قاصرة محدودة، بل يبحث عن هدي الله في كل ما يواجهه. ويعلم أن النصر من الله وحده لا شريك له، وأن نصر الله يوجب النصر له، قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾ [محمد: 7 – 9].
والطريق واضح: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [ العنكبوت: 69]
فالهداية ليست وعدًا نحققه بتهميش حق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أو محاولة لي أعناق النصوص لتمليع طاغوت أو ظالم، بل نتيجة حتمية لمن صدق في الجهاد والسعي. وبادر بالأعمال مجاهدا يرجو رحمة ربه وقبوله. قد استغنى بالله عن البشر فأيده الله بنصره وبالمؤمنين.
احتمالات الصراع القادم
أما الصراع المحتمل بين إيران وحلف الصهيوصليبية، فهو جزء من شبكة معقدة من الصراعات. وقد تتخذ هذه المواجهة صورًا متعددة، فالمنطقة تتسم بتعقيدات جيوسياسية متزايدة، حيث تتشابك المصالح الإقليمية والدولية، مما ينذر بتشكل سيناريوهات محتملة قد تعيد رسم خرائط النفوذ وتوازنات القوى بشكل كبير.
السيناريوهات المحتملة
بناءً على المعطيات الراهنة والتحليلات المتوفرة، يمكن استشراف عدة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: حرب قصيرة تنتهي بتدمير قدرات إيران العسكرية
وهو السيناريو الذي تسعى له يهود وأمريكا.
ويكون بإخضاع إيران بضرب مراكز القوة فيها. بتدمير مخازن الصواريخ ومنصات إطلاقها، والبنية العسكرية والقدرات النووية، وبإضعاف الحرس الثوري بالاختراقات والمساومات، ثم وقف الحرب بعد تحقيق هذه الأهداف وجر إيران إلى مفاوضات بشأن برنامجها النووي وربما لإقامة حكومة أقل عداءً.
وقد بدأت بالفعل الضربات على منشآت الصواريخ والمخابئ العسكرية تحت الأرض لتقليل قدرة إيران على الرد. فضلا عن حصار قاتل ودولة بالأساس تعاني أزمة اقتصادية خانقة، وشعب يتفجر غضبا في أي وقت. فإن خيارات إيران ليست سهلة.
ونتائج هذا السيناريو:
تبقى إيران دولة لكنها أضعف بكثير وربما بحكومة مختلفة وجديدة وخاضعة.
سيتراجع نفوذ إيران الإقليمي، فالأذرع مستنزفة، وإن كانت متأهبة. لكنها ستنكفئ على ترميم خسائرها واسترجاع قوتها وتنظيمها.
السيناريو الثاني: تصعيد الصراع وتوسع تداعياته الإقليمية إلى حرب شاملة
قد تتسع رقعة الصراع فيمتد ليشمل دولاً أخرى في المنطقة، خاصة تلك التي تحتضن وكلاء لأحد الطرفين أو تتأثر بشكل مباشر بتداعيات هذا الصراع. أو هي جزء من حلف كبير، وفي هذا الاحتمال يمكن أن تتحول الحرب إلى عالمية كبرى. وأي قرار متهور، أو فعل متهور، قد يدفع إلى هذا السيناريو، خاصة بإقحام الدول النووية الكبرى.
وقد تتغير فيها التحالفات: فقد تضطر بعض الدول إلى إعادة تقييم تحالفاتها أو تشكيل تحالفات جديدة لمواجهة التهديدات المتزايدة.
سيكون هناك تداعيات جراء تأثير الحرب على الممرات الملاحية: فقد يؤثر الصراع على حركة الملاحة الدولية، خاصة في مضيق هرمز وباب المندب، مما سيكون له تداعيات اقتصادية عالمية كبيرة. وهذه التداعيات يكون لها أثرها أيضا في استمرار الحرب.
كما سيكون هناك تداعيات لتفعيل المرتزقة والأذرع الإقليمية لتوسيع رقعة الحرب لصالح كلا الجانبين، وقد يحدث فيها اجتياح دول وإسقاط أنظمة لصالح التوسع الإسرائيلي أو الإيراني الإقليمي.
ولا يستبعد هذا السيناريو استخدام السلاح النووي، من أي طرف من الصراع. والذي سيكون له تداعيات خطيرة على كل المنطقة خاصة بالتلوث الإشعاعي.
النتيجة المحتملة لهذا السيناريو: امتداد نيران الحرب إلى عدة دول. وضربات متبادلة مثخنة ومباغتة. وتعطيل الملاحة والطاقة. ونتائجه مدمرة على كل المستويات الدولية بانهيار أنظمة ودول.
السيناريو الثالث: استمرار الصراع بدون حسم
قد تطول الحرب ويتحول الصراع لمستنقع حرب لا تحسم، وتتدخل الاجتياحات البرية، لإسقاط النظام الإيراني، عبر الوكلاء وحتى عبر القوات الأمريكية، وفي الأثناء التي سيشتد فيها الاقتتال وتتدخل فيها أذرع الوكلاء والميليشيات والمرتزقة، فإن بعض دول المنطقة التي تعاني أساسا من صراعات داخلية عميقة، قد تتفاقم لتؤدي إلى تفكك الدول أو ضعفها الشديد، خاصة وأن منظومة الدعم للنظام الكليّ ستتهاوى ويصبح التركيز أكثر فأكثر على حسم الحرب.
وأكثر الدول التي يتوقع أن تتأثر بذلك: العراق واليمن ولبنان بدرجة أولى، ولا يستبعد من هذا السيناريو دول أخرى، خاصة تلك التي تحتاج فيها الحكومة المركزية لدعم خارجي أو لدعم النفط والثروات المحلية، والحرب لن تترك فرصة لدعم ولا لأرباح ثروات أن تستقر، وهذا السيناريو قد يتضمن:
تزايد نفوذ الميليشيات والجماعات الجهادية المسلحة، مما يعقد المشهد الأمني والسياسي.
كما يمكن أن يؤدي إلى تدخلات خارجية: قد تستغل القوى الإقليمية والدولية حالة الفوضى للتدخل المباشر أو غير المباشر، فالاحتلال اليهودي يترقب فرصة الاجتياح والتوسع. وبعض الدول لن تتردد في الاجتياح إن كان في ذلك مصلحة أو خطرا.
يرافق كل ذلك أزمات إنسانية: حيث يمكن أن تتفاقم الأزمات الإنسانية والنزوح، مما يشكل تحدياً كبيراً لشعوب المنطقة والدول.
وهذا السيناريو لا يقود إلى الحسم السريع فتتحول الحرب إلى حرب طويلة مستنزفة.
وستستمر الحرب بالضربات الجوية والاغتيالات والهجمات السيرانية والحرب عبر الوكلاء.
ويؤدي ذلك لإنهاك اقتصادي كبير قد يفتح الباب للسيناريو الرابع!
السيناريو الرابع: التنافس الدولي على الموارد والنفوذ
تظل منطقة الجزيرة العربية وبلاد الشام الكبرى، محط أنظار القوى الدولية الكبرى بسبب مواردها وموقعها الاستراتيجي. قد يتصاعد التنافس بين هذه القوى، مما يؤدي إلى:
حروب بالوكالة: فقد تلجأ القوى الكبرى إلى دعم أطراف محلية في صراعات بالوكالة، مما يزيد من حدة التوترات الإقليمية.
يرافق ذلك سباق تسلح: فقد تشهد المنطقة سباق تسلح لتعزيز القدرات العسكرية.
ستسقط لافتات السيادة وتختلط الأمور، إما مع هذا الحلف أو ذاك. وتتحول الحرب إلا ساحة فوضى وصراع وقاحة واعتداءات لا تعرف حدودا ولا قوانين على طريقة العصور الوسطى. وهذا يرشح أنظمة للسقوط وشعوبا للتمرد. فتداعيات الحرب الطويلة والصراعات الجشعة على الموارد لن يكون بدون ثمن تدفعه الشعوب من حياتها اليومية.
السيناريو الخامس: سقوط أو تغيير النظام في إيران
وهو أحد أهداف دوائر القرار في واشنطن وتل أبيب. وقد يحصل ذلك باستمرار تطويق فرص النظام في النجاة، بالضربات العسكرية التي تشل قدرات النظام على شن هجمات صاروخية أو بالمسيرات، وبتقوية خط الاحتجاجات في الشارع الإيراني، وبتشجيع انقلاب على النظام، أو بحرب برية تسقط النظام.
لكن الكثير من الخبراء يرون أن انهيار النظام ليس أمرًا سهلًا بسبب قوة مؤسسات الدولة والحرس الثوري. لكنها حرب مفتوحة لكل المفاجآت. وهذا يقودنا لسيناريو سادس!
السيناريو السادس: فوضى داخل إيران أو حرب أهلية
إذا ضعف النظام الإيراني بشكل كبير واستمر الضغط الأمريكي شديدًا، فقد يحدث: صراع داخل السلطة وتمردات محلية وحتى إقليمية وقد ينتهي الأمر إلى انفلات أمني تشتعل فيه البلاد لتسقط في حرب أهلية، حيث لا يوجد إلى الآن نظام أو حكومة تملك مقومات حكم إيران بكل مساحتها واختلافات مكوناتها بقوة النظام الحالي، لتكون بديلا.
وهكذا قد تتحول إيران إلى مستنقع، لا يحسم. وحرب أهلية مستنزفة، وقد تنتهي إلى التقسيم، فيأخذ كل عرق أو إقليم حكمه المستقل.
السيناريو السابع: تصعيد عالمي اقتصادي
وهو ما يكون مفاجأة بين السيناريوهات المحتملة، ويمكن أن يحصل هناك صدمة اقتصادية بحيث أنه حتى لو لم تتوسع الحرب عسكريًا، قد يحدث تصعيد اقتصادي عالمي.
وذلك نتيجة إغلاق مضيق هرمز وتأثر باب المندب. وتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية. وتعثر الاقتصاد تعثر الحرب أو توحش الحرب!
السيناري الثامن: سباق نووي أو تسريع السلاح النووي الإيراني
وهذا سيناريو أيضا من عنصر المفاجأة في تداعيات الصراع المحتملة، إذا شعرت إيران أن بقاءها مهدد قد تتجه إلى: تصنيع سلاح نووي بسرعة أو تحصيل مساعدة بالفعل من دولة نووية كروسيا أو الصين أو كوريا الشمالية، قد يكون توظيف النووي لصالح إيران في هذه الحرب وحتى أمريكا من أخطر سيناريوهات الحرب.
السيناريو الثامن: وقف الحرب بتسوية سياسية
وهو السيناريو الأقل صدامًا ويبقى من الاحتمالات الهادئة، حيث سيجلس الجميع على طاولة واحدة وكأن شيئا لم يحدث، ويطوى الملف بصفقة بين الأطراف، يتم فيها تقييد البرنامج النووي، ورفع جزئي للعقوبات عن إيران وترتيبات أمنية إقليمية جديدة.
خلاصة السيناريوهات كلها
يمكن تلخيصها في خمسة مسارات كبرى:
- ضربة محدودة تُضعف إيران ثم توقف الحرب
- حرب إقليمية واسعة في المنطقة قد تجر العالم كله إليها
- حرب استنزاف طويلة واستمرار الاحتقان وتفكك الدول
- تغيير النظام أو فوضى داخل إيران قد تصل لتقسيم البلاد
- تسوية سياسية بعد التصعيد
- ما يشاؤه الله عز وجل، فنحن لا نعلم الغيب والله يعلم كل شيء!
مع التنبيه إلى أن الكثير من التحليلات تتحدث عن حرب عالمية كبرى لاحقة، إلا أنها ليست نتيجة أكيدة، لكنها قد تتحول بسرعة وسهولة إلى حرب إقليمية كبيرة بسبب كثرة الأطراف المتورطة.
فرص أهل السنة في كل السيناريوهات
إن السيناريوهات المحتملة تحمل في طياتها تحديات جمة، ولكنها أيضاً تتيح فرصاً لأهل السنة لتحقيق الصعود والاستقلالية. يتوقف استغلال هذه الفرص على مدى صحة التصور للواقع، ومستوى الاستعداد المسؤول، والقدرة على بناء الوحدة الداخلية وتطوير القدرات الذاتية. والمستقبل لا يصنع بالتمني، بل بالعمل الجاد، والتخطيط الاستراتيجي، والإرادة الصلبة.
وفي كل الأحوال، فإن تصادم القوى الكبرى في المنطقة قد يفتح ثغرات وفرصًا يمكن أن تكون في مصلحة المسلمين.
وألخصها في نقاط:
- استغلال التنافس الدولي لصالحهم من خلال الابتعاد عن فخ الاعتماد على قوة واحدة، بل التحرر من فخ هذه التبعية. وأرى من كسر فخ التبعية أول أسباب التحرر والتمكين للمسلمين. وهم يساقون لذلك طوعًا أو كرهًا.
- العمل الحثيث على امتلاك أسباب القوة، خاصة وما لاحظناه من تأثير المسيرات في استنزاف الترسانة العسكرية الأمريكية، وفارق التكلفة الذي يستحق الاهتمام، فتكلفة إيقاف طائرة بدون طيار واحدة بقيمة 20,000 دولار يمكن أن تتصاعد إلى أكثر من 4 ملايين دولار – وهي نسبة تكلفة تبلغ 200 إلى 1. وهذا يعني ضرورة السعي لامتلاك التكنولوجيا الهجومية واسعة الانتشار ومنخفضة التكلفة لما تقدمه من ميزة استراتيجية، تجعل من الاعتماد على الأسلحة باهظة الثمن وعالية الدقة من الجانب الأمريكي والغربي يصل إلى نقطة تناقص العوائد في المواجهة. وهذه نقطة فارقة في الحرب. ويدخل في هذا الأمر، كل ما يدخل في الأسلحة والتكتيكات طويلة النفس وشديدة الاستنزاف، على غرار استراتيجية حرب العصابات.
- تطوير القدرات الذاتية: ويدخل في ذلك التركيز على تطوير القدرات الاقتصادية والعسكرية والتعليمية الذاتية، لتقليل الاعتماد على الدعم الخارجي وتعزيز الاستقلالية وتربية النفس على العصامية والقيادة واستلام زمام المبادرة. وهذا يعني تربية النفس على الاكتفاء الذاتي والاعتماد على النفس وصياغة البرامج المستقلة التي تتناسب واحتياجات الأمة في صناعة القادة والجند الأقوياء الأمناء. ويدخل في ذلك تربية إيمانية وعسكرية ولو بشكل دوائر ضيقة، مؤسساتية وحتى لو كان بشكل جهد فردي! فلا تكلف إلا نفسك!
- ضرورة التصور الصحيح والاستعداد المسؤول وربط الجسور بين المسلمين في كل خريطة العالم الإسلامي بمفهوم وحدة القضايا والمصير. والابتعاد عن التعصب المذموم والانحيازات الجشعة التي تمنع اجتماع المسلمين في تحالف يكسر أغلال الهيمنة والاحتلال للأبد. وهذا يعني بناء تحالفات سنية قوية وموحدة لمواجهة التهديدات المشتركة وحماية مصالحها، بعيداً عن التبعية لأي طرف إقليمي أو دولي. فالداعم يخضع ويفسد المقاصد. والشريعة تجمع المخلصين.
- الاستعداد لمرحلة التوحش التي تتطلب استعدادا مبكرا بوضع الخطط والعلاجات المناسبة في حينه. خاصة مع سقوط الأنظمة، يجب أن تكون هناك خطط استباقية لسد أي فراغ، قيادية ومؤسساتية، وتربوية وكل ما يدخل في حالة الطوارئ، ويدخل في ذلك ترشيح قيادات وإعدادها مسبقًا.
واستغلال الفرص المتاحة في أي من هذه السيناريوهات يتطلب رؤية واضحة وتصوراً صحيحاً للواقع، بعيداً عن العواطف أو التمنيات. يجب أن يرتكز هذا التصور على فهم عميق للمشهد الجيوسياسي وتحليل دقيق لمصالح القوى الإقليمية والدولية، ونقاط قوتها وضعفها، وتأثيرها على المنطقة. لمحاولة صناعة مساحة بين التدافعات.
يجب تحديد الأهداف الاستراتيجية: بوضع أهداف واضحة وقابلة للتحقيق على المدى القصير والمتوسط والطويل، تخدم مصالح أهل السنة في الصعود والاستقلالية.
استغلال تراجع نفوذ بعض القوى: أولوية في هذه المعطيات، إذ يمكن لأهل السنة ملء الفراغ الاستراتيجي في مناطقهم، شريطة وجود رؤية واضحة واستعداد كافٍ مسبق، وقيادة تنظيمية، كي لا يخرج الناس إلى الفوضى بدون رؤوس تقودهم أو تكون أعدت مسبقا لاستلام المسؤوليات وقيادة الجموع على شريعة الله تعالى.
وهذا باب يتطلب الكثير من التفصيل لا يمكنني تخليصه هنا لكنها رؤوس أقلام مختصرة جدا تقوم على واجب الإعداد المسبق والجمع والتهيأ لكل السيناريوهات بغض النظر كم ستطول للاستفادة من الفرص المتاحة. وتجارب المسلمين في هذا الباب كثيرة وثقيلة للباحث المسؤول والأمين، وهو ما ينقصنا حاليا تلخيص الخطط والتوصيات في مركز دراسات استراتيجي، يخلص العاملون فيه دينهم لله وحده، وتكون دراساتهم وسائل تمكين مسبقة للمسلمين.
والفرص التي يتيحها التدافع الحالي، لن تتحول إلى مكاسب حقيقية إلا إن وُجدت أمة مستعدة روحيًا وفكريًا وسياسيًا وعسكريًا، بتوحيد راسخ ويقين لا ينقطع، فمن أهمل كل ذلك، لا حظ له في تمكين ولا تحرير! إلا أن يشاء الله تعالى.
وتبقى هنا سنة الاستبدال حاضرة، فلا يعتقد أحد أن تضييع أمانة الدين تعني هلاك كل الأمة، كلا، بل ستكون هناك دوما طائفة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم تحمل أسباب الاصطفاء والاستعمال لصدق استجابتها وتوحيدها ويقينها، وهي التي ستحقق وعد الله الحق! بمعية الله تعالى وتمهيد سننه في الأرض لعباده الصالحين. (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ (106)) (ٍسورة الأنبياء).
فجميع النتائج، نصر لدين الله عز وجل، لكن الخسائر هي الحرمان هي الهلاك في نصرة باطل! والعياذ بالله.
الضريبة التي لا مفر منها
ومما يجب التنبيه إليه أن هذه المرحلة ستحمل أثمانًا باهظة، وهي في جانب منها نتيجة عقود طويلة من التضييع للدين، والظلم للنفس، وعبادة الدنيا. ولا مفر من هذه الأثمان إلا بإخلاص الدين لله تعالى، والتوبة من كل ما مضى، والتأدب مما يجري، والمسابقة إلى ميادين القبول والرضوان والعمل لدين الله تعالى.
والطريق إلى المستقبل لا يبدأ من انتظار نتائج الحروب، بل من تصحيح الأساس: أن يكون الدين كله لله.
لذلك فإنه وفي خضم هذه التحولات الكبرى، يجب على المسلم أن يحذر من كل من يحاول أن يحرفه عن الطريق، أو يفقده الثقة في بوصلته. فلا يغتر بزينة الباطل، ولا يذوب في مشاريع الآخرين.
بل يتمسك بالعتيق الأصيل: بالوحي، وبالتوحيد، وبالمنهج الرباني الذي صنع أمة قادت العالم يوم كانت صادقة مع ربها وإن كانت ضعيفة في ميادين القوة إلا أنها مؤيدة من ربها العزيز القوي!
فاثبت أيها المسلم على الطريق المستقيم كما أمر الله تعالى بلا ركون ولا موالاة للظالمين، واطلب موقعك بين العاملين لا المتفرجين ومصحفك في قلبك وفي يدك، وابحث عن فرصتك في ميادين الحق والمراغمة وبناء بنيان الإسلام في الأرض . فالمستقبل – مهما اشتدت العواصف – لن يكون إلا لمن ثبت على دين الله، وأخذ بأسباب النهوض، وجعل غايته أن تكون كلمة الله هي العليا. وكلمة الذين كفروا السفلى.
لا تسمح لأي كان أن ينسيك أن هناك إرادة الله تعالى التي تحسم كل المعادلات والسيناريوهات، ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [ الروم: 60]
فإن شوشتك المشاهد وكثر الضجيج تذكر هذا الهدي الفصل:
﴿ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (57)﴾.
المؤمنون حقا، لا يستسلمون أبدا، ولا يركعون إلا لله تعالى، مصيرهم محسوم: إما نصر أو شهادة..!
والأمر كله لله، فاللهم استعملنا ولا تستبدلنا، اللهم قد طال ليل الظالمين فأيد عبادك الصادقين بالنصر والفتح والتمكين الذي تنبعث له القلوب موحدة!