من أجمل ما يصنعه رمضان في النفوس، محبة الصلاة!
وكأن هناك ارتباطا عجيبًا بين الصيام والصلاة، بين فريضتين عظيمتين وركنين أساسيان من أركان الإسلام يشدان بعضهما البعض!
والصلاة ليست مجرد فريضة زمنية تؤدى خمس مرات في اليوم لمجرد أدائها، بل هي محطة ضرورية جدًا للنفس، تمتد على ساعات العمر، فيتزوّد فيها القلب من معاني العبودية، ويستمدّ منها قوة على مواصلة السير في طريق الحياة وغربة الدين.
ولهذا كان النبي ﷺ يقول لبلال رضي الله عنه: «أرحنا بها يا بلال»؛ فجعل الصلاة موضع الراحة، لا عبئًا يُطلب الخلاص منه، ولا واجبًا يُؤدّى على عجل.
تتوزع الصلوات في اليوم والليلة توزيعًا ربانيًا بديعًا؛ لتبدد غبار الانشغال وتراكم الهموم، فتصفو النفوس وتستقوي .. كأنها استدعاءٌ إلهي للقلب كي يهدأ، يقف فيه العبد بين يدي ربه فيستعيد توازنه.
فما إن يكبّر تكبيرة الإحرام حتى تنسحب ضوضاء الدنيا من قلبه شيئًا فشيئًا، وكأنه رمى بها خلف ظهره، وهناك فقط، حين يفرغ قلبه منها، يعيش هيبة المقام فيستشعر أنه يقف في حضرة الملك جل جلاله.
فالعبد حين يقول: الله أكبر، يعلن في قلبه أن الله أكبر من كل هم، وأكبر من كل خوف، وأكبر من كل أزمة أو ضيق.
الصلاة راحة حقيقية؛ لأنها تعيد ترتيب المقاييس في قلب الإنسان. وتعيد كل ما يشغلها من أمور الدنيا إلى أحجامها الحقيقية.
ومن هنا تصبح الحياة أسهل على من عاش الصلاة بهذا المعنى؛ لأن القلب الذي يتصل بالله خمس مرات في اليوم لا يبقى أسيرًا لهواجسه وما يقلقه.
فهو يعود في كل صلاة ليجدّد يقينه، ويستمد طمأنينته، ويستعيد قوته، فيخرج من محرابه أخفّ نفسًا، وأصفى قلبًا، وأقدر على مواجهة ما ينتظره من أعباء.
لكن هذه الراحة لا تتحقق بمجرد أداء الحركات، بل تتحقق حين يفرغ القلب من الدنيا ساعة الوقوف بين يدي الله.
فالصلاة ليست وقتًا نحمل فيه همومنا معنا، بل هي الوقت الذي نضع فيه تلك الهموم جانبًا لنقف خاشعين.
ومن أقبل على الصلاة وهو يهيئ قلبه ليفرغ من الدنيا، ويؤجل شواغلها، ويقطع عنها خيوط التفكير، وجد في الصلاة سكينةً لا توصف.
أما من دخل الصلاة وجعل الدنيا تتسلل إلى قلبه، تستعرض مواعيدها وأعمالها ومشكلاتها، فإن تلك الدنيا تنهب دقائق صلاته، وتسرق أجمل لحظات الركوع والسجود، حتى يخرج منها وقد فقد أعظم ما فيها.
فالصلاة إذن ليست مجرد استراحة من العمل، بل هي استراحة من الدنيا نفسها؛ استراحة تعيد القلب إلى مركزه الصحيح: العبودية لله الواحد الأحد.
ومن ذاق هذا المعنى فهم سرّ قول النبي ﷺ: «أرحنا بها يا بلال»؛ فكانت الصلاة له وللمؤمنين بعده راحة القلوب، وسكينة الأرواح، ومصدر القوة في طريق المراغمة والارتقاء.
وإقامة النفس على هذه المعاني في ما تبقى من رمضان من غنائم الشهر التي يُشرق لها القلب وينبض عزة وسعادة!