السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أود الاستفسار في أمر أشكل عليّ نفسيًا وفقهيًا:
في العام الماضي حصلت على مجموع ضئيل في الثانوية العامة، واستخرت الله قبل التقديم لاختبارات قدرات الكلية التي أريدها، لكن الموقع أغلق في اللحظة الأخيرة، فقررت التنازل عن دراستي وإعادة السنة طمعًا في مجموع أعلى، واستخرت الله مرارًا، ورغم رفض أهلي في البداية إلا أن الأمور تيسرت فجأة بفضل الله وتوفيقه.
لكن منذ بداية هذا العام واجهتني عقبات شديدة؛ حيث مرضت تكرارًا، وأُصبت بوسواس الموت، وأشعر بحاجز وثقل يمنعني من المذاكرة، فضلًا عن بطء شديد في الفهم يجعل اليوم يمر على درس واحد رغم أنني كنت متفوقة سابقًا، ومع وجود بعض التقصير مني إلا أن هذا التعثر سبب لي إحباطًا شديدًا مع اقتراب الامتحانات.
وقد أشكل عليّ كلام ابن عثيمين -رحمه الله- حيث قال إن عودة الدراسة تعتبر في الحال ليست نتيجة الاستخارة، بل هي موهمة، وقد توهم من يثبت قبول الاستخارة على غير خاطئ لتقصيري، مستندًا لتشابه العقبات مع العام الماضي، رغم أنني كنت أدعو في استخارتي: “يارب، أنا خائفة من تكرار أخطائي فاختر لي”.
فسؤالي هو:
• هل يمكن أن أكون قد توهمت قبول الاستخارة، وهل العقبات الحالية دليل على عدم التوفيق فيها؟
• كيف أواجه الإحباط والتعثر في المذاكرة في هذا الوقت الحرج؟
• كيف أتعامل مع الضغط النفسي وسخرية عائلتي (الأكبر مني وغير المتدينين) إن لم أحقق مجموعًا عاليًا، خاصة وأنني أعدت السنة بناءً على الاستخارة؟
وجزاكم الله خيرًا.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
حياك الله وبارك بك،
أسأل الله أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويكتب لك الخير حيث كان، وأن يرزقك السكينة والثبات.
بداية، هوني على نفسك، وأطمئنك فما تمرين به لا يدل في ذاته على أن الاستخارة لم تُقبل، ولا على أنك أخطأت في قرارك. فكثير من الناس يظنون أن الاستخارة تعني أن إذا تيسر الأمر فهو خير. وإذا جاءت العقبات فهو شر.
وهذا ليس هو المعنى الذي دلت عليه السنة، إنما الاستخارة حقيقتها أنك تفوضين الأمر إلى الله وتسألينه أن يختار لك الخير، كما قال النبي ﷺ: “اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلمُ أن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري – أو قال: عاجل أمرى وآجلهِ – فاقْدُرهُ لي، ويسِّرْهُ لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبةِ أمري أو قال: عاجل أمري وآجله فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقْدُرْ لي الخير حيث كان ثم أرضني به.” رواه البخاري.
فالمطلوب هو تفويض الأمر، وليس انتظار علامة معينة أو شعور خاص. انتبهي لهذا المعنى جيدا. فإما يمضيه الله أو يصرفه عنك بحسب ما فيه من خير لك قد لا يكون تماما كما في تصورك.
ثم هل العقبات دليل على أن القرار كان خاطئًا؟
ليس بالضرورة، بل غالبًا ليس كذلك. فكم من خير عظيم لم ينله صاحبه إلا بعد ابتلاء شديد. وتأملي كيف خرج موسى عليه السلام خائفًا مطاردًا. ودخل يوسف عليه السلام السجن قبل التمكين. وكم أوذي نبينا ﷺ وحوصر، ومع ذلك كان على الحق. فهل كانت العقبات دليلًا على أن الطريق خطأ؟ بل كانت جزءًا من طريق الخير. قال تعالى: ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون﴾. وقال سبحانه: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم﴾.
إذت وجود المرض أو التعب أو الضيق لا يعني أن الاستخارة كانت خاطئة. ولا يوجد أساسا شيء اسمه استخارة خاطئة، فالاستخارة هي تفويض الأمر لله تعالى وهي من السنة، بل حثّ عليها النبي صلى الله عليه وسلم كما قال جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُنا الاستخارة في الأمور كلِّها كما يُعَلِّمُنا السُّورَةَ من القرآن.
أما بالنسبة لكلام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، فلم يسبق أن وقفت على هذا الكلام، لكن الشيخ رحمه الله كان ينبه إلى مسألة مهمة، وهي: ألا تجعلي وقوع الأمر بعد الاستخارة دليلًا مستقلًا على أنها “قُبلت” أي لا تقولي: تم الأمر إذا هذه علامة من الله. لأن الله قد يقدر وقوع الشيء ابتلاءً أو امتحانًا أو لحكمة أخرى. لكن الشيخ لم يقل: كل من جاءت له صعوبات بعد الاستخارة فقد أخطأ. فهذا فهم غير صحيح.
ثم هل أخطأت عندما أعدت السنة؟ من كلامك يظهر أنك: استشرت. واستخرت. وفكرت. وبذلت السبب. إذا أنت فعلت المشروع شرعًا. ولا يجوز أن يبقى الإنسان بعد القرار سنوات يعذب نفسه بقوله: ربما كانت الاستخارة غير صحيحة. لأن هذا من مداخل الشيطان. وأهل العلم يقولون في هذا الشأن، إذا عزم العبد بعد الاستخارة والمشاورة فليمض، ولا يلتفت إلى الوساوس. بل بعضهم يشدد على أن لا تراجعي أمر الاستشارة لأنك تظهرين الندم على ما اختاره الله لك بعد أن فوضت أمرك له!
ثم لماذا تغير مستواك؟
أنت ذكرت بنفسك أمورًا كافية لتفسير ما حصل: المرض المتكرر والوسواس والضغط والخوف من الفشل. واقتراب الامتحانات ولوم النفس باستمرار، كل هذا يفقدك التركيز ويضعف سرعة فهمك ويؤثر على الذاكرة، ويثبط إقبالك، وحتى يشوش ثقتك بنفسك، وليس معنى هذا أنك فقدت ذكاءك أو قدراتك، بل مما رأيته في كثير من القصص، أن بعض من لم يوفق لمعدلات عالية في الثانوية العامة، منهم من نبغ في الجامعة وكان الأول على دفعته لسنوات، مع أنه خلال امتحانات الثانوية والثانوية العامة لم يكن بارزا أبدا. وهذا يكشف كيف أن العوامل النفسية تؤثر وتمنع أن تبرز حقيقة البذل وحقيقة الطاقات.
والآن نأتي للأهم، ماذا تفعلين الآن؟
أقول تعلمي الرضا بأقدار الله تعالى بل كثيرا ما أقول، أحبي أقدار الله يا أمة الله، فإن في التسليم لأمر الله جبر ومعية وصفاء قلب عظيم، لذلك بدل أن تشغلي نفسك هل استخارتي صحيحة، وتشككي في نيتك وفي تفويضك الأمر لله تعالى، استحضري قول بعض أهل العلم: “إن المقدور يكتنفه أمران: الاستخارة قبل وقوعه، والرضى بعد وقوعه، فمن سعادة العبد أن يجمع بينهما”.
فلا تنقضي غزلك، أنت استخرت ولا يغني حذر من قدر، ونحن لا نعلم الغيب لعل هذه الاستخارة وتأخيرك سنة، فيها خير لك صرفه الله عنك ما كنت لتدركيه، أحسني الظن بالله تعالى، واسترجعي همتك، وابدئي بأيسر المواد، ذاكري على جلسات قصيرة. راجعي أكثر مما تحفظين جديدًا واصنعي جدول طوارئ الأولى فالأولى. وابتعدي تماما عن مقارنة نفسك بالعام الماضي. وأوقفي التفكير في النتائج أثناء المذاكرة. فالنتيجة ليست بيدك. أما العمل فهو الذي بيدك الآن.
أما الوسواس فاطردي من ذهنك فكرة “لو كنت أخطأت” فهذا من أكثر ما يرهق النفس.
الشيطان يريد أن ينقلك من العمل إلى الندم. ومن الحاضر إلى الماضي. ولو لم تعيدي السنة لربما جاءك يقول: لماذا لم تعيديها؟ فلا نهاية لهذا الباب. أغلقيه تمامًا. وأفضل علاج للوسواس أن تحقريه وتطرديه ولا تعطيه أذنا تصغي إليه، كلما خطر لك، لا تسترسلي بل اردعيه وقولي هذا وسواس، وبعد فترة بإذن الله يتلاشى ويختفي. والأمر نفسه مع وسواس الموت وإن كنت لا تزالين تجدين صعوبة واصليني خاص، نتحدث بشأن الحلول في هذه الحال، لكن مبدئيا استخدمي العلاج السلوكي، بتحقير الوسواس كلما خطر على قلبك عليك بردعه وتحقيره ونبذه، وتذكير نفسك أنه مجرد وسواس.
نأتي الآن لسؤال: ماذا لو لم أحصل على المجموع الذي أريده؟
لنفرض -جدلًا- أن هذا وقع. هل يعني أن الاستخارة كانت خاطئة؟ لا.
فقد يكون الله صرف عنك شيئًا لا تعلمينه. وقد يفتح لك بابًا آخر خيرًا منه. وكم من إنسان حزن على كلية ثم تبين بعد سنوات أن الخير كان فيما اختاره الله له.
قال تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾.
وأشدد على حقيقة أن الاستخارة تفويض لله تعالى، فمن استخار ربه فقد فوض الأمر له جل جلاله فلا ترجعي! ولا تراجعي ربك في أمر التفويض، وكوني على يقين تام أنه تمام الخير فيما اختاره الله لك.
ثم أنت نجحت في كل الأحوال، فالمفترض أن لا يكون هناك ضغطا نفسيا عليك، بل تتوكلي على الله بما تيسر لك.
أما كيف تتعاملين مع سخرية العائلة، فتذكري أمرين: أولا رضا الناس ليس غاية يمكن إدراكها فلا تشغلي بالك بإرضائهم.
ثانيا أن قيمة الإنسان عند الله ليست بدرجاته الدراسية. فإن اجتهدت وأخذت بالأسباب فلا تشغلي نفسك بما بعده، سواء وافقت النتيجة رغبتك أم لا. ولا تسمحي لكلام الناس أن يحطمك. فهم لا يعلمون ما مررت به من حال وضغط نفسي.
إذا لا تراجعي أمر الاستخارة، فالاستخارة تعني أن الله سيختار لك وقد مضى الأمر، فكوني على ثقة أنه كان الخير لك، فالاستخارة كلها خير بحمد الله. ولا تربطي الابتلاء بعدم قبول الاستخارة فالله تعالى يجيب الكافر إذا دعاه فكيف بالمسلمة، ولكن الاستخارة لا تعني أن يحقق لك تصورك أنت للأمر بل يختار لك ما فيه الخير لك وأنت لا تعلمينه أساسا.
وتوقفي تماما عن إعادة تقييم القرار، ووجهي طاقتك إلى ما بقي من الدراسة.
واعلمي أن كل وسواس هو من مداخل الشيطان، فلا تسترسلي معه. واجتهدي فيما بين يديك، وأحسني الظن بالله تعالى، وأكثري من الدعاء، فما دام باب العمل مفتوحًا فلا تيأسي من فضل الله عز وجل.
وفي الختام أسأل الله أن يشرح صدرك، ويذهب عنك الوسواس والهم، ويبارك لك في وقتك، ويرزقك من فضله فوق ما تتمنين، وأن يجعل ما اختاره لك سبحانه هو الخير في دينك ودنياك وآخرتك. اللهم آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
دكتورة، أنا في حالٍ لا يعلمه إلا الله، كل شيء فيَّ مكسور.
أنا -ولله الحمد- قريبة من الله، محافظة على صلاتي والسنن والرواتب، وأصوم التطوع، وأقرأ القرآن، وأقوم الليل، وأكثر من الاستغفار في الأسحار.
عندي ذنب ابتعدت عنه، ثم رجعت إليه قبل سنتين ونصف، وما زلت على هذه الحال.
نفسي تعبت من الذنب، ومن كسر الخاطر.
أعلم أن كلامي ناقص وغير واضح، لكنني أمسُّ الحاجة إلى الدعاء والكلمة الطيبة. أعاني وحدي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ولا أجد من أبوح له؛ لأنني لا أستطيع الكلام، وقد تعبت. أريد أحدًا يقول لي كلامًا يشد أزري ويطمئن قلبي.
أنا منهارة، وهذه أول مرة أدخل فيها وأرسل رسالة مفتوحة، وكتبت ما في خاطري.
جزاكم الله خيرًا، وكتب أجركم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
أسأل الله العظيم أن يشرح صدرك، ويجبر كسرك، ويبدل همك فرجًا، وأن يرزقك توبةً نصوحًا لا تنتكسين بعدها أبدًا.
أول ما أود أن أقوله لك: إن رسالتك، رغم قلة كلماتها، تحمل أمرين عظيمين يدعوان إلى الأمل، لا إلى اليأس.
الأول: أنك ما زلت محافظة على عبادتك، وعلى الصلاة والقرآن وقيام الليل والاستغفار، وهذا دليل على أن في قلبك حياةً وإيمانًا، وأن الشيطان لم يستطع أن يقطع الصلة بينك وبين ربك. فالحمد لله.
والثاني: أنك تتألمين من الذنب. وهذا الألم ليس علامة هلاك، بل علامة حياة القلب؛ فإن القلب إذا مات لم يعد يشعر بالذنب أصلًا، وإنما يفعله وهو مطمئن إليه.
لكن احذري من حيلة خفية للشيطان؛ فإنه إذا عجز عن إيقاع العبد في ترك الطاعة، جعله يغرق في اليأس، ويقنعه أنه منافق، وأن توبته لا تنفع، وأن الله لن يغفر له. وهذه من أعظم مكايد إبليس.
بل تذكري قول الله سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾
تأملي لم يقل: يا عبادي الذين لم يذنبوا، بل خاطب المسرفين أنفسهم. وربنا يحب من عبده أن يعود إليه كلما زل، ولا يمل سبحانه حتى يمل العبد من التوبة.
أما رجوعك إلى الذنب بعد التوبة فلا يعني أن توبتك السابقة كانت باطلة، بل كلما صدقت توبتك ثم غلبتك نفسك، فعليك أن تجددي التوبة مرة أخرى، ولو تكرر ذلك مرات كثيرة. قال النبي ﷺ: “كل بني آدم خطّاء، وخير الخطائين التوابون”، فالمؤمن إذا أذنب ندم واستحيا من ربه، واستحضر عقابه فانبعثت الخشية في قلبه، فاستغفر الله، فيغفر الله له، وهكذا كلما وقع في الذنب وآب منه وتاب، قبل الله توبته سبحانه، والتوبة لله مقام عبودية جليل.
وفي الحديث القدسي:”إنَّ عَبدًا أصابَ ذَنبًا -ورُبَّما قال: أذنَبَ ذَنبًا- فقال: رَبِّ أذنَبتُ -ورُبَّما قال: أصَبتُ- فاغفِرْ لي، فقال رَبُّه: أعَلِمَ عَبدي أنَّ له رَبًّا يَغفِرُ الذَّنبَ ويَأخُذُ به؟ غَفَرتُ لعَبدي، ثُمَّ مَكَثَ ما شاءَ اللهُ، ثُمَّ أصابَ ذَنبًا، أو أذنَبَ ذَنبًا، فقال: رَبِّ أذنَبتُ -أو أصَبتُ- آخَرَ، فاغفِرْه، فقال: أعَلِمَ عَبدي أنَّ له رَبًّا يَغفِرُ الذَّنبَ ويَأخُذُ به؟ غَفَرتُ لعَبدي، ثُمَّ مَكَثَ ما شاءَ اللهُ، ثُمَّ أذنَبَ ذَنبًا، ورُبَّما قال: أصابَ ذَنبًا، قال: قال: رَبِّ أصَبتُ -أو قال أذنَبتُ- آخَرَ، فاغفِرْه لي، فقال: أعَلِمَ عَبدي أنَّ له رَبًّا يَغفِرُ الذَّنبَ ويَأخُذُ به؟ غَفَرتُ لعَبدي، ثَلاثًا، فليَعمَلْ ما شاءَ.” صحيح البخاري.
فالله أرحمُ الرَّاحمينَ، ومِن رَحمتِه بعَبدِه أنَّه يَقبَلُ تَوبتَه كُلَّما عادَ إليه تائبًا، ولو تَكرَّر منه الذَّنبُ.
وجاء في شرح الحديث: ” وعِبارةُ: «فَلْيعَمَلْ ما شاءَ» تُستَعمَلُ تارةً في مَعرِضِ السَّخطةِ والنَّكيرِ، وتارةً في صورةِ التَّلطُّفِ والحَفاوةِ، وليس المُرادُ منه في كِلتا الصُّورَتَينِ الحَثَّ على الفِعلِ، أوِ التَّرَخُّصَ فيه.
وقيل: اختِصاصُ هذا العَبدِ بهذه المَغفِرةِ؛ لأنَّه قد عَلِم أنَّه لا يُصِرُّ على ذَنبٍ، وأنَّه كُلَّما أذنَبَ تابَ، وهذا حُكمٌ يَعُمُّ كلَّ مَن كانت حالُه حالَه.
وفي الحديثِ: عِظَمُ فائدةِ الاستغفارِ، وكَثرةُ فضلِ اللهِ، وسَعةُ رَحمتِه وحِلمِه وكرَمِه.
وفيه: أنَّ التَّوبةَ الصَّحيحةَ لا يَضُرُّ فيها العَودةُ إلى الذَّنبِ ثانيًا، بل مَضَت على صِحَّتِها، ويَتوبُ منَ المَعصيةِ الثَّانيةِ”.
فلا تجعلي كثرة الوقوع سببًا لترك باب التوبة.
ثم دعينا نفكك مشكلة هذا الذنب، هل أنت لا تستطيعين ترك الذنب؟ أم أنك لم تغلقي أسبابه؟
فكثير ما يحصل أن يسعى المرء إلى التخلص من الذنب، لكنه يبقي بابه مفتوحًا: حسابًا، أو صحبة، أو مكانًا، أو هاتفًا، أو وقت فراغ، أو موجبات الفتنة أيا كانت هذه الفتنة، ثم يتعجب من تكرار السقوط.
التوبة ليست ندمًا فقط، بل هي أيضًا إزالة الأسباب التي تعيدك إلى المعصية. وسدّا للذرائع واستعانة بأسباب التقوى على الثبات.
وأوصيك بتجديد توبتك الآن، لا تؤجليها. واقطعي كل طريق يوصلك إلى الذنب ولو كان فيه مشقة. وإذا سقطت، فلا تؤخري التوبة دقيقة واحدة. أكثري من الدعاء في السجود: “اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم اصرف عني السوء والفحشاء.” ولا تنامي إلا على توبة واستغفار.
والزمي صحبة صالحة، أو تواصلي معي بالخاص إن احتجت لذلك، لعلنا نجد لهذا الذنب حلولا تنهيه، ولا تحملي هذا الحمل وحدك.
لا أعرف ما هو ذنبك، ولا أحتاج إلى معرفته، لكنني أعرف أن الله جل جلاله لا يرد عبدا أو أمة يصدقان في توبتهما ويثابران على الاستقامة..
وربك أرحم بك من نفسك، وأرحم بك من أقرب الناس إليك، وباب رحمته لم يُغلق في وجهك، وما دام في صدرك هذا الندم، وفي عينك هذه الدمعة، وعلى لسانك هذا الدعاء، فاعلمي أن الخير ما زال فيك.
لا تسمحي للشيطان أن يحول ندمك إلى قنوط، بل اجعليه وقودًا للرجوع إلى الله.
وثابري على هدي “الحسنات يذهبن السيئات” كلما أذنبت، سارعي لعمل صالح يطهر صفحتك.
أسأل الله أن يغسل قلبك من آثار الذنب كما يغسل الثوب الأبيض من الدنس، وأن يرزقك توبة صادقة ثابتة، ويبدلك بعد هذا الضيق سعة، وبعد هذا الكسر جبرًا، وبعد هذه الدموع طمأنينة، حتى يأتي يوم تنظرين فيه إلى هذه المرحلة فتقولين: كانت بداية أعظم رجوع إلى الله عز وجل، اللهم آمين.
السلام عليكم دكتورة، حفظكم الله ورعاكم.
كيف أجاهد إلى الله، ولا أكثر لأمور الدنيا؟
الدنيا تكبلني يا دكتورة.
أحس أن الله قد أنعم عليَّ بنعمٍ كثيرة، وأخاف أن تكون حجةً عليَّ يوم القيامة.
كيف أعيش كريماً عليها السلام يا دكتورة؟
كيف تكون عندي توبة أبدية؟ أعني: كلما أذنب أتوب مباشرةً دون تأجيل. كيف أعيش لله، وأموت لله؟
أسأل الله أن يشرح صدرك، ويثبت قلبك، وأن يجعل هذا الشعور بداية قربٍ صادقٍ يدوم منه سبحانه.
ما ذكرتَه من خوفٍ من التقصير، وإحساسٍ بثقل الدنيا، ليس دليلًا على بعدك من الله، بل قد يكون علامة حياة القلب؛ فإن القلب الميت لا يقلقه بعده عن ربه، أما القلب الحي فيؤلمه التقصير ويبحث عن طريق النجاة.
لكن انتبهي إلى أمر مهم: لا تجعلي الشيطان يحوّل هذا الخوف إلى إحباط، بل اجعليه وقودًا للعمل.
قولك: “الدنيا تكبلني”، فاعلمي أن الدنيا لم تُذَم لذاتها، وإنما يُذَم أن تستولي على القلب. قد يعمل المسلم، ويتعلم، ويتاجر، ويبني، ويجتهد في شؤون دنياه، لكن قلبه معلق بالله، يجعل دنياه طريقًا إلى آخرته، لا حاجزًا عنها.
قال الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾.
فلا تهجري الدنيا، ولكن لا تجعليها أكبر همك. وتلك حقيقة الزهد أن تكون الدنيا بين يديك لكنها لا تزيدك إلا قربا من مولاك!
وأما خوفك من نعم الله أن تكون حجة عليك، فهذا خوف محمود إذا دفعك إلى شكر النعمة واستعمالها في طاعة الله. والله سبحانه يحب من عباده أن يشكروه، ومن شكر النعمة استعمالها فيما يرضيه. والشكر ذكر مستمر وحفظ للنعم من الإسراف والابتذال، واستذكارها بالاجتهاد في العبادات والمسابقة بالخيرات. فهذا معنى الشكر قولا وعملا.
وأما سؤالك: “كيف أتوب مباشرة كلما أذنبت؟”
فالجواب: لا تنتظري أن تصبحي لا تخطئين، فهذا ليس حال البشر. قال النبي ﷺ: “كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون”..
فالنجاح ليس في ألا نقع، وإنما في أن نرجع سريعا بعد الوقوع.
واجعلي بينك وبين الله عهدًا: إذا أذنبت، استغفر فورًا. وأصلِّي ركعتين. واندم على الذنب. واعزم ألا أعود إليه. وإن عدت بعد ذلك، فأتوب مرة أخرى، وأسعى لأعمال صالحة وحسنات تكفره، ولا أمل من باب الله، فإن الله لا يمل من قبول توبة عبده إذا صدق. وفي الوقت نفسه أبحث عن أسباب تحصين نفسي من الوقوع في الذنب نفسه أكثر من مرة. فهذا من كياسة المؤمن.
وأما قولك: “كيف أعيش لله وأموت لله؟”
فهذا يحتاج إلى مشروع حياة، وليس مجرد مشاعر.
فاجعلي لنفسك برنامجًا ثابتًا: حافظي فيه على الصلوات في أول وقتها. وعلى ورد القرآن (دونه الموت لا تفرطي فيه أبدا) والزمي أذكار الصباح والمساء، وأكثري من الدعاء والابتهال لله تعالى في مقامات الإجابة، وصاحبي أهل الصلاح فإن القلب يقوى بصحبتهم، ويستلهم الهمة من هممهم، واجعلي لك عملا خفيا بينك وبين الله جل جلاله لا يعلمه أحد، كركعات في الليل أو صدقة أو حتى دعاء تتعهدينه للمسلمين. وإن تيسر لك أن تضعي نفسك في ثغر تحرسينه لنصرة دينك بما يناسبك كامراة، ولا يتعارض مع أولوياتك، فهذا خير كثير.
وأنصحك بشدة بالرباط على ذخائر السلف الصالح وسيرهم، ففيها ما يوقد حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والتأسي بالسابقين الأولين نجابة وبوابة فتوحات لمن أبصر.
وتذكري دائمًا أن السير إلى الله ليس قفزة واحدة، بل خطوات متتابعة. ربما تتعثرين، لكن المهم ألا تتوقفي عن السير.
كلما قويت صلتك بالله تعالى، واستقمت على منهج ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾. كلما جعلت هذه الآية شعارًا لحياتك، وجاهدت نفسك كل يوم على تحقيقها، وأخلصت في دعائك، وأسرعت إلى التوبة عند الزلل، أبصر مسالك الخير ومعية الله تعالى تحفك، فإن الله كريم، يقبل التائبين، ويهدي المجاهدين إليه، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وفقك الله وفتح عليك وأقر عينك بفضائل الاستقامة والشكر، والمجاهدة والصدق.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أهلًا ومرحبًا، حياكِ الله أستاذة ليلى.
كيف أنظم وقتي؟
وكيف أصبر؟
أنا خطبتُ خطةً وهي أن أنجز مهامي بعد الفجر، وهي لا تستغرق أكثر من ثلاث ساعات تقريبًا، لكن أبدأ أشعر أنها ليست مهمة، أو أنني أنام… وهكذا بين نهاية اليوم واليوم الذي بعده، وكذا أخاف أن الإجازة تخلص وأنا ما مشيت.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
حياكِ الله، وبارك فيكِ، وأسأل الله أن يوفقك ويبارك في وقتك وعملك.
أول ما أود أن أطمئنك إليه هو أن ما تشعرين به يمر به كثير من الناس، خاصة في بداية الإجازات أو عند وجود أهداف كبيرة. المشكلة غالبًا ليست في قلة الوقت، وإنما في ضعف الانطلاق، وتضخيم المهام، وانتظار الحماس حتى يبدأ العمل.
والنجاح لا يصنعه الحماس، وإنما تصنعه العادة والانضباط. فمن ينتظر أن يشعر بالرغبة كل يوم، سيضيع عليه كثير من الأيام، أما من تعوّد أن يعمل سواء وجد نشاطًا أو لم يجده، فإنه بإذن الله يحقق ما يطمح إليه. ولذلك أقول دوما أن روح الإنجاز هي الحزم. فما دمت حازمة مع نفسك ستنجزين بإذن الله تعالى في كل وقت. إلا أن يحول بينك وبين عملك مرض أو ظرف طارئ وما لم يكن في الحسبان. وهنا نستحضر قول الله تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).
أما خطتك بالعمل بعد الفجر فهي من أفضل الأوقات؛ لأنه وقت مبارك، وصفاء الذهن فيه أعظم من بقية اليوم. فلا تغيري هذا الموعد لمجرد أنك فقدت الحماس، بل ثابري عليه حتى يصبح عادة.
أما قولك: “أشعر أنها ليست مهمة.”
فهذه من مداخل النفس والشيطان؛ لأن النفس تميل إلى الأعمال السهلة والممتعة، فإذا جاء وقت العمل الجاد بدأت تقلل من قيمته، حتى تؤجليه. لذلك لا تناقشي هذا الشعور كثيرًا، بل ابدئي مباشرة. فبعد دقائق من البدء غالبًا يزول هذا الإحساس.
ومن الوسائل العملية التي تعينك: اكتبي في الليلة السابقة ثلاث مهام فقط لإنجازها في الغد بعون الله تعالى، لا أكثر، واجعليها واضحة ومحددة.
ثم ابدئي بأصعب مهمة أولًا، قبل فتح الهاتف أو تصفح الرسائل.
واجعلي لكل مهمة وقتًا محددًا، ولا تشترطي الكمال، بل اشترطي الإنجاز.
وإذا شعرتِ بالفتور، فذكري نفسك أن الوقت محدود وغالبًا ستجدين نفسك تكملين بعد ذلك.
في نهاية كل يوم، انظري لجدولك، كم أنجزت منه، ولو كان قليلًا؛ فهذا يزيد الدافعية ويشعرك بالتقدم.
وأما خوفك من انتهاء الإجازة دون إنجاز، فهذا الخوف قد يكون نافعًا إذا دفعك إلى العمل، لكنه يصبح مضرًا إذا شلّك عن البداية. فلا تنظري إلى الإجازة كلها، بل انظري إلى هذا اليوم فقط. اسألي نفسك كل صباح: ما الشيء الذي إذا أنجزته اليوم سأشعر أن يومي لم يذهب سدى؟ ثم افعليه.
وتذكري أن الأعمال الكبيرة لا تُنجز في يوم واحد، وإنما تُبنى من خطوات صغيرة متواصلة. فمن قرأ عشر صفحات كل يوم، أو حفظ آيات قليلة، أو أنجز ساعة مركزة يوميًا، فإنه بعد أشهر سيجد إنجازًا كبيرًا لم يكن يتوقعه.
وأما الصبر، فليس انتظارًا سلبيًا، بل هو الثبات على العمل رغم الملل، والاستمرار رغم الفتور. وكلما جاهدت نفسك في البداية، سهل الأمر بعد ذلك، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾. وهذه قضية فتوحات تستوجب الصبر والتوكل واليقين.
وأوصيك بكثرة الدعاء، فإن القلوب بين أصابع الرحمن، ومن أجمل ما تدعين به:
اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك،
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ، والعَجزِ والكَسَلِ، والجُبنِ والبُخلِ، وضَلَعِ الدَّينِ وغَلَبَةِ الرِّجالِ.
واجعلي شعارك في هذه الإجازة: قليل دائم خير من كثير منقطع، وما لا يدرك كله لا يترك جله.
لا تبحثي عن يوم تنجزين فيه كل شيء، بل احرصي على أن يمر يومٌ دون أن يضيع كله، ولو بإنجاز يسير؛ فإن القليل الدائم أحب إلى الله، وهو الذي يصنع النتائج الكبيرة مع مرور الأيام.
ووفقك الله ويسر أمرك ومتعك بفضائل المجاهدة والمسابقة.