إنَّ مرضَ التعصُّب آفةٌ فكريةٌ وأخلاقيةٌ خطيرة، تحتاج إلى دراسةٍ متأنية ترصد أسبابها الخفية، ودقائقها التي قد لا تُرى في الظاهر، فضلا عن آثارها العميقة في الفكر والعمل، بل وعلى حقوق المسلمين، وحتى في الفهم الصحيح لشريعة الله تعالى.
والتعصّب لا يتغيّر باختلاف لافتاته؛ فهو واحدٌ في حقيقته، سواء كان مذهبياً، أو جماعاتياً، أو قبليًا، أو وطنياً، أو قومياً، أو غير ذلك من ألوان التعصّب التي تموج بها ساحات التواصل اليوم. تختلف الشعارات، لكن العلّة واحدة: تقديم الانتماء على الحق، والرأي على الدليل.
والمتأمل في مظاهر التعصّب داخل الساحة العلمية يقف متعجباً من مقدار الجهل الذي يكشفه هذا السلوك؛ إذ كيف يُتصوَّر أن يكون التعصّب حاضراً في ميدانٍ يُرجى به وجه الله تعالى، وتُطلب فيه مرضاته وقبوله؟!
إن العلم الذي لا يورث صدقًا وإنصافاً، علمٌ لم يُؤتِ ثمرته.
نرى اليوم جدالات محتدمة في قضايا اختلف فيها الصحابة أنفسهم رضي الله عنهم، ثم يأتي من يحاول أن يجعل من هذه المسائل المختلف فيها معياراً يمتحن به الناس، ويبّدعهم عليه، وكأنها من القطعيات التي لا يسوغ فيها الخلاف! وهذا مسلكٌ يخالف روح الشريعة ومنهج السلف.
إنه لا يجوز التعصّب لأحدٍ سوى لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وما أجمع عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما ما عدا ذلك، فلابد فيه من الحجة والدليل من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وما وقع فيه الخلاف المعتبر بين أهل العلم، فمن الأمانة العلمية – التي أصبحت اليوم نادرة – أن يذكر ويعرفه الناس.
وما أقبح التأصيل الشرعي المزعوم الذي يجمع من النصوص كل ما ينصر قول شيخه ومذهبه ولو كان ضعيفا ولا يرتقي للجزم به، ثم يهمل ويخفي كل قول معتبر يناقضه ولو كان قويًا. فأقلُّ الصدقِ والإنصافِ الاعترافُ بوجود خلافٍ معتبر.
أما التعصّب لأقوال الرجال، وتقديم الآراء على النصوص، والانتصار للمذهب أو الشيخ أو الجماعة دون نظرٍ في الدليل، فذلك من موجبات الانحراف عن منهج النبوة العظيم.
وقد قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله:
«لعلنا أن نقول القول، ثم نرى بعده غيره».
وقيل له: يكتبون رأيك؟ فقال: «يكتبون ما عسى أن أرجع عنه غداً».
(جامع بيان العلم وفضله 1/775)
هذا هو فقه العالم الرباني؛ تواضعٌ للحق، واستعدادٌ للرجوع إليه متى ظهر وسعة وحلم، مع سعة الشريعة وحلمها. وقد رد صحابة على صحابة في مسائل علمية، ولم نر جاهلية التعصب التي نراها اليوم والاحتقان والتشنج! والتي بالتأكيد لها تداعياتها المثخنة في حين يحسب المتعصبون لأهوائهم أنهم يحسنون صنعا.
قال ابن تيمية رحمه الله:
“وبلاد الشَّرق، من أسباب تسليط الله التَّتر عليها:
كثرة التفرُّق والفِتَن؛ في المذاهب وغيرها، حتى تجد المنتسِبَ إلى الشافعيِّ يتعصَّب لمذهبه على مذهب أبي حنيفة، حتى يخرج عن الدِّين، والمنتسب إلى أبي حنيفة يتعصَّب لمذهبه على مذهب الشافعي وغيره حتى يخرج عن الدين، والمنتسب إلى أحمد يتعصب لمذهبه على مذهبِ هذا أو هذا، وفي المغرب تجد المنتسب إلى مالكٍ يتعصب لمذهبه على هذا أو هذا،
وكلُّ هذا من التفرُّق والاختلاف الذي نهى الله ورسوله عنه.
وكل هؤلاء المتعصِّبين بالباطل، المتبعين الظنَّ وما تهوى الأنفس، المتبعين لأهوائهم بغير هُدًى من الله، مستحِقُّون للذمِّ والعقاب”.
(مجموع فتاوى [22/ 252-254]).
فكيف لو عاين التعصب كيف آل مآله في زماننا!
وقال ابن تيمية رحمه الله:
“وليس لأحد أن ينتصر لنفسه، أو يتعصب لمذهبه، أو لأصحابه، أو لأهل بلده، أو لنوع من أنواع ما يوالى عليه ويعادى إلا لله ولرسوله، فيكون ولاؤه لله ورسوله، وعلم ذلك من الكتاب والسنة”.
[ مجموع الفتاوى – ٣ /٣٤٨ ]
وهذا يستوجب الإخلاص والصدق والتقوى والاستقامة والوجل والخشية من الله جل جلاله وحده لا شريك له. واستحضار الغاية الحقيقية من العلم.
قال سفيان ابن عيينة رحمه الله:
“من طلب العلم فقد بايع الله عز وجل”. مفتاح دار السعادة (70/1)
ونصيحتي لكل من يرجو الفتوحات الربانية في ميدان فروسية العلم: أن يكسر أغلال التعصّب، وأن يجعل ولاءه للحق حيث كان، متعصباً لله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وأما ما سوى ذلك، فمجاله البحث والأدب، لا التطفيف والتدليس والمجادلة بهوى النفوس.
فهذا الدين جاء به خاتم الأنبياء للناس جميعا، ولكل زمان ومكان، وهو أعظم وأكبر من أن يختزل ويؤطر على مقاسات الأهواء والآراء.
فاستقم كما أمرت ولا تقبل الأقوال في دين الله تعالى، دون الحجة المعتبرة شرعا.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.