آداب فرسان العلم في الخلاف

الحمد لله القائل في كتابه العزيز ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)﴾ [الأحزاب: 70-71]

والصلاة والسلام على نبيه الكريم القائل:” إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة” (حديث صحيح)

لا يزال الخلاف قائمًا بين المسلمين ويمتد، فهو قدر هذه الأمة المسلمة، إلا أن الإسلام لم يترك الخلاف على حاله بلا أصول ومنهجية في التعامل معه، ولم يجعل هذا التعامل معه بلا معالم للحق من استند إليها أبصر بنور من الله ومن أبى ضل وأضل، وهو ما نستمده من ميراث أئمة أهل السنة من السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان في كل عصر وزمان.

وإن ساحة الخلاف لا تختلف عن ساحات المبارزة، يزدان فيها فرسان العلم بخصائص مهيبة موجبة لاستحقاق النصر والظفر، فهم يجمعون بين العقيدة الراسخة، وبين الذكاء والحنكة، وبين القوة والتخطيط ومهارات الرمي المتألقة لنصرة الحق الذي يحملون وهدم الباطل الذي يواجهون، ثم تلك الأخلاق الجليلة التي يزدان بها المشهد، من صدق وأمانة وشجاعة وكرم وغيره من صفات نبيلة وفضل الله عليهم.

إنها فروسية من نوع خاص، إنها فروسية العلم ولا يؤتاها كل من طلب العلم، كما قال ابن تيمية رحمه الله: “ليس كل من وجد العلم قدر على التعبير عنه، فالعلم شيء، وبيانه شيء آخر، والمناظرة عنه شيء ثالث، والجواب عن حجة مخالفه شيء رابع”.

ومن هذا المنطلق فإن دخول هذا الفارس الحارس للشريعة والحق، ساحات المعارك الخلافية يتطلب أولا ولزاما، نصابا من العلم الشرعي الذي يؤهله للرد، والمعرفة الجيدة بنصوص الشريعة وأصول التعامل بها، ونصابا من الفهم الذي يسمح له باستيعاب مقامات الخلاف وتمييز مراتبها وتفاصيلها، والقراءة الصحيحة لمقولات المخالف، ثم نصابا من الأمانة والصدق يمنعه من التحايل المذموم والكذب والتضليل، فيترفع بشرف عن الظلم والجور والانتصار للنفس والهوى. ويتنازل للحق بلا خجل فإنما هدفه نصره الحق سواء كان على يده أو على يد غيره! ومدار ذلك كله: العلم والعدل.

أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الشافعي قال: “ما ناظرت أحداً قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان، ويكون عليه رعاية من الله وحفظه. وما ناظرت أحداً إلا ولم أبال بين الله الحق على لساني أو لسانه”.

منهج أهل السنة والجماعة في الخلاف

يقول ابن تيمية -رحمه الله- في وصف منهج أهل السنة والجماعة في الخلاف:”وأئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان؛ فيهم العلم والعدل والرحمة؛ فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسنة سالمين من البدعة، ويعدلون على من خرج منها ولو ظلمهم، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)} [المائدة: 8]، ويرحمون الخلق فيريدون لهم الخير والهدى والعلم، لا يقصدون الشر لهم ابتداء؛ بل إذا عاقبوهم وبيَّنوا خطأهم وجهلهم وظلمهم؛ كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا”.[1]

من هنا نستخلص أصلين عظيمين في منهج أهل السنة والجماعة في الخلاف:

– الأول هو واجب اتباع الحق وتبيانه للاستقامة كما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهو فريضة لا تقبل التعطيل.

– والثاني هو العدل والإنصاف في الحكم على المخالفين، بلا بغي أو سوء فهم، وأن يكون الدافع إرادة الخير والهدى والعلم لا قصد الشر والأذى لهم ابتداء.

 وما أن تصدق النية والطريقة، فلا تسأل عن بركاتهما من توفيق وفتح رباني وهداية وإصلاح. ونصر لله بما يرضي الله لا يقابله إلا نصر الله لفرسان الحق بما يشفي صدور قوم مؤمنين.

وأما أن يخالط النية دخن وحظ نفس ويشوب الطريقة ظلم وكذب، فإنها الفتنة والإفساد والفشل. نسأل الله أن يهدينا سبله سبحانه ويعيذنا من شر النفس والفتن.

الخلاف قدر هذه الأمة

والخلاف ليس جديدًا على المسلمين، ولكنه على مراتب مختلفة، وليس الخلاف في الأصول كالخلاف في الفروع، وليس الخلاف في العقيدة كالخلاف في المسائل الفقهية.

وقد اختلف من مضى في قضايا عظيمة وكثيرة، فمنها ما كان عن حسن قصد ونية، ومنها ما كان لسوء قصد وطوية، وفي كل معركة وجولة كان للحق فرسانه، ينصرونه بسيف البيان ودرع العدل، فكان لذلك بركاته التي ننعم بها إلى يومنا هذا من الثبات على منهج النبي صلى الله عليه وسلم لمن أحسن الاتباع والاستقامة.

وأما ما كان عن حسن قصد ونية، قال ابن تيمية – رحمه الله- فيه: “وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها ما لم يرد منها وإما لرأي رأوه وفي المسألة نصوص لم تبلغهم، وإذا اتقى الرجل ربه ما استطاع دخل في قوله تعالى (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) وفي الصحيح أن الله قال:”قد فعلت”، وبسط هذا له موضع آخر”.[2]

وأما ما كان لسوء قصد وطوية فإنما هو حال من يرد الدليل من الكتاب والسنة لهوى نفسه، ويروم تحريف الأقوال لإفساد هذا ا لدين، فهذا التعامل معه بقدر حجم ظلمه وإفساده.

ولقد كان السلف يحسنون التمييز بين مريد الحق ومريد الباطل، وبين المجتهد المخطئ والمتعمد المخطئ وبين المتواضع للحق والمتكبر على الحق والخلق.

معيار قبول الحق ليس متعلقا بـ”فلان”!

ولعل من أخطر ما انتشر في زماننا هو الاصطفاف مع أطراف الخلاف بناء على الأسماء لا البيان، فيقوم الحق بناء على “فلان من الناس”، ويصبح الباطل بناء على ما يقابله من “فلان من الناس”،  وهكذا يصبح الحق مرهونا باسم فلان لا بالدليل والبرهان من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ويصبح ما يصدر من فلان الآخر باطلا لمجرد أن صدر منه! ولنا أن نتخيل كم من الحق سيخذل وكم من الباطل سينصر تعصبًا وجهالة..!

وهذا  بلا شك من البدع المنكرة، وهو الامتحان بالأشخاص، فمن كان من الأتباع والمناصرين لفلان فهو مرحب به ومدعوم بلا أدنى نظر، ومقبول بكل خطأ فيه أو اضطراب وضعف، وأما إن كان ممن لم يعلن العداء لفلان ولا يزال يثني عليه أو يحترمه، فيصنف كمبتدع ويحارب! وأكثر ما يكثر هذا الصنف، في العداوات الشخصية بين الأفراد، التي تلبس لبوس العلم والمنافحة عن الدين والدين منها براء.

قال ابن تيمية -رحمه الله-: “فإذا كان المعلم أو الأستاذ قد أمر بهجر شخص، أو بإهداره وإسقاطه، ونحو ذلك، نظر فيه، فإن كان قد فعل ذنبا شرعيًا عوقب بقدر ذنبه بلا زيادة، وإن لم يكن أذنب ذنبًا شرعيًا لم يجز أن يعاقب بشيء لأجل غرض المعلم أو غيره، وليس للمعلمين أن يحزبوا الناس ويفعلوا ما يلقي بينهم العداوة والبغضاء، بل يكونون مثل الإخوة المتعاونين على البر والتقوى، كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] وليس لأحد منهم – أي هؤلاء المعلمين- أن يأخذ على أحد عهدًا بموافقته على كل ما يريده وموالاة من يواليه، ومعاداة من يعاديه، بل من فعل هذا كان من جنس جنكيز خان وأمثاله، الذين يجعلون من وافقهم صديقًا واليًا، ومن خالفهم عدوًا باغيًا”.[3]

وهو كلام خطير جدًا، فمعيار قبول الحق ليس لأن فلانا من الناس قال به، ولا موالاة للشيخ الفلاني أو مخالفة لخصومه، فهذا من الضلال المبين، إنما معيار قبول الحق هو ما حمله القول من حق ومن أدلة عليه وبراهين، من هدي القرآن والسنة، وهذا للأسف أصبح منطق بل منهج الكثيرين في زماننا،  فلا ينظر في الدليل والبرهان في المقولة، بل ينظر في اسم قائلها، فإن كان ممن نعادي أسقطناه وشنعنا عليه وضربناه بسيف الخصومة بطعن لا رحمة فيه، بغض النظر عن أي نصيب من الحق تحمله مقولته، وإن كان ممن نوالي ولو كان فيه العوار والضعف، لمعناه وبررنا له ودافعنا عنه! بغض النظر عن درجة الباطل الذي يحمله، فيُنحر الحق كما نرى بسيوف دعاة الحق أنفسهم!

وهي في الواقع أزمة “حكر الحق” في شخص بعينه، ولا حق مطلق إلا في نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم. ولا حق مطلق في جماعة أو فرقة أو تيار، إنما الحق كل الحق في منهج السلف والصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان.

ويدخل في ذلك شيطنة كل ما يصدر من المخالف، وتصنيفه في البدعة دون مراعاة لمراتب البدع وأصنافها، والتسوية بين البدع مخالفة لمنهج السلف. فقد كانوا يقدرون الأخطاء بخطورتها ودرجة فسادها، ولا يجعلونها جميعا في مقياس واحد. وبناء عليه يكون تعاملهم وردهم وإغلاظهم على المبتدع والمخالف، وكلما عظمت المخالفة والبدعة استوجبت الإغلاظ والتعامل اللائق مع المكابر.

قال الذهبي -رحمه الله-: “ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده مع صحة إيمانه، وتوخيه لاتباع الحق أهدرناه، وبدعناه؛ لقل من يسلم من الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه”.[4]  وهذا من تمام الإنصاف والعدل، فلا يضيع الحق بين أهواء الناس، ومن ذا لا يخطئ ومن ذا لا يحب أن يعامل بمثل هذا العدل!

أما الظالم والمفسد والمبتدع فيعامل بما يردع ظلمه وفساده وبدعته وهذا مقام آخر فصّله أهل العلم.

الخلاف مراتب

قال ابن تيمية -رحمه الله-: بعض هذه البدع أشد من بعض، وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض”.[5]

وهنا قاعدة مهمة يسلط عليها الضوء ابن تيمية رحمه الله حيث يقول عن المخالفين: “منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة. ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة”[6].

ولا يليق أن نجمع البدعة المكفرة بالبدعة غير المكفرة في ذات المرتبة، كما لا يجوز إسقاط كل من أخطأ أو ضل في قضية مع علمنا بسلامة أصوله العقدية، فلا أحد معصوم بعد النبي صلى الله عليه وسلم وحتى الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، كان بينهم من أخطأ،  وما جاءت خلافاتهم إلا لنتعلم منها كيف نتعامل مع الأخطاء، فهي نفوس بشرية تجاهد للاستقامة وليست مثاليات بعيدة عن واقع الحياة.

قال ابن تيمية: “ولكن الأنبياء ـ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ـ هم الذين قال العلماء: إنهم معصومون من الإصرار على الذنوب، فأما الصديقون، والشهداء، والصالحون: فليسوا بمعصومين، وهذا في الذنوب المحققة، وأما ما اجتهدوا فيه: فتارة يصيبون، وتارة يخطئون؛ فإذا اجتهدوا فأصابوا فلهم أجران، وإذا اجتهدوا وأخطأوا فلهم أجر على اجتهادهم، وخطؤهم مغفور لهم، وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين: فتارة يغلون فيهم، ويقولون: إنهم معصومون، وتارة يجفون عنهم، ويقولون: إنهم باغون بالخطأ، وأهل العلم والإيمان لا يُعصَمون، ولا يُؤثمون”.[7]

قال عبد الله بن المبارك:” رب رجل في الإسلام له قدم حسن وآثار صالحة كانت منه الهفوة والزلة لا يقتدى به في هفوته وزلته”.[8]

فيمكن أن يكون المخطئ والمخالف صالحًا صادقًا مخلصًا في طلبه لكنه افتقد للبصيرة في المسألة وبحاجة لإيضاح وتعليم. وليس كل مخالف عدو لله ورسوله وليس كل مخالف عدو للإسلام يقصد الإفساد في الأرض. وهذا من تمام العدل والحكم بين الناس بالقسط ولكن لابد أيضا من أن يرافق ذلك تبيان الحق ومعالمه بالاستناد لهدي الكتاب والسنة لا الانجرار إلى الطرق الملتوية والتدليس والتحايل وتهميش مركزية الدليل في المحاججة.

ضرورة تبيان الحق بعلم وعدل

وفي الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد” أي مردود عليه.

فكل من جاء بما لا يقبله الإسلام يرد عليه، ولو كان من كان، فلا حصانة دبلوماسية في دين الله  ولا عصمة لمسلم مهما بلغ من مرتبة علمية وإتقان إن خالف الكتاب والسنة.

ويرد ذلك في إطار العلم والعدل لأن الهدف هو تبيان الحق للناس، والحذر من نشر الفتنة وإطلاق يد السفهاء، وهذا يتطلب خطابًا راسخًا متينًا لا يتساهل مع الظلم، يقبل الحق من المخالف ويرد الباطل منه، ليعلم المخالف أن قصد الناصح ليس العداء الشخصي له، إنما تبيان الحق وهداية الخلق والرحمة بهم.

ولذلك من القواعد المهمة في هذا الشأن، أن الغلو لا يعالج بالتمييع، وأن التمييع لا يعالج بالغلو، بل كلاهما إفراط وتفريط وانحراف عن سبيل المؤمنين ولا يكون علاجهما إلا بالاستقامة كما أمر الله جل جلاله، فلا يُرد على غلو في قضية بتمييع لها، بل بضبطها وفق ما جاء في الكتاب والسنة بلا ظلم ولا تطفيف وهنا الحكمة البالغة الموجبة لبركات الإصلاح، أما الظلم فلا يقابله إلا المزيد من الظلم والإفساد، والانحراف يعالج بالاستقامة لا بانحراف آخر يقابله، مهما كانت المبررات، وكل زيادة أو نقصان في الدين ظلم. 

تبيان الحق فريضة

والعدل مع المخالف والمبتدع يقتضي ألا نحول المسألة لشخصه وأسرته وقبيلته وهلم جرا، فنجعل الردود التي هي بالأصل في مسألة علمية، للنيل منه والبغي! بل يجب أن يقدم الخطاب تبيانًا للحق وشرحًا له ليميز الناس الحق من الباطل، وحتى مع من يعاند ويكابر ويرد الدليل من الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح، قال ابن تيمية -رحمه الله- في كتاب الاستقامة:”ومثل هذه الحكايات لا تصلح أن تذكر للإقتداء، أو سلوك سبيل وطريقة، لما فيها من مخالفة أمر الله ورسوله، والذي يصدر عنه أمثال هذه الأمور إن كان معذورًا بقصور في اجتهاده أو غيبة في عقله فليس من اتبعه بمعذور، مع وضوح الحق والسبيل. وإن كانت سيئته مغفورة، لما اقترن بها من حسن قصد وعمل صالح، فيجب بيان المحمود من المذموم، لئلا يكون لبسًا للحق بالباطل”.

وأضاف رحمه الله:”من هذه حاله لا يصلح أن يتبع في حال لا يوافق أمر الله ورسوله، وإن كان صاحبها معذورًا أو مغفورًا له، وإن كان له من الإيمان والصلاح والصدق والمقامات المحمودة ما هو من أعظم الأمور، فليس هو في ذلك بأعظم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، فإنهم يتّبعون في طاعة، ولا يذكرون إلا بالجميل الحسن، وما صدر منهم من ذنب أو تأويل، وليس هو مما أمر الله به ورسوله لا يتبعون فيه، فهذا أصل يجب اتباعه”.[9]

قال تعالى (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) [آل عمران: 187]

كيف عالج السلف الخلاف

قال ابن تيمية رحمه الله يوضح لنا كيف عالج السلف الخلاف:”وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا فى الأمر اتبعوا أمر الله تعالى فى قوله ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)﴾ [النساء: 59] وكانوا يتناظرون فى المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة، وربما اختلف قولهم فى المسألة العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وإخوة الدين، نعم من خالف الكتاب المستبين والسنة المستفيضة أو ما أجمع عليه سلف الأمة خلافا لا يعذر فيه فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع”.

ويوضح ابن تيمية أن الخلاف وقع مع السابقين الأولين في مساحته المقبولة:” فعائشة أم المؤمنين رضى الله عنها قد خالفت ابن عباس وغيره من الصحابة في أن محمدا رأى ربه وقالت: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله تعالى الفرية وجمهور الأمة على قول ابن عباس مع أنهم لا يبدعون المانعين الذين وافقوا أم المؤمنين رضى الله عنها. وكذلك أنكرت أن يكون الأموات يسمعون دعاء الحى لما قيل لها أن النبى قال: “ما أنتم بأسمع لما أقول منهم”، فقالت: إنما قال: أنهم ليعلمون الآن أن ما قلت لهم حق ومع هذا فلا ريب أن الموتى يسمعون خفق النعال كما ثبت عن رسول الله “وما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه فى الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام” صح ذلك عن النبى إلى غير ذلك من الأحاديث وأم المؤمنين تأولت والله يرضى عنها. وكذلك معاوية نقل عنه في أمر المعراج أنه قال: إنما كان بروحه والناس على خلاف معاوية رضي الله عنه ومثل هذا كثير. وأما الاختلاف فى الأحكام فأكثر من أن ينضبط ولو كان كل ما اختلف مسلمان فى شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة”.[10]

وهذه إضاءة على مرتبة من الخلاف المقبول، وليس كل خلاف مذموم، ولابد من التنبيه إلى أن السلف لم يختلفوا في العقيدة، ولذلك كانت مرجعيتهم الأقوى والأمتن والأدعى للوحدة والاتفاق وتخفيف الاختلاف وتقريب المسافات إذا تم الاجتماع عليها. وما هم عليه هو منهج النبوة الذي له المستقبل الواعد بإذن الله.

قاعدة مهمة في الموالاة

لاشك أن المخالفة لأمر الله موجبة للبغض والذم، ولكن يبقى هناك دائما مقياس عدل يمنع أن يطغى الهوى ويتحول الأمر  إلى طريقة الشيطنة على الإطلاق أو البغي والاعتداء، قال ابن تيمية: “الحمد والذم والحب والبغض والموالاة والمعاداة فإنما تكون بالأشياء التي أنزل الله بها سلطانه، وسلطانه كتابه. فمن كان مؤمنًا وجبت موالاته من أي صنف كان، ومن كان كافرًا وجبت معاداته من أي صنف كان. قال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءامَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة:55-56]. وقال تعالى: {يَـاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَـارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} [المائدة:51]، وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71] [التوبة:71]. ومن كان فيه إيمان وفيه فجور أعطِي من الموالاة بحسب إيمانه، ومن البغض بحسب فجوره، ولا يخرج من الإيمان بالكلية بمجرّد الذنوب والمعاصي كما يقول الخوارج والمعتزلة. ولا يجعَل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون بمنزلة الفساق في الإيمان والدين والحب والبغض والموالاة والمعاداة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10] [الحجرات:9-10] فجعلهم إخوة مع وجود الاقتتال والبغي. وقال في موضع آخر: “ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضًا موالاة الدين، لا يعادون كمعاداة الكفار، فيقبل بعضهم شهادة بعض، ويأخذ بعضهم العلم عن بعض، ويتوارثون ويتناكحون، ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض مع ما كان بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك”.[11]

(وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ .. )

قال ابن تيمية رحمه الله:”ثم الناس في الحب والبغض، والموالاة والمعاداة، هم أيضًا مجتهدون، يصيبون تارة، ويخطؤون تارة، وكثير من الناس إذا عَلِمَ من الرجل ما يحبه؛ أحب الرجل مطلقًا، وأعرض عن سيئاته،وإذا عَلِمَ منه ما يُبْغِضه؛ أبغضه مطلقًا، وأعرض عن حسناته، وهذا من أقوال أهل البدع والخوارج والمعتزلة والمرجئة، وأهل السنة والجماعة يقولون ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع…”.[12]

وقال رحمه الله في تفسيره آية (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، قال: “فنهى أن يحمل المؤمنين بغضهم للكفار على ألا يعدلوا، فكيف إذا كان البغض لفاسق أو مبتدع متأول من أهل الإيمان فهو أولى أن يجب عليه أن لا يحمله ذلك على أن لا يعدل مع مؤمن وإن كان ظالما له”.

وتأمل أدب ابن تيمية -رحمه الله- وبصيرته حيث قال: “هذا وأنا في سعة صدر لمن يخالفني فإنه وإن تعدى حدود الله في بتكفير أو تفسيق أو افتراء أو عصبية جاهلية فأنا لا أتعدى حدود الله فيه، بل أضبط ما أقوله وأفعله وأزنه بميزان العدل وأجعله مؤتما بالكتاب الذي أنزله الله وجعله هدى للناس حاكما فيما اختلفوا فيه … “.[13]

وهي قاعدة ” من عصى الله فيك فلا تكافئه إلا بأن تطيع الله فيه “.

إن صفة أئمة أهل السنة البارزة هي قبول الحق أيا كان قائله، ورد الباطل أيا كان قائله، وبهذا ينصر الحق ولا يخذل. وثبت في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (الكِبْرُ بطرُ الحقِّ وغمطُ الناس) والمؤمن البصير ينصر الحق بالحق.

خلاصات مهمة في فقه الخلاف

إن النزول إلى حلبة الخلاف يشبه إلى حد كبير مبارزة الفرسان، والمسلم التقي حريص على المبارزة بشرف واستقامة، لا بخداع وغش، وهنا ملاحظات مهمة لتفادي الأخطاء الجسيمة التي انتشرت في حلبات الخلاف في زماننا فغلب عليها غمط الحقوق والظلم وخذلان الحق، غلبت عليها المشاعر والنفسيات والشللية وإرضاء المتابعين، بعيدًا عن الدليل والحجة والبيان.

1- اضبط نيتك جيدا قبل الدخول في ساحة الخلاف، وإياك وحظوظ النفس والانتصار للهوى، واجعل بوصلتك حب الحق وهداية الخلق ورحمتهم لا حب الأذية وانتكاس المخالف أو نصرة فلان حصرًا أو معاداة فلان أصلا.

2-  لا تدخل ساحة خلاف قبل أن تحيط إحاطة وافية شاملة عادلة بمقولات المخالف، وأصل الخلاف، ولا تبني أحكامك على افتراءات أو سوء فهم أو تحامل مذموم، وهذا يعني أن تأخذ كلامه كاملا بلا اقتباس مبتور، ومنه لا عنه، وفي سياقه بلا إخراجه من حدود معانيه التي يقصدها المخالف وبلا تحميله أكبر مما يتحمله من معاني ومقاصد، وأن تقرأه من عدة زوايا بما فيها زوايا المخالفين والموافقين له قبل أن تقضي فيه بما حباك الله من علم يحدوك في ذلك قول الله تعالى ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ [الإسراء: 36] فإن أكبر الأخطاء وأسوأ الأحكام، تبدأ من تصدر الجهلة ومن لا يعرف أصل القضية فيجادل فيها بحمية لا فهم فيها منساقًا مع الجماهير. “وقيل: إنما يفسد الناس نصف متكلم ونصف فقيه ونصف نحوي ونصف طبيب، هذا يفسد الأديان وهذا يفسد البلدان وهذا يفسد اللسان وهذا يفسد الأبدان”.

3- أن تحدد ما يراه باطلا وتوضحه بالأدلة بتأصيل متين وراسخ، على طريقة السلف الصالح، بلا ثغرات ما أمكنك، لا بتحامل وتدليس أو غمط حق أو تشويش أيا كان هذا المخالف، فهذه أخلاق الفارس في المبارزة. يعمل على استهداف نقاط الضعف وهدم أركان الباطل ولا ينشغل بالتفاصيل التي تطيل وقت المبارزة بلا حسم.

4- أن تسمع رده وتعليقه عليك وتأخذه محمل الجد لقياسه في ميزان الشريعة والعدل لا لرده لمجرد الاعتداء والانتصار للنفس بإسقاط كامل، حتى وإن أساء لك وظلمك.

5- عزوف المخالف ومعاندته لا يعني الكفّ عن تبيان الحق بعلم وأدب، مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية الوضوح والدقة، وهذا الواجب لأنه السبيل لتعليم الناس الحق وإظهاره والسبيل لتربية الأجيال على الاستقامة كما أمر الله والصدق والأمانة فبهما النصر والظفر، والحذر من الاعتداء بتجاوز الحد، بالنيل من المخالف وأهله وآل بيته بحجة أنه أفسد، فلا يؤخذ أهل بيته بجريرته! وتذكر في كل ما أنت فيه أنها عبادة وأن الأجيال تتعلم فتعرف الوجل وعظم المسؤولية.

6- كلما كان التأصيل والبناء على الكتاب والسنة وهدي السلف كان عظيم الأثر متين البنيان شديد الرسوخ والثبات، قويا في رد الشبهات والضلالات، وكلما كان التأصيل والبناء على العقل واجتهادات النفس واختراعات الهوى، بعيدا عن هدي الكتاب والسنة والسلف، فلا تسأل عن الاضطراب والضعف وإثارة الفتن والجدل! وهو مما يدركه العاقل.

وفي الختام

هذا ميدان حق، ينصر بالحق والعدل، ولا ينصر بالباطل والظلم، ولا أفضل من الاجتماع على هدي الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح فهو يختزل المسافات ويخفف من حدة الخلاف ويوجب التواضع للحق،

وفي كل هذا المشهد لا ننسى دور الشيطان المفضل في التحريش بين المؤمنين، ودور المرجفين في كل ساحة علم وعمل، والنمامين من يمشي بالإفك والبهتان، فكل هؤلاء أعداء يتدخلون في التفاصيل ويعيثون فسادا، والعاقل يدرك أن الله يحاسب على ذرة الشر، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)﴾ [الزلزلة: 7-8]. فيحاسب نفسه على الكلمة.

إنها فروسية بحق، تتطلب إعدادا ومجاهدة عظيمة واستعانة بالله والإخلاص والصدق، وطوبى لحراس الشريعة وفرسان العلم والحق.

فاللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه وأعذنا من شر الكبر والظلم وكل ما يباعد بيننا وبين نيل رضاك وقبولك وتوفيقك. وألهمنا البصيرة وقوة الحجة وفصل الخطاب، واستعملنا في إعلاء كلمتك وإقامة شريعتك.

ولا حول ولا قوة إلا بالله.


[1]  كتاب الاستغاثة في الرد على البكري  ص251

[2]  [مجموع الفتاوى: 19/191].

[3]  مجموع الفتاوى [28/16[

[4]  [سير أعلام النبلاء: 14/376].

[5]  [مجموعة الرسائل والمسائل: 3/16].

[6]   [مجموع الفتاوى: 3/348].

[7]  ابن تيمية، مجموع الفتاوى (35/69)

[8]  ابن تيمية، الاستقامة ( 1/219).

[9]  الاستقامة (2/ 276)

[10]  مجموع الفتاوى (24/ 172)

[11]  كتاب المنتخب من كتب شيخ الإسلام – التوسط في الحب والبغض والموالاة والمعاداة، ص173.

[12]  مجموع الفتاوى (11/15-16).

[13]  مجموع الفتاوى (ج3/ 245)

شارك
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x